خاف الطبيبُ أن يقرأ الحاج في نظرته إليه لوماً على ضحكه وسط جنازة شقيقه. فكّر الطبيب أنّه كان، قبل سنوات، يمكنه تأنيب الحاج.

استدار الطبيب كليّاً عنه رأفة بنفسه، وكي لا يخسر اهتمام الرجال بقربه.
تكرّر ضحك الحاج. التفت الطبيب إليه هذه المرّة بحذر باسماً. سمع الحاجَّ، يقول لـ «أهبل» الضيعة:
- «احكي لنا ليه طلعت أهبل... منزوّجك!».
رد الأهبل الذي جمدت ملامح وجهه على موجة الابتسام:
- «بدي اتجوّز متعة متلك يا حج».
ضحك الحاجُ معتدّاً، وراح يرتّب بيسراه جاكيته وقميصه الضيّق على كرشه. ثم مسح لحيته المشذّبة بيمناه ذات الخاتمين الفضيّين.
وارتفع الضحك أكثر حين قال الأهبل وجسده يتلوّى:
- «أنا طلعت أهبل لأن رفقات بيي، العملاء، كانوا يفوتوا يناموا مع إمّي هنّي وعم يسكروا عنّا. وحبلت فيي إمّي منن كلّن».

سحب الحاج من جيبه مالاً وأعطى الأهبل. قال له وقد تورّد خدّاه الأبيضان:
- «تعا لعندي ع الفيلا لأعطيك ثياب. بهدلت اللي اعطيتك اياهن المرّة الماضية».
الأهبل: «بتجوّزني؟».
الحاج: «منشوف».
الأهبل: «أني بيي عميل كلب تركني وهرب ع إسرائيل».
أراد الطبيب أن يتابع حديثه، لكنّه انتبه إلى انتهاء الجرّافة والمتطوّعين من أبناء الضيعة من حفر القبور.
سأل ابن شقيق الطبيب، مستغرباً، عن أسباب حفر عدد من القبور، بينما هناك ميّت واحد فقط، والده.
غمزه عمّه الطبيب لائماً.
سارع شابٌّ ملتحٍ يُقفِل أزرار قميصه كلّها ويتركه متدلِّياً فوق بنطلونه الفضفاض، إلى القول بلهجة مؤنِّبه:
- «لا باقٍ إلا الله سبحانه وتعالى. كلنا سنموت إن شاء الله».
انتظر الطبيب الشابَّ حتى انتهى من عبارته، وتدخّل:
- «يستفيدون من وجود الجرّافة هنا».
استغرب ابن شقيقه قبول طبيب فكرة أن تُحفر قبور لا لزوم لها.
حدّق في وجه عمّه الطبيب. رآه يشارك الآخرين ضحكهم لشروع أحدهم بتعداد المرشّحين للموت. وتردّدت في أذنه كما لو أنّه يسمع تسجيلاً قديماً متقطّعاً، عبارة عمّه الطبيب: «الله يطوّل عمارن كلّن!».
ولام نفسه للاستعجال بالقبول بدفن والده في الضيعة التي هجرها فتى إلى العاصمة، وانقطع عنها. فكّر في أن أباه سيكون وحيداً وغريباً هنا. أحسَّ بالذنب. وقال لنفسه: «لن أُدفن هنا». واسترسل متذكّراً أنه سيوصي بحرق جسده بعد التبرّع بالأعضاء الصالحة منه. ووجد نفسه ينظر مجدّداً إلى الطبيب. لقاه يسحب مالاً من جيبه مسرعاً في اتجاه سائق الجرّافة. أعطاه مبلغاً، من دون أن يسأله كم يريد أجراً. وقال بصوت عالٍ بلهجة مؤنِّبة ولطيفة في آن:
- «يا ريتكم ما قلعتوا الزيتونة، وكنتوا حريصين عالغصون اللي تكسّرت إنتوا وعم تشتغلوا. هاي أشجار مباركة وتاريخيّة. والحفاظ على البيئة ضروري وجميل».
ابتسم الطبيب ولم ينتظر جواباً. اقترب من أحد أبناء البلدة المتطوعين، ودسَّ مالاً في جيب بنطلونه. غمزه، وحرّك كفّه في الهواء بشكل دائري:
- «وزّع ع الشباب».
ومدَّ يده إلى خلف رأس الشاب وشدّه نحوه. مستسلماً انحنى الشابُّ. رفع الطبيب كعبي قدميه كي يقلّص فارق الطول بينهما. قبّله في جبينه. ثم جالَ بنظره على الرجال المحتشدين، يتوقّع انشداههم به بأفواه مفتوحة وعيون برّاقة.
وجدهم مشغولين عنه، متحلّقين حول الحاج. والأهبل يُعيد أمامهم قصّته وطلبه. ومجموعات متفرّقة من أصدقاء شقيقه المتوفَّى، الغرباء عن الضيعة، يستأنسون ببعضهم بعضا، أو صامتين.
وقف الشيخ وسط الشارع خلف التابوت ووجهه إلى القبلة، استعداداً لصلاة الميّت. بدأ الرجالُ يصطفّون إلى جانبه وخلفه. وراح أصدقاء المتوفّى يبتعدون بصمت.
مرّت مجموعة من النساء بجانب المصلّين. لمح الطبيب ابنتي شقيقه المتوفّى، وقد سقط منديلاهما الأبيضان عن رأسيهما، واستقرّا فوق أكتافهما.
قال الحاج يخاطب الطبيب بجانبه:
- «بالشوشة؟ شو هالبهدلة».
لم يرد الطبيب. حرّك شفّتيه كأنّه مستغرق في الصلاة.
لم يصدِّق ابن شقيقه، الواقف خلفهما، سماع ذلك عن أختيه في جنازة والدهم، وعمّه، الطبيب، صامت. تحرّك في مكانه. أحسَّ الطبيب بحركة خلفه. استدار حشريّة. اصطدمت نظراته بعيني ابن شقيقه الغاضبتين. مسّ الطبيب خوفٌ من انفجار مشكل وسط الصلاة. بسرعة استدار كما كان. وبحركة معاكسة لحركته ولوقوف المصلّين استدار ابن شقيقه واضعاً كفّه على جبينه، مردِّداً: «بهدلة؟».
أمسك الطبيب يد ابن شقيقه وسحبه للخروج من صفوف المصلّين. استجاب له وهو يسمع دقّات قلبه المسرعة. تذكّر أنّه لا يلتقي الحاج إلا هنا، إذا ما جاء إلى دفن.
تابع الحاج، من بين المصلّين، ما يجري بين الطبيب وابن شقيقه. أعانه طول قامته في ذلك.
استعجل الطبيب ابن شقيقه للابتعاد قدر الإمكان عن المصلّين. وقفا جانباً تحت شجرة صفصاف عجوز.
قال الشاب بصوت مرتجف:
- «إذا ما حطّوا حجاب بهدلة؟».
دعاه الطبيب إلى الهدوء:
- «ما في مشكل إذا قال بهدلة».
ارتفع صوت الشاب، وأزاح يدَ الطبيبِ عن كتفه.
مال الحاج نحو الأهبل، وهمس في أذنه:
- «روح شفلي هالكلب لي عم يكفر ويرفع صوتو ع اللي أكبر منّو!».
انطلق الأهبل. في منتصف الطريق انحنى على الأرض وحمل حجراً بكفّه الضخمة. اقترب من الشاب وباغته بضربة على رأسه. نفر الدم وسقط أرضاً.
* كاتب لبناني