تكاد تكون جميع الكتب التي تتناول السينمات العربيّة مقتصرةً على الجانب التأريخي أو التوثيقيّ، ما عدا استثناءات قليلة حاولت تقديم السينمات العربيّة من زاوية مغايرة تحليلاً ومناقشةً وبحثاً بالرغم من وقوع أغلبها في المطب ذاته الذي وقعت فيه الكتب التوثيقيّة أي اعتبار السينمات العربيّة سينما واحدة موحّدة السمات والأهداف والشواغل والهموم؛ إما انطلاقاً من الفكرة السائدة التي تُحيل كلّ ما هو «قُطريّ» على أمرٍ نافلٍ أو عابر لا ينبغي توصيفه بمعزل عن الصورة «العروبيّة» العامة، أو استسهالاً للمهمّة شديدة الصعوبة التي تقتضي توثيق وتحليل كلّ سينما «قُطريّة» على حدة. من هذه النقطة بالذات، انطلقت أعمال الندوة الفكريّة التي نظّمها «مركز دراسات الوحدة العربيّة» بالتعاون مع «المركز السويدي بالإسكندريّة» في كانون الأول (ديسمبر) 2013 في مدينة الحمّامات التونسيّة. وقد صدرت بحوث ومناقشات هذه الندوة أخيراً عن «مركز دراسات الوحدة العربيّة» في كتاب «السينما العربيّة: تاريخها ومستقبلها ودورها النهضويّ» في مجلّد ضخم (أكثر من 600 صفحة) يضم 17 ورقةً بحثيّة، و11 تعقيباً، وحواراً مفتوحاً ختامياً.


لا يمكن بالطبع تلخيص هذا الكتاب في عدد محدد من الكلمات، ولكن يمكن الانطلاق بدايةً من العنوان الذي كرّس ــ ولو ضمنياً ــ أن السينمات العربيّة هي سينما واحدة. ولعل هذا بسبب التوجّه العروبيّ الصارم للمركز. ولكن رغم ذلك، سنجد أنّ عدداً من البحوث والتعقيبات قد اعترض صراحةً أو ضمناً على هذا التوحيد ليشير إلى أنّ «السينما العربيّة» مصطلح ضبابيّ بالقدر الذي تكون عليه ضبابيّة المصطلحات الموحِّدة الأخرى، كالرواية العربيّة والمسرح العربيّ.
على الرغم من أهميّة جميع البحوث والتعقيبات، إلا أنّ معظمها لم يقدّم جديداً إلى ما نعرفه أساساً عن واقع السينمات العربيّة وهمومها ومشاكلها. وربما لم ينجُ من هذا التوصيف سوى بحثي نديم جرجورة ومصطفى المسناوي على تباين أفكارهما، وتعقيبات فيولا شفيق وثائر ديب وإبراهيم العريس. ويمكن بشيء من الإجحاف أن نكوّن فكرةً معقولةً عن الكتاب عبر استعراض أفكار هذين البحثين والتعقيبات.


الأفلام التي تحمل سمات أدبيّة صنعها المسلمون (ابراهيم العريس)
يؤكّد جرجورة أهميّة سرد حكاية سينما دول مجلس التعاون الخليجيّة، تاريخياً واجتماعياً وثقافياً، بسبب كونها «الحكاية السينمائيّة الأقرب زمنياً إلى راهن السينما العربيّة»، علاوةً على تباين الرؤى والمشاريع الثقافيّة والمهرجانات الموازية للحركة السينمائيّة، ووضوح سمات «الحراك الشبابيّ» الذي لم يتجلّ على هيئة صراع أجيال كما هي عليه الحال في السينمات العربيّة المكرّسة في مصر وسوريا والمغرب العربيّ. بل كان هذا الحراك ذا سمة استثنائيّة بسبب عدم وجود تاريخ لسينما الخليج؛ انطلقت الحكايات السينمائيّة الخليجيّة من حيث انتهت الحكايات السينمائيّة الأخرى، فلم تنشغل بالقضايا «الكبرى» التي تبنّتها السينمات العربيّة في السبعينيّات والثمانينيّات على نحو خاص، بل ولدت فيها مباشرةً الحكاية الفرديّة، والمخيّلة المفتوحة على الاحتمالات كلها، والجرأة في تحطيم الجاهز والثابت. ويراهن جرجورة على مهرجاني أبو ظبي (ألغي المهرجان قبل شهر) ودبي بخاصة بعد «اهتراء البنى الجوهريّة لمهرجانات دمشق والقاهرة وقرطاج».
