«مدن بلا نخيل» كتابي الأول وروايتي الأولى التي لم أفكر أبداً في إصدارها. كتبتُها وأنا في حالة من حمّى الوحدة والعزلة في مدينة أوروبية متنعّمة؛ مدينة حين انتقلت إليها أشعرتني بفقري بل أغرقته تدريجياً بوطأة فقر أشد ودرجة أقصى من العزلة. فيينا هي المدينة الأوروبية التي اخترت الانتقال إليها عام 1984، ظناً بأن الحياة ستتبسّم لي من نافذة الطائرة قبل الهبوط. ستحتضنني أوروبا التي سمعت عنها من حكايات السابقين، غزاة الحُسن وصائدو الأنس في لياليها. في منتصف يناير والصقيع يلهو بألعابه السخيفة معي- أنا الغرير- كانت الصدمة الأولى، صدمة المناخ؛ برودة قرأتُ عنها وخفت منها لكني لم أحسّها تسطر عظامي نشراً هكذا. بعد الخروج من صالة المطار تلقيت الصدمة الثانية، فكل المكتوب والمسموع منذ تلك اللحظة سيكون بالألمانية، لتصطدم الأذن بلحن جديد لن تستوعبه إلا بعد لأْي.

ستصبح الكتابة ملاذاً، كتابة لنفسي، محاورة لذاتي، استعادة سطوة وهمية عبر اللغة، ثم اعتماد الكتابة كعلاج نفسي قبل أن تستفحل الحالة لاكتئاب مزمن وضياع.

■ ■ ■


كنت أفكر يومياً في كيفية العودة لمصر. المحادثات التليفونية للأهل هادئة ومطمْئنة وكذوبة من قِبِلي، وصوري الجميلة المرسلة من أجمل معالم فيينا أيضاً كذابة، كانت بمثابة «فوتوشوب» تجميلي بالصوت والصورة قبل ظهور الفوتوشوب الحقيقي لإراحة بال البعيدين. احتجت لثلاث سنوات ونصف حتى تحققت لي أمنية العودة. وفي كل مرة كنت أغادر فيها القاهرة إلى فيينا بعد ذلك كانت تنتابني حالة من الكآبة تستمر لأسابيع. غياب الشمس كان وما زال عدوي الأزلي، لا أحتمل الأمكنة الباردة ولا السموات الرمادية ولا النهارات البين بين. أضطر لدفع فاتورة كهرباء عالية لإصراري على بقاء الغرف مضاءة نهاراً إيهاماً لعينيّ بنور الحياة.
تولد رواية «مدن بلا نخيل» بعد هذه الفترة؛ فترة الصدمات المزمنة وانعطاف المكان بي في زاوية مقلقة مع ندرة اللغة الأم استماعاً أو نطقاً، فتتحمل العين في البدايات مهمة الأذن؛ إذ أن الأصوات لا معنى لها، العين تقرأ إيماءات الناس وتترجم أيضاً على قياس خاطئ أكتشفه متأخراً.
أعود لأوراقي وأكتب وأتدثر وأحصّن نفسي. أكتب أكثر وأحفظ ما أكتب في دُرج قريب وحيد صغير يتسع لعالمي البعيد. أستعيد على الورق حياتي القديمة. أستعيد الذكرى بتدوين الماضي وأطمئنّ لوجود عائلة بديلة قريبة في دُرجي أخرجها وقت الاحتياج؛ أحاورها وأخالفها وأوافقها وأعيش بعض الوقت معها.
في عام وصولي 1984 لم يكن هنا لا «ساتالايت» ولا فضائيات ولا شبكات الكترونية ولا أي نوع من أنواع التواصل الافتراضي اللاحق. شكَّلتْ الرسائل البريدية المكتوبة بخط اليد – والتي ما زلت أحتفظ بها لليوم – زفات فرح لا يتخيلها أحد. رجل البريد الفييناوي أصبح ملاكاً في نظري. كان يضع البريد في صناديق بريد السكان المعلق على حائط داخل مدخل المبنى، وحين اكتشف مرات أنني أنتظر رغم الصقيع قدومه عند المدخل بشغف لا يضاهى، وشاهد بِشْري الفائض لوصوله، صار يصعد إلى شقتي ليسلمني الرسائل بنفسه، قائلاً بصيغة الاحترام الموجودة في طبيعة اللغة الألمانية: «لم أرَ في عمري أحداً له مثل وجهكم الجذلان وأنتم تتسلمون الرسائل!».
لم أكن أفتح الرسائل فور وصولها، فأنا أعرف غالباً صاحبها من كسرات خطوط العنوان. أجهز بهدوء كوباً من الشاي وأشغّل جهاز الكاسيت على أغنية تعيدني للبلاد البعيدة. في ذاك الوقت يكون الطقس مهيئاً لفضّ الرسالة بعناية داعياً صاحبها أو صاحبتها لمجالستي في تلك الغرفة الباردة مع كوب شاي بخاره أكثر من المعتاد. أقرأ الرسالة في البداية بسرعة قياسية، ثم أستعيد القراءة بسرعة أقل ثم «أتمَزْمَز» بها ببطء لمرة ثالثة. في الليل قبل أن أنام أستعيد القراءة لمرة أخرى وأكون قد حفظت محتواها لأسمّعه لنفسي في برودة الشارع في اليوم التالي. أما ست دقائق في مكالمة تليفونية لمصر، فقد كانت تكلفني – في ذاك الوقت – قيمة عملي المتواضع ليومين كاملين، رغم تكرار كل ما يقال في المكالمات من الجميع. لكني أزعم أنها سطوة الصوت؛ الرغبة في احتضان الصوت ومحاولة تطييب خاطر الأذن لما تعانيه!
في أكتوبر من عام 1988 تولد «مدن بلا نخيل» كمخطوطة في فيينا، ثم تولد ككتاب في كولونيا بألمانيا عن «دار الجمل» في عام 1992، يحملها خالد المعالي معه في أول زيارة له للمدينة في نهاية صيف العام نفسه ونحتفل بالكتاب.

