لا يمكن لأي مخطط لحلّ الأزمة اللبنانية، أو التعافي منها، إلا أن يمرّ عبر تسوية الأزمة المصرفيّة. قد يتضمّن ذلك الكثير من الإجراءات التي تبدأ بإعادة رسملة المصارف، وصولاً إلى إشهار إفلاس عدد منها وتصفيتها. فإبقاء القطاع على حاله هو أمر سيء للاقتصاد بشكل عام. ينقل المحامي الأميركي دايمون سيلفيرز عن مسؤول في صندوق النقد الدولي، أن الحكومات تمرّ في ثلاث مراحل خلال الأزمات المالية: الإنكار، ثم تقديم الدعم المالي للمتضررين، وبعد فشل هاتين المرحلتين تنتقل الحكومة إلى مواجهة المشكلة الحقيقية.


رودريغو دي ماتوس البرتغال

وكلما أخذت الحكومات وقتاً أكثر للوصول إلى المرحلة الأخيرة، كلما ارتفعت كلفة الأزمة على الحكومة وعلى الاقتصاد. عملياً، لا لم تصل حكومة لبنان إلى المرحلة الثالثة، ومن الواضح أن تأجيل هذا الموضوع تتحكّم به شبكة العلاقات بين النخبتين المصرفيّة والسياسيّة في لبنان. في الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد اللبناني على مسار انحداري يدفع ثمنها المجتمع.

الدور الاقتصادي للمصارف
في الأنظمة الرأسمالية، للقطاع المصرفي وظيفة محوريّة في النشاط الاقتصادي. توقّفه عن أداء وظائفه يعني تعطّل أي نوع من حركات النمو الاقتصادي.
لكن ما هي الوظائف التي يقوم بها القطاع المصرفي في الاقتصاد؟

بالأرقام

23.4%
هي نسبة الانخفاض في حجم رؤوس أموال المصارف منذ كانون الثاني 2019 حتى شهر تموز 2022
145%
هي نسبة تراجع صافي الموجودات الخارجيّة للمصارف اللبنانية بين بداية عام 2019 وتموز 2022


أولاً، بحسب صندوق النقد، هذا القطاع له وظيفة التمويل، أي إعطاء القروض إلى القطاعات الاقتصاديّة المختلفة. هذه الوظيفة أساسيّة في الاقتصاد، لأن عمليّة التمويل مهمّة في إنشاء المشاريع المنتجة التي تسهم في تطوير الاقتصاد ونموّه. ومن دون عمليّة التمويل يُصبح هذا الأمر صعباً جداً. علماً بأن عمليّات التمويل التي كانت المصارف اللبنانيّة تقوم بها لم تكن موجّهة نحو القطاعات المنتجة، وهذا أمر يحتاج إلى تعديل في حال عودة القطاع المصرفي إلى العمل مجدداً.
ثانياً، تحظى المصارف بوظيفة ذات أهميّة بالغة، وهي خلق الأموال. هذه الوظيفة هي انعكاس للدورة الاقتصاديّة في البلد. تخلق المصارف الأموال من خلال القيام بأي نوع من الإقراض، سواء كان إقراضاً استهلاكياً أو استثمارياً. في الحالة الطبيعيّة، هذه الأموال تعود وتجد نفسها في المصارف مرّة أخرى، على شكل ودائع جديدة، تقوم المصارف بإقراضها مرة أخرى. هذه الدّورة هي انعكاس للدورة الاقتصاديّة. أما المصارف اللبنانيّة، فهي لم تُقرض أحداً منذ بداية الأزمة عام 2019.
ثالثاً، تقوم المصارف بدور الوسيط المالي الذي ينقل الأموال من حساب الشاري إلى حساب البائع، ومن حسابات المؤسسات إلى حسابات الموظفين. هذه الوظيفة هي آخر وظيفة متبقيّة للقطاع المصرفي اللبناني، لكن القطاع ما زال قادراً على القيام بها فقط لأن مصرف لبنان كان يزوّده بالليرات المطبوعة، ثمّ بالدولارات الورقية مع بداية العمل بالتعميم 161، الذي يقضي بإلزام المصارف بصرف دولارات نقدية للعملاء مقابل ما لديهم من أموال نقدية بالليرة، وما يسحبونه من حساباتهم وفق سقوف المصارف غير الشرعية، وذلك على أساس سعر صرف منصّة «صيرفة». لذا، أصبح القطاع المصرفي اللبناني عبارة عن محاسب، يقوم بالوساطة الماليّة فقط، يقوم بدعمه مصرف لبنان.

