في زمن مفصلي مهم من تاريخ الشعرية العراقية صدرت مجموعتي الشعرية الأولى «يقظة دلمون» عام 1980. كانت هذه المجموعة ابنة السبعينيات بكل ماتعنيه هذه الكلمة، فقد استلهمت مناخ اليقظة الثقافية والمادية والاجتماعية للعراق وهو ينعطف انعطافة نوعية من فردوس بدئي باتجاه جحيم لا نهاية له، فقد بدت هذه اللحظة نوعاً من المطهر البرزخيّ بين حقلين متضادين دخل بعده العراق في جحيم الحروب والأزمات وما زال إلى يومنا هذا.

حملت هذه المجموعة الشعرية حلماً من أحلام جيل السبعينيات العراقي المتمثل في شقّين متلازمين بقيا يشكّلان الإطار الأساس لهذه التجربة النوعية في الشعر العراقي وهما: الجمالية والروحية، فقد بشّرت، مع نخبةٍ نوعيةٍ من جيلنا، بهذين المناخين بوجه ما كان يبشّر به جيل الستينيات، الذي جاء قبلنا، من العبث والوجودية والتمرد واللامعقول.
كان مزاج الراحة والتأمل والبحث عن الجمال هاجساً جدياً في مجمل النشاط السبعيني بعد استرخاء نسبيّ للمجتمع العراقي جاء على إثر التأميم والجبهة الوطنية ومجموعة من المنجزات في أيام حكم أحمد حسن البكر.

يومها كان الشعراء السبعينيون يبحثون عن أدواتهم الخاصة وبصماتهم النوعية، كلُّ واحد على انفراد، بعد الانطلاقة الجماعية للجيل في حدود عام 1973.


ديواني «يقظة دلمون» كان
البذرة الجينيّة لأغلب مناطقي الشعرية التي اشتغلت فيها لاحقاً


اخترتُ المنطلق الجمالي لشغفي النوعي بالشعر العالمي الحديث الذي شكّل أساس ذائقتي الشعرية، فقد كنت أجد فيه منذ بودلير ينبوعاً ثرياً لبناء ذائقتي الجمالية التي لم يُشبعها اطلاعي على الشعر العراقي والعربي الحديث، وكذلك كان اهتمامي بالجانب الروحي الذي كانت مراجعه الأولى في الشعر الذي ظهر في الحضارات القديمة وفي التصوف والكتب المقدسة، وكانت الأساطير والسحر محطّ اهتمامٍ أساسيّ في تجربتي الشعرية، ولذلك سعيت إلى بناء تجربة شعرية جديدة تعتمد على أساسين مهمين افتقدتهما في الشعر العربي ووجدتهما في التراث القديم والحديث للشعرية العالمية، وهما: الجمالية والروحانية.
اليوم أجد في «يقظة دلمون» بذور اهتماماتي التي انشغلت بها في ما بعد بشكل مكثّف، وأضفتُ إليها أموراً جديدة استجدّت في حياتي العملية والمجتمعية والسلوكية. في المجموعة رومانسية شفيفة تتماسك في حقول أربعة من وجهة نظري وهي: الأسطورة، السحر، الإيروس، الروحانيات. فقد كانت بدايات استخدامي للأسطورة في الشعر من خلال «دلمون» الجنة السومرية التي هي أشبه بمدينة أسطورية فاضلة استثمرتُها، مع نصوص أسطورية أخرى، لكتابة أكثر من قصيدة في أحد فصول المجموعة الذي أسميته «كتاب دلمون». ووضعت اهتمامي بالسحر في مجموعة من قصائد «كتاب السيمياء»، وكان هذا الحقل مهملاً تماماً في الشعر العربي الحديث، وكانت بدايته مع تجربتي هذه التي تكرست بعدها في مجموعتي الشعرية الثانية «أناشيد إسرافيل» التي كانت كلها، تقريباً، مكرّسة للسحر، واستمر هاجس السحر عميقاً ومتنوعاً في كل تجربتي الشعرية وما زال. ومثلما بقي السحر منثوراً في نصوصي الشعرية كذلك بقي الإيروس يتصاعد من تجارب أولية بسيطة حتى يدخل في تجارب عميقة للجسد والحب والجنس في مجاميعي المتأخرة، لكنه ظهر مبكراً في مجموعة «يقظة دلمون» في فصل «كتاب بوبولينا». ولعل تجربة الكتابة الشعرية الإيروتيكية هي أوسع أنواع ما كتبت شعراً، فقد كتبت بحدود 15 مجموعة شعرية مكرسة لهذا النوع، ضمّ المجلد الخامس من أعمالي الشعرية سبعة منها.
في «يقظة دلمون»، برغم طابعها الرومانسي، عالم روحاني ما زال جنينياً لكني مررت عليه ثم أصبح، من خلال التصوف والغنوصية والهرمسية، التي صارت أهم مباحثي لاحقاً، حقلاً مهماً من حقول تجربتي الشعرية وخصوصاً في كتابي الشعري «خزائيل». تجربة كتابة القصائد القصيرة كانت حاضرة في هذه المجموعة الشعرية في فصل «كتاب التجليات» الذي ضمّ في حدود 35 قصيدة قصيرة. وكانت هذه التجربة، هي الأخرى، بذرة تجربتي في قصائد الصورة وقصائد كثيرة أخرى ملأت مجموعاتي اللاحقة.

البعض يعتبرون مجموعتي
الشعرية الأولى شاهدةً من شواهد بدايات شعر جيل السبعينيات


أنظر، اليوم، إلى «يقظة دلمون» وكأنه البذرة الجينيّة لأغلب مناطقي الشعرية التي اشتغلت فيها لاحقاً، ولاشك أن تلك الجينات أثمرت حقولاً واسعة صرت اليوم أتجول فيها طويلاً. ورغم كلّ انعطافاتي الشعرية وتحولاتي فقد رافقتني البدايات التي ظهرت في هذه المجموعة لكني سعيت بها إلى شِعابٍ أوسع.
هناك غصونٌ أخرى لتجربتي الشعرية لم تظهر جذورها في هذه المجموعة الشعرية، فقد ظهرت مثل هذه الغصون لاحقاً من خلال تمثُّلي للواقع الذي كنت أعيشه داخل وخارج العراق، وكانت تجربتي في كتابة النصوص المفتوحة ثمرةً متفردة لهذا التمثل، وكذلك تجربتي في شحن الشعر بلغة وتصورات شعبية، وتجربتي في الروزنامة الشعرية التي مثّلتها «أحزان السنة العراقية»، وغيرها من التجارب الأخرى التي لم يسبق لي في «يقظة دلمون» أن تمثّلتُها أو عالجتها.
البعض يعتبرون مجموعتي الشعرية الأولى هذه شاهدةً من شواهد بدايات شعر جيل السبعينيات، وكلهم يجمعون على حميمية هذه المجموعة، وربما يكون تفسيري الوحيد لهذه الحميمية هو في صدق نصوص هذه المجموعة، فقد كانت تمثل خلاصة مشاعري في ذلك الوقت سواء كانت هذه المشاعر عاطفيةً أو معرفية. وأذكر أني كتبتها بعد مراجعة طويلة لنصوصي الشعرية، وقمتُ، أثناءها، بحذف عشرات النصوص التي كنت أجد فيها شكلانية زائدة وتجريباً متطرفاً، ولذلك جاءت هذه المجموعة صافية رائقةً تحمل رشح مشاعري الصادقة في عمر الشباب.
* شاعر وكاتب عراقي مقيم في هولندا