لا أستطيع اليوم تقييم كتابي الأول بشكل محايد؛ فالكتاب الأول يظل دائماً طفلاً لا يمكنك محاسبته بقسوة

في ما بعد تصدر طبعته الثانية ثم الثالثة في القاهرة. تترجم الرواية عام 1999 إلى الفرنسية وتُقرَّر على طلاب الليسيه لامتحانات الثانوية العامة في مدينة «لاروشيل» في فرنسا، ثم بعدها بعام تصدر بالألمانية في فيينا، ثم إلى الانكليزية، ثم مؤخرا إلى الايطالية وتأخذني الترجمات لبلاد أهلها فأقترب من أناس يقرأونني بعناية فأعيد قراءة نفسي بعناية أكبر.
«مدن بلا نخيل» هي أول رواياتي، رواية بسيطة عن عقدة الحياة والموت، على لسان حمزة الشاب ذي السبعة عشر عاماً. أول من كتب عنها نقداً مطولاً كان الدكتور محمود الربيعي الأستاذ السابق للنقد الأدبي الحديث بالجامعة الأميركية بالقاهرة في فبراير 1993، ثم كُتِب عنها بعد ذلك أكثر مما تخيلتْ. يفرحني أنه ما زال هناك من يقرأها ويكتب عنها حتى اليوم، وآخر ما كُتِب عنها كان في شهر فبراير 2015 في «الأهرام» من الأستاذ علاء الديب. من «مدن بلا نخيل» وُلِدتْ رواية «بيت النخيل» التي أكملَتْ تفصيلات لسيرة حمزة لم تُذكر في الرواية الأولى بعد مغادرته السودان نحو مصر متجهاً للنمسا، سردَتْ قصة حب عميقة وموجعة عاشها مع ساندرا في فيينا، وقصة حرب قصمت ظهر السودان وقسمته. كفر بالحرب وبالكلام عن السلام وكفر برجال الدين والسياسة، بائعي الكلام، بمن يميتون الحياة ليحيوا هم.
رغم تكراري القول بأن رواية «مدن بلا نخيل» رواية بسيطة عن عقدة الحياة والموت، لكني لا أتنصّل من اسمي عليها ولا أفكر في إعادة كتابتها كما يفكر البعض، فما لم يكتب في عمل يمكن أن تُزاح فكرته لعمل جديد دون اللجوء للشّفّ أو النقل بزيادة أو نقصان. ومن الطبيعي أن تتغير طريقة كتابتي بعد «مدن بلا نخيل»، فالعيش في مدينة غربيّة لأكثر من ربع قرن إن لم يتسرّب بتلقائية إلى نصوصي، فمعناه أنني غريب يعيش على كوكب غريب.


