العولمة التي فرضت إيقاعها على الكوكب منذ القرن الماضي، والتي بدأت ملامحها تتغير راهناً نحو التجزئة والأقلَمَة الاقتصادية، ارتبطت بالرقمنة لخلق حالة جديدة للتواصل والربط بين الدول والصناعات والشركات والأفراد حول العالم، من خلال تدفق البيانات والمعلومات والأفكار والمعرفة. يرى بعض الباحثين العولمة الرقمية (digital globalization) باعتبارها شكلاً جديداً من أشكال العولمة، في حين يرى آخرون أن الاتصالات - نقل البيانات - هي حاجة بشرية أكبر من أن تبتلعها سياسة اقتصادية أو أن تهيمن عليها قيم الإمبراطورية الثقافية. لكنه عالمٌ يتسيّده مستبد، وهذا النفط الرقمي الذي بات محرك الإنتاج محجوب عن أعين بقية البشر.


(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

في تقرير نشره «معهد ماكينزي العالمي» عام 2017، يقول إن الحركة المتعاظمة لرؤوس الأموال والتجارة الدولية، بدأت بالتراجع منذ عام 2008. ومع ذلك، فإن الحركة الرقمية آخذة في الارتفاع. على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، أصبح الإنترنت قناة لتريليونات الدولارات في التجارة والصناعة والاقتصادات، وحتى في طبيعة العولمة نفسها. إنما اليوم، ومع تراجع التجارة العالمية في السلع والخدمات وتراجع التدفقات المالية العالمية بشكل كبير، تتزايد تدفقات البيانات. فعلى سبيل المثال، داخل وخارج الولايات المتحدة وحدها يقدر تدفق البيانات بـ 80 تيرابايت في الدقيقة. كما أنه بحسب موقع «ستاستا»، تم إنتاج 79 زيتابايت (1 زيتابايت يساوي مليار تيرابايت) من البيانات في جميع أنحاء العالم عام 2021 فقط. ومن المتوقع أن تصل تلك النسبة إلى نحو 180 زيتابايت عام 2025.
البيانات المتنقلة بين جهات الأرض الأربعة تتخذ عدة أشكال. منها ما يخلقه المستخدمون العاديون، مثل رسائل البريد الإلكتروني ومكالمات الفيديو عبر الإنترنت ومعاملات التجارة الإلكترونية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعمليات البحث على الإنترنت، وكذلك من خلال استهلاك السلع الرقمية (موسيقى، ألعاب فيديو، أفلام...) من جميع أنحاء العالم. ومنها ما تراكمه الشركات مثل الأرشيف والبيانات الكبرى الآتية من أجهزة إنترنت الأشياء التي تصنعها ومن خلال البرمجيات مثل منصات التواصل وأنظمة التشغيل.

بالأرقام

68.09 مليار دولار
هي قيمة الإيرادات السنوية المتوقعة بحلول عام 2025 من سوق تحليلات البيانات الضخمة العالمية
13.6 زيتابايت من البيانات
أنتجتها اتصالات إنترنت الأشياء العالمية في عام 2019 وحده وبحلول عام 2025 سيحتاج أكثر من 150 زيتابايت من البيانات الضخمة إلى التحليل