مصارف متهالكة
مع فقدان القطاع المصرفي دوره، تشير جميع المؤشرات إلى أنه في حالة تدهور مستمرّة. فالثقة فيه أصبحت منعدمة، وهذا ما تُظهره أرقام الودائع منذ عام 2019 حتى اليوم. إذ انخفض حجم الودائع بالليرة اللبنانية، من نحو 74871 مليار ليرة في شهر كانون الثاني من عام 2019، إلى 44156 مليار ليرة في شهر تموز 2022. وبمقارنة سريعة مع ارتفاع حجم الكتلة النقدية في التداول، يظهر أن عمليّة سحب الودائع جارية بشكل مستمر منذ بداية الأزمة، ولا يوقفها إلا القيود، غير المشروعة، التي وضعها القطاع المصرفي بنفسه. أما حجم ودائع الدولار فتقلّص من نحو 121 مليار دولار في شهر كانون الثاني 2019، إلى 97.2 مليار دولار في شهر تموز 2022. وهذا الأمر أيضاً يشير إلى انعدام الثقة بالقطاع، وهو ما يعني أن لا سيولة إضافيّة تدخل إلى المصارف.




توقّف دخول السيولة إلى القطاع المصرفي يدفع للنظر إلى حجم الإقراض لدى القطاع المصرفي، وخصوصاً الإقراض إلى القطاع الخاص. حيث يُظهر مؤشّر المحفظة الائتمانيّة المصرفيّة بأن هذا القطاع توقّف عن تمويل القطاع الخاصّ في الاقتصاد اللبناني، أي أنه توقّف عن أداء الوظيفتين المذكورتين سابقاً، وهما التمويل وخلق الأموال. وما يظهر هذا الأمر هو تقلّص حجم المحفظة الائتمانيّة. فتُظهر الأرقام انخفاض القروض بالليرة من نحو 27300 مليار ليرة في كانون الثاني من عام 2019، إلى 16384.5 مليار ليرة في تموز ال2022. كما أن القروض بالدولار انخفضت من نحو 39.8 مليار دولار في كانون الثاني عام 2019، إلى 12.2 مليار دولار في تموز عام 2022. إن انخفاض القروض تم من خلال تسويتها، من خلال استغلال الفرق في سعر «الدولار المصرفي» والدولار السوقي، وذلك عبر عمليات شراء الشيكات المصرفيّة بسعر مقتطع واستخدامها لتسديد القروض. ومن ناحية أخرى، توقّف المصارف عن الإقراض بسبب انعدام السيولة عندها.
أصبح القطاع المصرفي اللبناني عبارة عن صندوق وساطة ماليّة مدعوم من مصرف لبنان


ويظهر عجز المصارف أيضاً من خلال ملاحظة التغيّر في صافي موجوداتها الخارجيّة، التي تحوّلت من حالة فائض في عام 2019 إلى حالة عجز اليوم. صافي الموجودات الخارجيّة هو الفرق بين أصول المصارف اللبنانية الموضوعة في المصارف الخارجيّة والمطلوبات المستحقّة على المصارف اللبنانيّة لصالح المصارف الخارجيّة. ففي كانون الثاني 2019 بلغ صافي الموجودات الخارجية للمصارف اللبنانيّة فائضاً نحو 1.16 مليار دولار. أما في تمّوز 2022 تحول هذا الحساب إلى حالة عجز تبلغ قيمته نحو 534 مليون دولار. وتجدر الإشارة إلى أنه يفترض أن يكون حجم هذا العجز أعلى بكثير لولا تدخّل مصرف لبنان في مراحلة عدّة لتغطية مطلوبات المصارف اللبنانيّة لدى المصارف الخارجيّة. وهذا مؤشّر آخر يدلّ على أن المصارف اللبنانية اليوم تعيش على جهاز التنفّس الذي يزوّدها به مصرف لبنان.
وأخيراً، يظهر التقلّص الواضح في رؤوس أموال المصارف حالتها بشكل واضح. إذ انخفض حجم رأسمال المصارف من 22.11 مليار دولار في كانون الثاني 2019، إلى 16.9 مليار دولار في تموز 2022. هذا الانخفاض في رؤوس الأموال هو مؤشّر سلبي، يظهر أن المصارف تستخدم رؤوس أموالها لتغطية عجزها عن تلبية مطلوباتها. وهو أمر يتم عبر تخصيص المؤونات لتغطية الخسائر التي تكبّدتها المصارف في القروض المتعثّرة والـ«يوروبوندز».