بالتوازي مع هذا البحث، يشير مصطفى المسناوي إلى أنّ كل بحث يسعى إلى التأريخ للسينما العربيّة اليوم «سيكون مضطراً لمقاربته عبر مجموعة من المداخل لكي يحقق الهدف المرجو منه، والذي يتعدّى اليوم ما يمكن أن نسمّيه «الحاجة إلى التوثيق» لكي يقدّم إلينا عناصر تساعدنا على الفهم والتفسير». كما يؤكّد أنّ كتابة «التاريخ العام» للسينما العربيّة لا يمكن أن يقوم إلا استناداً إلى «التواريخ الخاصة» لكل سينما عربيّة على حدة؛ بحيث يكون إنجاز هذه التواريخ الخاصة سابقاً على كل ما عداه.
ويشير إبراهيم العريس في ملاحظة تستحق النقاش إلى أنّ السينما الغربيّة تأسّست على يد الأقليات العرقيّة والدينية والسياسية؛ أما عربياً، ومن بين 360 فيلماً عربياً، لاحظ العريس أنّ معظم هذه الأفلام «التي تحمل سمات سينمائيّة» صنعها المسيحيّون أو اليهود، أما الأفلام التي تحمل سمات أدبيّة، فصنعها المسلمون «لأنّ تاريخ المسلمين لا علاقة له بالصور، أو هكذا يُفترض أن يكون». كما يشترك كلٌّ من فيولا شفيق وثائر ديب في تأكيد أهميّة تحليل «السينما التجاريّة» (أو الرائجة)، إذ تؤكد شفيق أنّ موقعها كأكاديمية يفرض عليها أن تفهم سبب صناعة الفيلم، وظروفه، وما الذي يحاول مناقشته مع جمهوره بصرف النظر عن جودته. ويشير ديب في نقطة شديدة الأهميّة إلى عدم الاكتفاء بإدانة سينما القطاع العام أو شتمها بناءً على ما بلغته في انحدارها، بل تنبغي مقارنتها بالسينما المستقلة التي يجرى الترويج لها اليوم، «والإجابة بدقة عن مدى استقلال هذه «السينما المستقلة» التي تتموّل ممن يدعوها إبراهيم العريس «هيئات إنتاجية خارجيّة غير مرتبطة بالأنظمة».
واستناداً إلى الفكرة المهمة السابقة، يجرى الترويج لأفلام «جديدة» ابتعدت عن القضايا «القديمة» للسينما، بخاصة في الدول التي لم تشهد صراعاً واضحاً بين الرؤى والأجيال والأفكار، بحيث يمكن تسويق أفكار بالية تحت يافطة الترويج للسينما الشبابيّة الجديدة، كما في المثال الذي يطرحه نديم جرجورة عن فيلم «وجدة» للمخرجة السعوديّة هيفاء المنصور الذي مُوّل من الوليد بن طلال، «واكتسب شرعيّة لانحنائه أمام صورة للملك عبد الله حامي البلاد وراعيها، وبات يشكّل صورة «إيجابيّة» غير صحيحة عن بلد موغل في الظلامية». وبعيداً عن السؤال المهم ما إذا كانت سينما عربيّة أم سينمات عربيّة، ينبغي التساؤل عن معنى وجود السينما وأهميتها و«دورها النهضويّ» في دول معظمها لا يضمّ صالات سينمائيّة تتجاوز أصابع اليدين. تبدو المقارنة مرعبة مع دول قريبة كتركيا أو إيران استطاعت النهوض بسينماها بالرغم من تماثل شواغلها وهمومها مع السينما/ت العربيّة.