مانويل ريفاس *

ترجمة: صالح علماني
كمشاهدٍ، لم يكن بليغاً جداً في التعبير، هذه هي الحقيقة، قال التلفزيون. وكان يجلس هناك، على الأريكة، في يده كأس ويسكي، وينظر ببرودة، كما لو أن مكعبات الثلج وحدها هي التي تصعد إلى رأسه. هذه الليلة لا. هذه الليلة حرك شفتيه في الوقت نفسه مع شخصية الشاشة. بدا كأنه في جلسة دوبلاج. وأظن أنه لم يرُقْه ما قاله. ولا ما رآه. كان يكشِّر كمن ينظر إلى نفسه مشوهاً في مرآة مهرجان، ويريد أن يزيد من حدّة القبح.

استغرق التلفزيون، على غير عادته، في التأمل بضع ثوان. حسنٌ، أُقرُّ بأن ملاحظتي الأخيرة هذه مشروطة بما حدث. وهنا قال الهاملت المستند إلى منضدة الصالون: لم يكن يكثر من القراءة. لم يكن يقرأ كثيراً في السنوات الأخيرة على الأقل. ولكنه اقترب هذه الليلة من خزانة الكتب، فبدأنا نحن الكتب بوكز كُلى بعضنا بعضاً بالمرافق. تلمَّسَ عدّةَ كتب، لكنه أمسك بي أنا في النهاية. قرأ دفعة واحدة حتى المشهد الثاني من الفصل الثالث. ثم تركني واضعاً مؤشراً هنا، في الصفحة التي يقال فيها فلأكن قاسياً، ولكن لا شاذَ الطبيعة (Let me be cruel, not unnatural).
«واضح تماماً، كصفاء الماء»، قال الكوب بصوت أبحّ.
«لماذا؟»، سأل المصباح.
«كيف لماذا؟ هناك يوجد التفسير الذي يبحثون عنه».
«لا تكن أبله»، ردّ عليه المصباح، وكان يعكس ظلالاً كأنها بجعات سوداء. «فلأكن قاسياً، ولكن ليس مسخاً على الإطلاق! وبالمناسبة، هذا ينفع للمُمَزق مثلما ينفع للمفتوق على السواء. أضف إلى ذلك ــ مع كل الاحترام للصديق الهاملت ــ ليس هذا الكلام مما يمكن لتحريٍّ أن يقدمه، في هذه الأزمنة، كدليل أمام القاضي. فبيت من الشِّعر لا يُلزم أحداً سوى كاتبه، بل إن هذا غير مؤكد أيضاً. الشيء الوحيد الذي خلّفه مكتوباً بخط يده هو ملاحظة للسيدة التي تأتي للتنظيف: أرجو أن تمسحي نافذة الصالون الكبيرة جيداً. لا يبدو أنه وداع درامي تماماً».
«أحد رجال الشرطة، البدين منهم، سجل ملاحظة» ــ قال الهاملت بتهيب ــ فتح الصفحة حيث المؤشر وكتب شيئاً في الدفتر.
فقال المصباح متهكماً: «لقد استطعتُ قراءة ما كتبه: ولينافق لساني وروحي بهذا My tongue and soul in this be hypocrites. هذا هو ما دوّنه. مشكلتك، يا صديقي، أنه يمكن لأحدنا أن يجد ما يبحث عنه».
«كانت الفتاة متيقظة جداً»، قالت منفضة السجائر بالفخر المعهود لدى من يعرف أكثر. «فقد مسحت آثار البصمات كلها. حتى إنها أخفت في حقيبتها عقب السيجارة الذي عليه أحمر شفاه».
«هي لم تفعل ذلك!»، صرخ التلفزيون غاضباً.
«ولماذا أنت متأكد إلى هذا الحدّ؟»، سألت ساعة الجدار، ثم أضافت: «لم ينظر أحدٌ إليّ هكذا قط. بوجه مثل لوحة قبر سيئة، مثلما يمكن أن يقول الهاملت».
«كانت حانقة، هذا هو كل شيء»، قال التلفزيون. ثم أضاف بصوت خافت: «إنني أعرفها جيداً. لا يمكنها أن تفعل ذلك أبداً. لا يمكن أن تفعله في الواقع...».
ضحكت الساعة ضحكة من هو عالمٌ بكل شيء. «لقد رأيناها ذات مرَّة تُطلق النار بداخِلِك أيها التلفزيون. فلماذا لا يمكن أن تفعل ذلك الآن؟ لقد كان فيلماً في الحياة الواقعية كما على الشاشة. وهل تتذكرون مشاهد الحب هناك، على الأريكة؟... حطمني، كُلني، اقتلني!».
«أنت بلهاء»، قاطعها التلفزيون. «أنت لا تفهمين شيئاً».
«أنا واقعية»، قالت الساعة دون أن ترتبك. «ونحن جميعنا نعرف ما جرى. الناس لا يعرفون. الناس سيبتلعون ما تقوله لهم أنتَ. لكن الأمور جرت مثلما جرت. لقد كانت تشعر بالغيرة. ولديها الحق بأن تشعر بها. فقد اكتشفتْ أن الأخرى كانت هنا. الأخرى كانت في الهواء. ذهبا إلى غرفة النوم. تجادلا. وكان هناك سلاح. كانت تعرف أنه موجود في الكوميدينو. أطلقت النار وقتلته. كما في الفيلم. لماذا نخدع أنفسنا؟ جميعنا سمعنا ما قاله المسدس».
«معك كل الحق»، أكَّد المصباح.
«لم نرَ شيئاً»، قال التلفزيون. في الحقيقة لم نر شيئاً.
«سمعنا وهذا يكفي!»، قالت الساعة.
«بلا استعباد!»، ردّ التلفزيون غاضباً.
في الخارج كانت السماء تمطر بوقع كئيب كوقع مسلسل بوليسي. ومن خلال النافذة الكبيرة، كانت تنزلق دموع نيون. أما الساعة، فقد رازت مقدار التشويق. ثم تكلمت باقتضاب: «جميعنا سمعنا ما قاله المسدس: إنها هي، إنها هي!»
ولكن عندئذ، بصوت مما وراء القبر، ومن غرفة النوم، صرخت الظلمة: «المسدس صفيق ووقح!»
اتخذت الأشياء كلها وضع الترقب، مع نبض الساعة الذي يقرع في صدغي البيت.
«حين ركضت الفتاة نحوه لتعانقه ــ روت الظلمة ــ سمعتُ كيف كان المسدس يهمس: لولا وجودي لما تحررتِ أبداً من هذا القواد».
انتظروا أن يقول الهاملت الكلمة الأخيرة. لكنه كان ينظر باتجاه المرفأ. وكانت صفارة سفينة الشمس العظمى تحيي إله النهار كأنها ديك بحر.

