الرواية والتاريخ مرةً أخرى؛ وخلفيّة الأحداث قصة حب مُحرّمة. يبدو أنّ قدَر الروايات العربيّة، والسورية خصوصاً، هو الانغماس في كتابة التاريخ، وإعادة كتابته، وإعادة إعادة كتابته مراراً وتكراراً. أسباب غرق الرواية في التاريخ لا تُحصى، ويكاد يكون الاختلاف الوحيد بين الروايات السورية المتماثلة تقريباً هو تباين وجهات نظر كتّابها في نظرتهم إلى التاريخ القريب. أما باقي التفاصيل فتكاد تكون متطابقة. ومع أنّ رفيق شامي (1946) هاجر إلى ألمانيا بداية سبعينيات القرن الماضي، إلا أنّ روايته «الجانب المظلم للحب» (2004)، التي صدرت ترجمتها أخيراً عن منشورات «الجمل» (ترجمة خالد الجبيلي) تومئ إلى أنّ كاتبها لم يغادر جحيم البلاد بعد. بلاد الموت والحب ووطأة حكم العسكر الثقيلة الممتدة عقوداً. تحاول الرواية استعادة شكل الملحمة ورواية الأجيال على امتداد أكثر من ألف صفحة. تبدأ القصة بسؤال عن مصير الحب بين فريد مشتاق ورنا شاهين، وتنتهي بانتصار هذا الحب. نهاية سعيدة نادرة في زمن الضيق. أما ما يقع بين السؤال والإجابة فهو محاولة كتابة تاريخ العائلتين المتناحرتين للعاشقين في بلدة معلولا، على خلفيّة تاريخيّة اجتماعيّة سياسيّة تمتدّ إلى ما يقارب القرن، مع تركيزٍ على العقود الممتدة من الأربعينيات إلى نهاية الستينيات. ربما كانت هذه الفترة هي الأكثر حضوراً في الروايات السورية. ولو استثنينا روايات فواز حدّاد الأولى، تكاد تكون الروايات السورية التي تناولت هذه الفترة متماثلة. على سبيل المقارنة، أن يبقى مسلسل تلفزيونيّ «حمّام القيشاني»، رغم انحيازاته، هو الممثّل الأفضل لهذه الفترة التاريخيّة يعني أنّ الرواية السوريّة في مأزق لا بد من الخروج منه.

على امتداد 28 فصلاً (فضّل الكاتب تسميتها «كتباً»)، و304 فقرات حاول شامي جعلها بمثابة قطع فسيفسائيّة تشكّل اللوحة الأكبر، تحضر السياسة والتاريخ بقوّة رغم كونهما العنصرين الأضعف في الرواية. كانت انحيازات الكاتب واضحةً، وزادها مسخ الشخصيات السياسية بأسماء كاريكاتورية، كمحاولة لشنّ هجوم عليها. ما حصل فعلاً هو أنّ القارئ سيحتفظ بهذه الأسماء معيداً إياها إلى صورتها الحقيقيّة وسينسى القصة الفعليّة للرواية. القصة الأهم: الحب في زمن الموت. حين غابت السياسة، أو كادت، بدت الرواية مدهشة فعلاً. رفيق شامي أحد الكتّاب القلائل الذين يصوّرون دواخل الشخصيات ببراعة. هذا ما نجده في كتابَيْ «العزلة» الأول والثاني. الأول في الدير، والثاني في المصحّ النفسيّ. هذان الكتابان، وكتب الحب والنموّ - على نحو أقل -، أنقذا الرواية من الإخفاق وسقوطها في الكليشيهات. أضعف كتب الرواية كانت كتب الضحك والجحيم. في كتب الضحك كنا أمام محاولةٍ لتخفيف تجهّم الأحداث عبر اللجوء إلى النكتة، ولكن ما حصل هو أنّ رحلة النكتة من العاميّة السوريّة إلى الألمانيّة ثم الإنكليزيّة (اللغة التي تُرجمت عنها الرواية) ثم إلى العربية الفصيحة أفقدت النكتة بهجتها وجعلتها بمثابة تعذيبٍ آخر. كان من الأفضل للكاتب والمترجم (وكلاهما سوريان عملا معاً على إخراج الترجمة بصورتها النهائيّة) أن يُعيدا النكتة إلى أصلها العاميّ، بحيث تكسر إيقاع الرتابة الجحيميّ الذي يقبض على الأحداث والشخصيات بقسوة. أما في كتابَيْ الجحيم، لم تُضف الرواية شيئاً حين حاولت إعادة تصوير جحيم السجن السياسيّ. بدت الشخصيات مكرورة باهتة، ولم تُسعفها الصدفة الغرائبيّة في تحوّل بولس إلى مهدي، إذ تلاشت براعة شامي هنا، وأوقع الرواية في مطبٍّ كانت بغنى عنه. كان يمكن الإبقاء على روعة الرواية الدائريّة التي تنتهي حيث بدأت بصيغةٍ أخرى.

