نحن الآن في خريف عام 1991... طلب مني ملاّح القارب ونحن نشرعُ في عبور الضفة العراقية من نهر الخابور، أن أنتقل إلى الجانب الآخر لأحفظ توازن القارب الذي كان يترنَّح في الماء قبل أن ينطلق نحو الضفة السورية، بفعل اكتظاظه بالبشر وأغراضهم وهم يعبرون إلى الضفة الأخرى، كان بين يدي كيس نايلون أبيض خرجتُ به من بغداد إلى كردستان، لأدرأ به شبهة الحقيبة التي توحي بالسفر في بلادٍ مُنع فيها السفر والمسافرون في ذلك الوقت. حين وقفتُ لأغيِّرَ مكاني في القارب، اندفعت المخطوطة، وكانت أثقل ما في الكيس، كطائر سجين وكادت تسقط منتحرة في النهر الجاري قبل أن أتلقَّفها وأُعيدها بدفعةٍ قوية إلى داخل الكيس! وأنا مذعورٌ من فكرة أن أرى حبرها الأسود ينحلَّ في الماء!

هكذا دخلت بمخطوطتي «مخيم الهول» على الحدود السورية قبل أن ننتقل معاً بالقطار، من القامشلي إلى دمشق.

■ ■ ■



«قال هذا فراقٌ بيني وبينك، سأنبئك بما لم تستطع عليه صبْراً». بهذه الآية القرآنية ذات البعد التأويلي صدّرتُ ديواني الأوَّل تصديراً مقصوداً، لتنتهي الصحبة بين النبي والوليِّ الحيِّ: موسى والخضر، وليصبح الكشف عن الحقيقة نهايةً للصحبة التي ابتدأت سفراً جماعياً وآلت إلى منفى فردي، ولتولد الحقيقة في المنفى من جديد. عندها كان التأويل أقوى من التفسير، فللمنفى في بدايته هواجسه المتعددة، ليس الحصول على بطاقة وأوراق ثبوتية للهوية! إلا واحدة منها، على أنَّ الخشية من ضياع الهُوية الأخرى: المخطوطة، وأنا أتنقّل بها من سكن لآخر شكَّلتْ لي «وسواساً قهرياً» في تلك الأيام، وكنت لا أزال تحت تأثير هاجس سقوط الكتاب في نهر الخابور، ورغم أن عدداً من القصائد كان منشوراً في بعض المجلات العراقية -الطليعة الأدبية تحديداً- إلا أنَّ العراق كان بالنسبة لي أرشيفاً مُضاعاً، ولا أريد لأرشيفي الشخصي أن يضيع هو الآخر!
تحت هذا الهاجس استبَّدت بي الرغبة في تنضيد الكتاب، ثم قادتني إلى تصميمه وإخراجه، حتى قبل أن أجد لهُ ناشراً، وفي بحثي عن طريقة للاحتفاظ بنسخة إضافية منه، كنت أتجنَّب تركه بيد مكاتب الاستنساخ قبل دفعه للتنضيد! لذلك أمضيتُ أياماً وأنا أعيد نسخهُ بخط يدي، قبل دفعه للتنضيد في مكتب «دار المستقبل» لنصر شمالي، حيث كنا ننضِّد مواد جريدة «العراق الديمقراطي» المعارضة وهي أول جريدة أقوم بتحريرها بمفردي تقريباً. كان «مصعب شمالي» متساهلاً في سعر التنضيد لكتاب مسكوك الأسطر والكلمات وبتشكيل كامل للحروف! فقد كان خطي مُلَّائياً، قبل أن أفقد مرونة الكتابة بالقلم بعد تحولي للكتابة على الكومبيوتر. سلَّمني الكتاب «رولة» بطريقة التحميض على ورق شبيه بورق الصور الفوتوغرافية، وأعطاني نسخة على «فلوبي» لكن هذا كله لم يلغِ تلك «الفوبيا» وهاجس ضياع المخطوط الذي ما زلتُ أحتفظ بنسخته الأولى حتى الآن، بعد عطب الفلوبي، ونفاد نسخي الشخصية الورقية من الكتاب!