* مانويل ريفاس بارّوس: كاتب وشاعر وباحث وصحافي إسباني، معظم أعماله باللغة الغاليسية، ولكنه غالباً ما يترجمها بنفسه إلى اللغة الإسبانية القشتالية. هو ابن عامل بناء، وكان يرغب في مواصلة مهنة أبيه، لكن أمه بائعة الحليب نصحته بأن يمتهن مهنة لا تبلله، فعمل بنصيحتها وانكب على الدراسة. بدأ العمل صحافياً، وهو في الخامسة عشرة، بالكتابة لجريدة «إل إيديال غايغو»، ويكتب اليوم مقال رأي أسبوعياً في جريدة «الباييس». جمع أفضل تحقيقاته الصحافية في كتاب بعنوان «الصحافة، إنها حكاية» (1998)، وكتابه هذا يُدرس في عدد من كليات الصحافة والإعلان في إسبانيا، ومثلها كتبه «نصوص وزهور» (1992) و«غاليسيا، غاليسيا» (2001)، و«امرأة في الحمام» (2004)، و«جاسوسة في مملكة غاليسيا» (2004). وفي ميدان الأدب، بدأ شاعراً في سبعينيات القرن الماضي، أسس مجلة «لويا»، ونشر فيها نصوصه الشعرية الأولى. نشر عدداً من الدواوين، ومجلد مختارات بعنوان «القرية في الليل». في القصة والرواية، بدأ بمجموعة قصص قصيرة «مليون بقرة» عام 1989 التي نالت جائزة النقد القصصي في غاليسيا. وفي عام 1996 مجموعة قصصية أخرى بعنوان «ألا تحبني، يا حبي؟»، ونال عليها الجائزة الوطنية للقصة و»جائزة تورينتي بايستير». ويتضمن هذا الكتاب قصة «لسان الفراشات» التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير. عمله الأبرز «قلم النجار» 1998، نال عليه مجموعة من الجوائز وترجم إلى عشرات اللغات العالمية.