* مرعوبون - كيف استحالت المنظمات المعادية للإسلام الهامشية إلى مسلك عادي.

Christopher Bail, terrified: how anti-muslim fringe organizations became mainstream. Pup, Princeton 2015. 246 pages.

الكاتب، البروفسور كرستفر بيل، أستاذ مساعد يدرِّس السوسيولوجيا في «جامعة نورث كارولاينا» الأميركية، يقارب المسألة من منظور أكاديمي مختلف عما سبق من الأبحاث في المادة. على سبيل المثال، استعان ببرامج حاسوبية خاصة لمقارنة نصوص أو مفردات ذات علاقة برهاب الإسلام والمسلمين، ترد في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام/ التضليل في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أثرى مؤلفه بمجموعة من الجداول والرسوم البيانية تشرح رأيه وما وصل إليه من استنتاجات. أهم تلك الاستنتاجات أن وسائل الإعلام/التضليل هي الفيصل في نشر رهاب الإسلام ومعاداة المسلمين وهي من جعلت من المنظمات التي تأسست لذلك الغرض ــ وكانت جميعها هامشية ـــ تنظيمات كبيرة ذات انتشار واسع.
يفتتح الكاتب عمله بخبر أذاعه ستيف إمرسن المدير التنفيذي لهيئة اسمها The Investigative Project «المشروع الاستقصائي» عبر قناة «فوكس» الأميركية، يقول: «ثمة مدن إسلامية بالكامل، مثل بيرنغهام [البريطانية] لا يدخلها غير المسلمين. أما ما يتعلق بالعاصمة لندن، فإن المطاوعة يجوبون الشوارع ويعتدون على كل من لا يلتزم باللباس الشرعي». ويضيف الكاتب مع أن المستر ستيف اعتذر عن تصريحاته عن بيرمنغهام، فإنه رفض سحب ادعاءاته السابقة عن وجود مناطق في بلجيكا وهولندا وفرنسا والسويد، محظور على غير المسلمين دخولها!
هذه وغيرها من الادعاءات أسهمت على نحو حاسم ــ في ظن الكاتب ــ في تمكّن منظمات متخصصة في نشر رهاب الإسلام والمسلمين وشيطنتهم، وسنعود إليها لاحقاً.
دعم الكاتب استنتاجاته بخصوص دور الدعاية ومختلف وسائل التضليل في نشر رهاب الإسلام والمسلمين عبر تحليل النصوص ومقارنة بعضها ببعض مستعيناً بنظام الحلول الحسابية (algorithmic text-analysis). هذا دفعه، وكذلك العديد من العلماء الذين علقوا على مؤلفه، سواء سلباً أو إيجاباً، إلى مساءلة دور حرية الإعلام في نشر هذه الأمراض الاجتماعية الخطيرة.
يشدد الكاتب على أن المنافسة بين مختلف وسائل التضليل/ الإعلام التي ناقشها في بحثه وفي مقدمتها قنوات CNN وFOX وMSNBC، وصحف «نيويورك تايمز»، و«واشنطن تايمز»، و«يو إس إيه توداي» أثرت في نشر ثقافة/ لاثقافة (anti-culture)، والتعبير لي. شعبوية رفعت منظمات نشر رهاب الإسلام، الصغيرة والهامشية، إلى المقدمة. يضاف إلى ذلك المنافسة بين الصحافيين اللاهثين وراء أخبار ثانوية، لكنها مثيرة.

قناة «سي. إن. إن» ساهمت في شهرة القس المتطرف تري جونز

على سبيل المثال، ظهر له أن تلك القنوات والصحافيين يمنحون الأصوات الغاضبة مساحات في الفضاء الإعلامي، لكنهم يمنعون تلك العائدة إلى المعارضة للآراء الحماسية.
عبر مختلف التحليلات وأشكال التقصي المباشر منها وغير المباشر، والمرتكز إلى التحليلات الحاسوبية والسؤال المباشر والنظر في التعليقات الواردة في مواقع التواصل الاجتماعي، نجح الكاتب في إثبات أن تغطية القنوات آنفة الذكر لمسألة العمليات الإرهابية هي مضللة تماماً، ويثبت فساد أخبارها فور نشرها، مستعملاً تعبير MARKET OF LEMON.
آخذين في الاعتبار النتائج التي توصل الكاتب إليها، فإنه يلقي على وسائل التضليل مسؤولية انتشار رهاب الإسلام والتمييز في منح فرص العمل، وكذلك تصاعد الاعتداءات على المراكز الإسلامية والمساجد وكذلك على المسلمين الأميركيين.
بالتالي، فإن حرية التعبير ــ المنصوص عليها في دستور الولايات المتحدة ــ أدت، بحسب الكاتب، إلى التعدي على قانون المساواة في الفرص بين المواطنين، والذي بدوره يُعد إحدى دعامات دستور الولايات المتحدة.
يدين المؤلف أيضاً دور بعض المنظمات الأميركية التي تنشر رهاب الإسلام والمسلمين وتنشر الرعب والفزع بين المواطنين الأميركيين ومنها: «مدل إيست فورم» ومؤسِّسها دانيال بايبس، و«مركز سياسة الأمن» ومؤسِّسه فرانك غفني، و«جمعية أميركيون من أجل الوجود القومي» ومؤسِّسها ديفيد يروشالمي، وبردجت غابريل مؤسِّسة «تحركوا! من أجل أميركا».
هناك من أخذ على الكاتب عدم وضعه في الاعتبار دور المحافظين المسيحيين وبعض رجال الكنيسة والمال في تصعيد منظمات وجمعيات تنشر رهاب الإسلام والمسلمين وتحرض إلى درجة إثارة الرعب في صفوف الجمهور. فمنظمة (ACT!) التي تأسست عام 2004 بنحو مئة فرع، صار عدد فروعها في عام 2013 أكثر من 300 في 45 مدينة أميركية و24 فرعاً في دول أخرى.
ولا ننس التغطية الواسعة التي منحتها وسائل التضليل/ الإعلام الأميركية لقسيس مغمور طرد من ألمانيا بتهمة الاحتيال اسمه تري جونز الذي أعلن أنه سيقوم بحرق مصحف، علماً بأنه كان يضع مسدساً على خاصرته أثناء إلقائه المواعظ في كنيسته. المشكلة تكمن، وفق الكاتب، في أن قناة «سي. إن. إن» عندما أقدمت على إجراء مقابلة مع ذلك القسيس، الذي طردته كنيسته الألمانية بتهمة الاحتيال، فقد ساهمت في شهرته عالمياً، بينما كان هو منسياً في كنيسته في فلوريدا حيث انفض المؤمنون عنه بسبب مواقفه المتطرفة تجاه مجموعة من المسائل الاجتماعية. قنوات تضليل أخرى سارعت إلى منافسة «سي. إن. إن»، حتى انتشر الخبر عالمياً وأدى إلى ردود على صعيد عالمي، ما اقتضى تدخل الرئيس الأميركي والتهديد برفع البيت الأبيض قضية على القسيس المغمور، تلقي به في السجن لعقود.
المهم أن وسائل التضليل الأميركية انتهزت فرصة هذا الخبر الإثاري لكسب المزيد من المشاهدين، وبالتالي رفع مداخيلها من الدعاية، ما أدى إلى تحرك مختلف المؤسسات المساهمة في نشر ثقافة رهاب الإسلام والمسلمين، وكذلك تلك المنظمات التي تحارب هذه التنظيمات.