يكمن جمال العمل في الهمس الصافي الذي انسلّ من قبضة الكاتب والأبطال

ثمة ملاحظات أخرى تخص المترجم والناشر، بخاصة في كمّ الأخطاء اللغويّة والركون إلى المفردات القديمة التي كادت تنقرض، ليس من المعقول أن تضم روايةٌ صدرت عام 2015 مفردة «السابلة» التي كان يمكن استبدالها بـ «المارة» ببساطة، عدا عن أمثلة أخرى استسهل فيها المترجم اللجوء إلى مرادفات قديمة، ربما بدافع من مواكبة لغة السرد التقليديّة للكاتب التي كانت الخيار الوحيد فعلياً في كتابة رواية تاريخية كبيرة.
بالرغم من كمّ الشخصيات الكبير في روايةٍ ضخمة كهذه، إلا أنّ رفيق شامي أعادنا إلى زمن البطل الأوحد. وقع الكاتب هنا في الفخ ذاته الذي كان يلوم الشرق عليه في عبادة الشخصيات الفردية. بدا فريد مشتاق هو البطل كامل الصفات، الثوريّ الواعي المثقّف رهيف الأحاسيس، بينما بدت الشخصيات الأخرى، رغم افتراقها عنه بهذه الدرجة أو تلك، بمثابة «سنّيد» للبطل الذي ظفر بمحبوبته في نهاية الحكاية. لم نفهم تاريخ عائلة شاهين كما فهمنا تاريخ عائلة مشتاق، أما الشخصيات الثانويّة فكادت تغرق في كليشيه استشراقيّ يبدأ بالجنس ويعود إليه، ويغرق في التخلّف على عكس الشخصيات التي درست في مدارس النخبة.
تُقرأ هذه الرواية من تفاصيلها الصغيرة التي تُنسينا خطايا الرواية الأخرى. سنجد مهارة الكاتب واضحةً في تصوير العلاقة الرائعة بين فريد وجدّه، وفي لوعة الحنين التي يصف فيها شامي دمشق الخاصة به، دمشق التي كانت. غابت السياسة هنا وبقيت لوعة المشتاق المهاجر. هنا، نجد مفتاح هذه الرواية، في المقارنة العفويّة بين ما كان وما حصل لاحقاً، تمهيداً للجحيم القادم. ثمة احتفاء بالجمال بكل تفاصيله الصغيرة المذهلة من روائح الأزهار وعبق المرأة، ودفء الجدّات والأجداد، والأصوات المتداخلة لبهجة الأطفال قبيل تحوّلهم إلى رجال ونساء قبل الأوان، ووقع الأقدام في هدوء الليل، والتشويش المرافق بالضرورة للأغاني في الراديو. هذه رواية للأذن والأنف قبل العين. هنا مصدر روعتها قبل أن تغرق في جحيم السياسة. ربما لم تُضف رواية «الجانب المظلم للحب» جديداً على الرواية التاريخيّة السوريّة، باستثناء أنّها كُتبت بالألمانيّة. بل ربما يكمن تميّز هذه الرواية في الجوانب التي لم تُكتَبْ من أجلها أصلاً، أو في التفاصيل التي نجت من مذبحة السياسة والتاريخ. روعة هذه الرواية هي في شخصيّاتها ونواحيها المنسيّة، في تلعثم متّى وذاكرة رنا المشوّشة وتناقضات كلير. جمالها في الهمس الذي انسلّ من قبضة الكاتب والأبطال ووصل إلينا بكل صفائه ولوعته، كما كان.