في هذا النظام العالمي الجديد السريع التبدل والتطور، بدأ نشاط الاتصالات السلكية واللاسلكية في التأثير على الاتجاهات التنافسية للمناطق الاقتصادية في التجارة الدولية. منذ التسعينيات، أدى انتشار خدمات الاتصالات إلى تحسين الإنتاجية، كما أدى إلى جذب الاستثمار الخاص (المحلي والأجنبي). استغرق الهاتف الأرضي 125 عاماً ليصبح في متناول مليار شخص. في المقابل، وصل الهاتف المحمول الذي يعمل بنظام «أندرويد» إلى نفس الإنجاز في أقل من ست سنوات. وللمفارقة، في الـ16 من آب عام 1858، انتقلت 21 كلمة من بريطانيا عبر سلك في المحيط الأطلسي وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية. يومها استغرق الأمر 17 ساعة لتصل تلك الكلمات التي نُقرت عبر جهاز تلغرام. من دون منازع، أصبح تطوير الاتصالات السلكية واللاسلكية قوة دافعة مهمة للنمو الاقتصادي العالمي في السنوات الأخيرة. وفي الفترة المعاصرة، تكيفت التقنيات الرقمية مع احتياجات الصناعات التحويلية (ينطوي نشاطها على تحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية أو منتجات وسيطة)، حيث تقدمت أنماط مثل التصنيع الذكي والمنتجات الذكية وسلسلة التوريد الذكية والعمل الذكي وإنترنت الأشياء والخدمات السحابية والبيانات الضخمة والتحليلات. لهذه الأسباب، شرعت البلدان المتقدمة والنامية على توجيه أدواتها السياسية التي يمكن أن تعزّز توسيع وتحديث الاتصالات. عملياً، بدأ العالم يرى البيانات بطريقة مماثلة للطاقة كمدخل مهم للتقدم.
تدفق البيانات حول العالم أشبه بحزام ناقل للتجارة الرقمية. هي بمثابة خطوط تجارية تمر عبر الألياف الضوئية التي تصل البلدان ببعضها. قطار من الأصفار والآحاد يسير بسرعة الضوء، وينقل معه ما اختاره المستخدمون من سلع وخدمات ورؤوس الأموال. على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت التجارة الإلكترونية جزءاً لا غنى عنه في إطار البيع بالتجزئة العالمي. ومثل العديد من الصناعات الأخرى، شهد البيع بالتجزئة تحولاً كبيراً مع ظهور الإنترنت، وبفضل الرقمنة المستمرة للحياة الحديثة، يستفيد المستهلكون من كل بلد تقريباً من مزايا التجارة عبر الإنترنت.