صدر الكتاب عام 1992، وكان «باكورة» للإصدارات الشعرية لدار «الحضارة الجديدة» (شراكة بين هاني مندس والراحل عبد الرحمن النعيمي المعروف باسمه الحركي: سعيد سيف) في سلسلة شعرية تعاقب بعدها شعراء عراقيون وعرب على النشر فيها. صممت غلافه نهى الجندي، وأخرجه طالب الداوود، أما الراحل «أبو أيوب» الذي حمل لي النسخة الأولى منه، فهو عرّابه الحقيقي لدى الناشر.
قبل أن أكتب قصائد الديوان بدأت شاعراً عمودياً، نشرت أولى قصائدي في بغداد عام 1978 وأنا في الخامسة عشرة، وكانت غزلية على بحر الرمل، متأثرة بشعر جماعة «أبولو» - سأعرف لاحقاً أن رواد الشعر الحديث في العراق، قد تأثروا بلا استثناء بشعر هذه الجماعة - واللافت أن إطلالتي التالية كانت من دمشق! فخلال ما سُمّي «شهر العسل» في العلاقات العراقية السورية، بعد توقيع ميثاق العمل المشترك بين البلدين في العام نفسه، صارت إذاعة دمشق تُسمع في بغداد بوضوح لأول مرة، استمعتُ لبرنامجٍ اسمهُ: «أقلامٌ واعدة» فأرسلتُ له غزلية أخرى عمودية! لم يمضِ أسبوعان، إلا وأسمع قصيدتي تذاع بصوت عدنان شيخو، مع شهادة نقدية من الشاعر الراحل محمد الحريري تشيد بالقصيدة. غير أن لقائي بالراحل موسى كريدي، القاص الطليعي الستيني الذي يكتب الشعر، عمودياً وحرَّاً وقصيدة نثر، ورأس تحرير مجلة «الكلمة» في أوج ازدهارها بين نهاية الستينيات وأواسط السبعينيات، له الأثر الحاسم في انقلاب فهمي للقصيدة وحداثتها، والتحول التدريجي، لكن المكثف، نحو قصيدة النثر، ربما لهذا كنتُ أكثر ميلاً لشعر الستينيات العراقي مني إلى شعر السبعينيات الذين كانوا على مقربة يومية مني.
كان المكان متشعّباً في قصة صدور ديواني الأول، فقد كتبتُ جميع قصائده في العراق، وكنتُ في دمشق، بينما صدر في بيروت

زمن قصائد الديوان بين عامي 1982 – 1988 وأمكنة كتابتها متسعة ذات جغرافيا وتضاريس نفسية مختلفة: على ظهر دبابة تي 62، في ملجأ حراسة مع بندقية كلاشنيكوف، إزاء جثة جندي منتحر، أو «شهيد!» في مرقب بقلعة شوان في چمچمال، على مقعد الدراسة، في المقهى، في الطوابق العليا للباصات، على سرير النوم... بل أن القصيدة الواحدة نفسها تتشكل من تداخل هذه الأماكن جميعاً. ولذلك جاءت القصائد مزيجاً من التأمّل والضجيج، أو هي اختبار القدرة على التأمل داخل الضجيج نفسه! وكان المكان متشعّباً في قصة صدوره كذلك، فقد كتبتُ جميع قصائده في العراق، وكنتُ في دمشق بينما صدر في بيروت.
