في آذار (مارس) 1936 وبينما كان الشرخ يتسع بين الاسبان المنقسمين إلى فريقين، كانت تنعقد بين شخصيات بارزة من الجانبين صداقات سرية، منها الصداقة المسكوت عنها بين الشاعر اليساري اللامع فيدريكو غارسيا لوركا ومؤسس حزب الفلانج (الكتائب) اليميني الفاشي خوسيه أنطونيو بريمو دل ريبيرا. كيف تعارف الاثنان؟ وما هو العامل المشترك بين الأيقونة الجمهورية والأيقونة الفاشية؟ ما الذي يفسر أن كليهما لقي المصير التراجيدي نفسه؟


في كتاب صدر قبل أيام وأثار الكثير من ردود الفعل، قدم الكاتب والمؤرخ خيسوس كوتا رؤية مدعمة حول صداقة ربطت شخصيتين بارزتين ومتناقضتين أيديولوجياً، «ورود من رصاص» هو عنوان الكتاب الذي استحق عليه مؤلفه جائزة «دار ستييّا ماريس» المتخصصة في كتب السيرة.
عند اندلاع الحرب الأهلية الاسبانية في تموز (يوليو) 1936، كان لوركا ومؤسس حزب الفلانج، خوسيه أنطونيو بريمو دل الريبيرا، على موعد للتحول رغماً عنهما إلى رمزين أسطوريين لمأساة إسبانيا. كان كلاهما قد لبس الأزرق، فالقمصان الزرقاء هي «القميص الجديد» الذي يتغنى به نشيد حزب الفلانج، وأعضاء فرقة «لاباراكا» المسرحية الجوالة التي أسسها لوركا كانوا يرتدون «الأفرهولات» الزرقاء. ويقول الكاتب إن رجل السياسة ورجل الشعر كانا يحلمان بإسبانيا للجميع، برغم أن لسان السياسي منهما كان ينفلت ليتكلم عن القبضات القوية والمسدسات، بينما كان الشاعر الحالم يعزف على البيانو ويقضي الليالي قبالة جنات العريف تحت قمر غرناطته الأثيرة.
تسونامي الحرب الأهلية قذف بهما إلى الأمام، ما تنبأ به كلاهما. اصطبغ قميصاهما بالدم: السيد الفاشي أعدمه الجمهوريون في سجن أليكانتي، والشاعر النوراني أعدمه الفرانكويّون في غرناطة أبي عبد الله الصغير. يقول مؤلف الكتاب إن خوسيه أنطونيو ولوركا هما أسطورتان أيديولوجيتان لكلا الجانبين المتحاربين، وتبدو صداقتهما أمراً مستحيلاً إذا ما انطلقنا من هذه النظرة... فمن المحال، من وجهة النظر الأيديولوجية، أن يكوّنا ثنائياً منسجماً، ولكن الاقتراب منهما بعد نزع الصبغة الأسطورية عنهما سيتيح لنا تفهم تلك الصداقة وقبولها.
كلاهما ينتمي إلى أسرة عريقة: خوسيه أنطونيو هو ابن عائلة قدمت العديد من كبار القادة العسكريين، وهو ابن ميغيل بريمو دل ريبييرا الذي قاد انقلاب عام 1923 العسكري «ليضع حداً لعبث السياسيين الفاسدين». وفيدريكو يتحدّر من أسرة برجوازية مترفة. أولهما يعد مثالاً للرجولة الإسبانية، والثاني شاذ جنسياً، ولكن المؤرخ كوتا يضيف أن الزعيم الفاشي «كان شخصاً شجاعاً، وسيماً، أنيقاً، ومثقفاً جداً، واسع المعرفة بالشعر، مثلما ينعكس ذلك في نشيد الفلانج، «وجهنا للشمس»، الذي كتبه فريق شعراء عظام بمشاركته وتوجيه منه».
ويرى المؤرخ أن «فاشية خوسيه أنطونيو كانت أخلاقية أكثر مما هي سياسية». ومن هنا كان اهتمامه الكبير بالأدب وشغفه بعمل مسرح لوركا المتجول «لاباراكا»: «أريد هذا المسرح الإسباني من أجل الإسبان»، ولهذا كان اللون الأزرق افرهول الفلانج، ولهذا كانت راية الحزب حمراء وسوداء مثل راية الفوضويين من جماعة النقابات العمالية».
وفي الجانب الآخر يقف لوركا، المدافع عن المحرومين والغجر، المتمرد في قضايا عديدة. «في الحقيقة ــ يواصل كوتا ــ أعتقد أنهما كانا شخصين غير مفهومين من معاصريهما. لوركا كان يقول دوماً، سوف ترى كيف سيقتلونني قبلك. جميع أصدقائه كانوا يقولون له: إبقَ في مدريد فأنت فيها آمن أكثر من غرناطة. وما كان يريده هو أن يمر سريعاً ببيته ويرى أباه، ثم يخرج بعد ذلك في جولة مسرحية في المكسيك مع الممثلة مارغريتا شيرغو. الاثنان كانت لديهما نُذر الموت وهواجسه». وعلى الرغم من كل ما يقال، كان كل منهما محباً لإسبانيا أفضل وللجميع. خوسيه أنطونيو يقول للوركا «بأزرقك وأزرقي سنصنع إسبانيا أفضل». وكانا متفقين على الدفاع عن الثقافة الاسبانية بقيمها الروحية والدينية، كل منهما على طريقته. استغل الطرفان المتحاربان مقتلهما في دعايتهما الايديولوجية. ففرانكو حوَّل مؤسس الفلانج إلى أيقونة دينية، فعطله بذلك سياسياً، وتمكن من إلحاق الحزب بقواته. أما لوركا الذي كان يقول إنه ينتمي إلى «حزب الكتب»، فقد استُغل من الطرف الآخر. ويوضح الكاتب أننا لن نتمكن من فهم صداقتهما، إلا إذا نزعنا من ذهننا فكرة أننا أمام «الشاعر الأحمر» و«الغول الفاشي». فقد كانت صداقتهما منطقية، غير أيديولوجية، ولن نتمكن من فهمها إذا نظرنا إليها من الجانب الايديولوجي وحده».
تلك الصداقة كانت تتحول أكثر فأكثر خطورة كلما اقترب الثامن عشر من تموز 1936، يوم بدء فرانكو تمرده العسكري واشتعال الحرب الأهلية. «لقد كانت ــ كما يؤكد كوتا ــ صداقة سرية تنفلت من أيديهما. فخوسيه أنطونيو يخشى اليمين الرجعي. ولوركا، مع احترامه لليسار، كان يقول، «لو أنهم يعلمون، لو يعلمون»، بل إنه كان خائفاً من صديقه الحميم رافائيل ألبيرتي، وكان يقول عنه، «لقد كان شاعراً عظيماً إلى أن عاد من روسيا». كان للوركا أصدقاء كثيرون لقوا مصرعهم من الجانبين. وقد حدد الشاعر ذلك على طريقته: «بامتلاكك أصدقاء في كل جانب، لن تخوض حرباً. فأنت الفاشي سأحييك بالتحية الرومانية؛ وأنت اليساري، سأحييك بالقبضة المرفوعة. ولكنني أريد تحية الاسبان جميعهم كأصدقاء ومعانقتهم بذراعين مفتوحين».