تبرز البيانات، بوضوح، كنوع من السلع في اتفاقيات التجارة الحرة. إذ منذ عام 2003 وحتى اليوم، تشتمل 70 اتفاقية تجارية حرة على الأقل على فصل خاص بالتجارة الإلكترونية. وعلى سبيل المثال، تشمل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا، أول التزام عام صريح بتدفقات البيانات عبر الحدود. كما تتضمن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) واتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة واليابان التزامات أكثر شمولاً، بما في ذلك السماح بالتدفق الحر للمعلومات وتجنب متطلبات توطين البيانات، مع مراعاة أحكام الاستثناءات المناسبة. كذلك توفر التزامات التجارة الدولية في منظمة التجارة العالمية وفي اتفاقيات التجارة الحرة نظاماً مهماً للقيود غير الضرورية على التجارة الرقمية. كما أن قواعد التجارة في اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً بدأت في الذهاب إلى أبعد من مجرد منع قيود التجارة الرقمية، وهي تشمل أيضاً التزامات للتعاون التنظيمي والتطوير.
البيانات باتت ركيزة أساسية في إنتاج السلع والخدمات، ولا سيما ذات الصلة بالاقتصاد الرقمي والمعرفي. ومن الأمثلة على كيفية ارتباط البيانات بإنتاج السلع، ينتشر الذكاء الاصطناعي كتقنية للأغراض العامة في عدد متزايد من المجالات لمعالجة مشكلات متنوعة للغاية. تسجل السيارات المزودة بأجهزة استشعار تصرفات السائق الذي يتنقل في شوارع المدينة، ما يؤدي إلى تكوين مجموعة بيانات ضخمة من قرارات بشرية في مواجهة المواقف المختلفة على الطرقات. يمكن بعد ذلك تحليل الأنماط في هذه البيانات باستخدام خوارزميات التعلم الآلي للتنبؤ ومحاكاة عملية صنع القرار البشري على الطرقات التي تطلب تركيزاً أعلى، ومن خلال تلك البيانات، ستتمكن الشركة المنتجة من تصنيع سيارة آمنة ذاتية القيادة. هنا، خلقت البيانات سلعة جديدة كلياً. بحسب موقع «ستاتسا»، في عام 2020، قام أكثر من ملياري شخص بشراء سلع أو خدمات عبر الإنترنت. تجاوزت مبيعات التجزئة العالمية في مجال التجارة الإلكترونية 4.2 تريليون دولار في العام ذاته، وهو ما يمثل 17.8% من إجمالي مبيعات التجزئة العالمية، ارتفاعاً من 7.4% في عام 2015. ومن المتوقع أن تصل هذه الحصة إلى 21% في عام 2022 و24.5% بحلول عام 2025.
ووفقاً لتحليل قام به موقع «meticulousresearch»، من المتوقع أن يصل سوق التجارة الإلكترونية إلى أكثر من 16 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2027، وبمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 22.9% خلال الفترة المتوقعة بين عامَي 2020 إلى 2027. وفي تقدير قام به موقع «agileintelresearch»، عام 2020، أشار إلى أن حوالى 12 في المئة من تجارة السلع العالمية تتم عبر التجارة الإلكترونية الدولية. ومن الأمثلة على أهمية ارتباط الشركات المنتجة بالإنترنت، في كوريا الجنوبية، تمتلك 100% من الشركات على موقع «eBay» مبيعات عابرة للحدود، مقارنة بـ 20% من الشركات الكورية غير المتصلة بالإنترنت.
وفي تقرير أعده البنك الدولي، يقول إنه على مدى عقدين من الزمن، نمت التجارة العالمية في السلع بمعدل ضعف سرعة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بالتوازي مع توسع خطوط سلاسل الإنتاج والتوريد الخاصة بالشركات الكبرى خصوصاً في البلدان التي توجد فيها عمالة منخفضة التكلفة. ارتفعت التجارة العالمية في السلع من 13.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 1986 إلى 26.6 في المئة في عام 2008 عشية الركود العظيم. وبعد ذلك، حصل انتعاش قصير الأمد، إذ كانت تجارة السلع تنمو بشكل أبطأ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. حتى تدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، والتي تشمل الإقراض والاستثمار الأجنبي المباشر وشراء الأسهم والسندات، نمت من 0.5 تريليون دولار في عام 1980 (4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي) إلى 11.9 تريليون دولار في عام 2007 (20.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي). لكن عام 2007 أثبتت أنها ذروة فقاعة الائتمان العالمية. ومنذ ذلك الحين، انخفضت التدفقات المالية إلى أقل من ذلك. وحدها تدفقات البيانات آخذة في الصعود.
الاتصالات هي نتيجة حتمية لقدرة البشر على النطق. ووسيلة للتفاهم والتفاعل ونشر الفكر والمعرفة


لا يمكن تخيّل عالم من دون تواصل. الاتصالات هي نتيجة حتمية لقدرة البشر على النطق. هي وسيلة للتفاهم والتفاعل ونشر الفكر والمعرفة وخلق الموسيقى. ورغم أن البعض يرى أن الإنترنت والاتصالات لها عيوب، إلا أنها عملياً الأثير الذي ينقل أصواتنا وذاتنا في الفضاء الرقمي. ما يميز البيانات أيضاً، أنها مواد أولية أو مصدر للطاقة لا يتبدد. بمعنى أنه على عكس النفط الذي يجب إشعاله كي ينتج طاقة، البيانات يمكن إعادة استعمالها ونشرها إلى كل من يحتاج إليها. إلا أنه عالمٌ يبدّي مصالح الامبراطورية قبل أي شيء آخر، وتلك البيانات البالغة الأهمية والتي يجب أن تتم مشاركتها مع كل الكوكب من أجل الأبحاث والتطوير والإنتاج، تخزنها بضعة شركات أميركية باتت تعد آلهة وادي السيليكون. وهي بذلك تمنع المنافسة وتقيد الوصول إلى المعرفة تحت حجة مخاطر انكشاف خصوصية المستخدم وعمليات القرصنة السيبرانية المحتملة، علماً بأن تلك الشركات «أمازون»، «ميتا»، «مايكروسوفت»، «الفابت» «آبل» لديها تاريخ حافل من التعرض لخصوصية المستخدمين وبياناتهم.