■ ■ ■


والدي كان محباً للأدب والقراءة وكان يجمع سلسلة «الهلال» و«اقرأ» وغيرها مما كان يصدر في فترة الستينيات والسبعينيات ويجلّدها في مطبعة خاصة، ثم يمهر كعب الكتاب باسمه بحروف ذهبية؛ فظننت في صغري أن أبي كاتب وأنه مؤلف كل هذه الكتب، وتأكدت من قولي هذا عبر دهشة أقراني في المدرسة الابتدائية ممن أحضرتهم معي للبيت لأؤكد حكاياتي لنفسي. ولمّا وقعتُ في الحب في السابعة عشرة، لجأت إلى كتابة الشعر كوسيلة تنفيس للعاطفة المتأججة تجاه الحبيبة التي صعب عليّ أن أقرأ لها في حضورها قصيدة عنها، ناهيك عن دسّ قصيدة واحدة في كفها؛ ففي مجتمع محافظ وعائلة تحترم الجيرة، اعتقدت أن هذا النوع من الأدب سيكون «قلة أدب»، فأحجمت وقدمت قصائدي لأصدقائي باسم مستعار على أنها لصديق لا يعرفونه، قدّروا القصائد ومدحوها، فصرت أكتب عن الحبيبة ليقرأوا هم وهي لم تقرأ حرفاً مما كتبت. احترقتُ بالحالة لكنها شكلت وجداني وشذبت مشاعري. أكملتُ من مكتبة البيت قراءات للعقاد والمازني والسحّار وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وفتنتُ بيوسف إدريس. في المرحلة الجامعية اتجهت لقراءات أخرى في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وبدأت أكتب أثناء الفترة الجامعية دون أي تفكير في النشر. كنت أكتب عن مكان بعيد أريد أن أذهب إليه؛ لا أعرف متى ولا أين.
ويبدو أن الطريق كان مكتوباً للسفر في يوم ما نحو فيينا وللبقاء فيها. كتبت في هذه المدينة كل كتبي. تُرجمتُ مرات، فسافرت كثيراً ورأيت من العالم أكثر مما تمنيت. ومع الوقت اختفت أوجاع اللغة وصارت الألمانية أخت لغتي الأم وصار لي أهل وأقارب وأصدقاء وأحباء في فيينا، ولم أعد أشعر بأي معنى للغربة أو «الحال المؤقت». لست في حالة «ترانزيت إقامة»، أنا في مكان، عشت فيه عمراً طويلاً حتى أهداني نفسه وطناً، وأهداني حتمية الكتابة فصارت وطناً إضافياً.
لا أستطيع اليوم تقييم كتابي الأول بشكل محايد؛ فالكتاب الأول يظل دائماً طفلاً لا يمكنك محاسبته بقسوة، لا أدري سبب ذلك، في حين إن كل ما يصدر لاحقاً أتشدّد في تقييمه ونقده، لكن يظل الكتاب الأول مثل كل تجربة أولى غضّاً محمياً حصيناً، ما يجعله عصياً على الكراهية وعسيراً على التقييم الذاتي.
* كاتب سوداني مقيم في النمسا