أردت للديوان أن يكونَ نموذجاً للكتاب الشعري، لا جامعاً لقصائد من شتاتٍ، لذلك بوَّبتُهُ في ثلاثة أبواب ضمّت اثنتي عشرة قصيدة، حاولتُ فيه إعلان هويتي الشعرية وسط هذا التنازع بين «قصيدة النثر» وقصيدة التفعيلة، ورغم أن الديوان لم يُكتب عنه في العراق أي شيءٍ مع أن بعضاً من قصائده المنشورة في الثمانينيات حظيتْ باعتناء نقَّادٍ ستينيين كالراحل محسن اطيمش وحاتم الصكر وعبد الإله الصائغ وسواهم، إلا أنه استُقبل في سوريا ولبنان ومصر بتقريظات نقدية على أنه في صميم تجربة «قصيدة النثر» وتمرّدها على القالب الإيقاعي المعتاد، بينما كان قسمه الثالث موزوناً حتى بعناوين قصائده، بيد أنَّ التوزيع الهندسي الكتلوي للقصائد، والتدوير الإيقاعي والمعنوي والاسترخاء في بناء الجملة وتجنّب القافية والعبارات القصيرة الحادة، أوجدَ شكلاً شعرياً مضللّاً، وهو ما أراهُ الآن منسجماً مع فهمي لكتابة نص ثالثٍ بين «قصيدة النثر» وشعر التفعيلة، قصائده إرهاصات مبكّرة للمطولات ومحاولة شحن «قصيدة النثر» بطاقةٍ ملحميَّة، وهو ما عملتُ على ترسيخه لأصل إلى كتابة القصيدة/ الديوان ذات الأشكال المتداخلة والمعمار ذي الأصوات المتعدَّدة في كتبي اللاحقة منذ ديواني الخامس: «أندلس لبغداد» وصولاً إلى التاسع «معلقة دمشق».
الآن، بعد أكثر من ثلاثين عاماً على كتابة تلك القصائد، وما يقرب من الربع قرن على صدور الكتاب، أنظر إليه نظرةً خاصة، تتفادى الإعجاب، ولا تقع فريسة الريبة كما يفعل بعض الشعراء نحو دواوينهم الأُوَل، أكاد أستذكر بكل جملةٍ فيه حدثاً أو مكاناً أو بشراً أو مشهداً وحالةً كُتبت تلك العبارة تحت تأثيرها، رغم أن أحد نقاد جيلي رأى أنه ذو ديباجة مغلقة، وأنه تعبيرٌ عن «وحشية البلاغة» أكثر منه عن بلاغة الوحشة! وحقَّاً كانت ديباجتُهُ صعبةً، فقد كُتبَ بشغف العشرينيات من العمر واندفاعاتها، بشراسة في اللغة وغرائبية في الصورة، في محاولة ذات بعدين: تغليف المحتوى وترميزه بكثافة ليصعب انتهاكه في وسطٍ قمعي مُضاد، وتحت نزعة مبكرة للقطيعة مع المتاح والسائد، وهو بهذا المعنى شعر منفى داخلي ذهني، لذلك فإن ظهوره في المنفى الخارجيّ ببعده المكاني، ترسيخٌ لهذا «المنفى المزدوج» كما أنه كُتِبَ في سنوات الحرب مع إيران، الحرب بوصفها حافزاً لا كونها موضوعاً، وإذ ظهرت أجواؤها بهذا القدر أو ذاك، فلكي ترصد الخوفَ والضعف الإنسانيين، ولا تمجَّد البطولات المزعومة. ولا ريب أنني كنتُ أميلُ إلى التغريب والتجريب في عملٍ أول أردتُ له أن يكونَ تمرّداً على ما تعلمته ونسياناً بتقصّدٍ «على طريقة الألف بيت مع أبي نواس» إذ ثمَّة شعراء بظلالهم المديدة التي تتحرك معي من مختلف العصور، وحين أصل إلى القصيدة الحديثة ثمة: السياب وأدونيس وسعدي يوسف و«جماعة كركوك»، لكنني كنت أعي خطورة فخاخهم لهذا رحتُ أطلقُ ساقيَّ لريح محاولاً الابتعاد، هل تسرَّب شيءٌ منهم؟ لستُ أنا من يقرِّرُ ذلك أو ينفيه، لكنني أعرف أنني كنت جادَّاً في هروبي في كل ما كتبت في الديوان. كما أن عنوان الديوان بحدِّ ذاته، يتضمن تلك الكثافة المركبة للرغبة في المغايرة: «غير منصوص عليه/ارتكابات».