في بنية النظام الرأسمالي، ظهر نموذج في إدارة المخزون والبضائع، ولد من رحم العولمة النيوليبرالية، عُرف باسم: «just in time». يقضي هذا النموذج بأن أولويات رأس المال وأهدافه هي زيادة الربحية إلى أقصى حدودها. وهو الأمر الذي يحصل من خلال إدارة الإنتاج بشكل لا يفرط في الاعتماد على تخزين السلع الأولية والسلع النهائية. إدارة مخزون كهذا، سيكون على حساب زيادة الأكلاف التي تكبح نموّ الأرباح. لكن هذا النموذج سقط اليوم وأحدث تبديلاً في أولويات رأس المال. فرأس المال بات مهدداً بوجوده، ما دفعه إلى تعديل الأولوية في اتجاه الإبقاء على استمرارية الإنتاج ولو جاء الأمر على حساب زيادة الأرباح. طبعاً، في تراتبية هذه الأولويات كلّها، لا تظهر الأجور وقوّة العمل كأولوية متقدّمة، بل هي من العناصر التي تكون دائماً في أدنى سلّم الأولويات.


عرقلة السلاسل
في السنوات الأخيرة أظهر تراكم الأحداث، بوادر لتغيّر النظام الاقتصادي العالمي. فمنذ وقت ليس ببعيد بدت الأمور كأنها متجهة إلى تفكّك العلاقات الاقتصاديّة العالمية، التي كانت تشكّل أساساً للجانب الاقتصادي من نظام العولمة. عملياً، العولمة الاقتصادية هي عبارة عن ترابط الاقتصادات العالميّة، نتيجة توسّع نطاق التجارة العابرة للحدود، وسهولة تدفقات رأس المال بين البلدان، وانتشار تقنيات الإنتاج. هذه الأمور كلها سهلتها الاتفاقات المتعددة الأطراف، و«انفتاح الأسواق»، القائم على إزالة كل العوائق من أمام حركة رأس المال والتجارة العالميّة، بحسب المفهوم النيوليبرالي للمصطلح.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدأ المسار العالمي يذهب عكس اتجاه العولمة، إذ تأثّرت بهذا القرار سلاسل التوريد بين بريطانيا وكل أوروبا بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، ساهم هذا الحدث في عرقلة سلاسل توريد البضائع الوسيطة في الإنتاج، وظهر هذا الأمر في انخفاض واردات بريطانيا الأوروبية من السلع الوسيطة في بعض أهم القطاعات، مثل الزراعة وصناعة السيارات وغيرها، في مقابل ازدياد هذه الواردات البريطانية من دول خارج الاتحاد الأوروبي. بل ظهر الأمر أكثر من ذلك من خلال تخزين السلع الوسيطة في قطاع صناعة الأدوية في بريطانيا، عما كان عليه قبل خروجها من الاتحاد، بحسب تقرير «الواردات، وسلاسل التوريد، والانعكاسات على أسعار المستهلك، ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» الذي نشرته مجموعة «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة».
سبق هذا الحدث حرب تجارية كان أشعلها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على الصين، ما أسهم في توقّف جزء ليس بصغير من حركة التجارة الأميركيّة الصينيّة. وبسبب هذه الحرب التجارية، تضررت العديد من الشركات الأميركيّة، بالأخص تلك التي كانت تعتمد على سلاسل توريد تبدأ، أو تمرّ، من الصين. هذه الشركات بدورها بدأت بتخزين المواد الأوليّة والبضائع الصينيّة، وذلك تحسباً لمخاطر عدم قدرتها على استيرادها مستقبلاً.
وفي عام 2020 أتت جائحة كورونا لتعطل سلاسل التوريد على صعيد عالمي، ما ساهم في إحداث خلل في عمليات الإنتاج حول العالم. مثل الخلل الذي حدث في الصناعات الطبيّة، كأجهزة التنفّس والكمامات، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع الطلب عليها وترافق مع نقص في عرضها عالمياً. وكذلك أدى الخلل في صناعة أشباه الموصلات، إلى نقص كبير فيها على مستوى العالم. وبما أن هذه السلعة تدخل في معظم الصناعات التكنولوجيّة، ساهم نقصها في خلق مشكلات في سلاسل توريد الصناعات المذكورة. كما أحدثت الجائحة الصحية خللاً في عدد حاويات نقل البضائع المتاحة، ما أدّى إلى تأخّر نقل البضائع بين البلدان لأشهر عدّة، ولا يزال العالم يعاني من انعكاسات هذه المشكلة حتى اليوم.
وأخيراً، ساهمت الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، في ظهور أزمات عدّة في سلاسل التوريد. لا سيّما تلك التي تتعلّق بالسلع الزراعيّة، مثل الأسمدة والقمح والزراعات الأخرى. وما يعيشه العالم اليوم هو خير دليل على ذلك، تظهر علاماته في نسب التضخّم المرتفعة في العالم، التي تسبّب فيها الخلل الذي حدث في سلاسل التوريد وانعكاسه نقصاً في عملية عرض السّلع في الأسواق وبالتالي ارتفاع أسعارها.
هذه الأمور كلها ساهمت، بشكل تدريجي، في تغيّر استراتيجيات تقييم المخاطر، التي تتبعها الشركات حول العالم. فبعد الانفتاح النيوليبرالي الذي شهدته الأسواق بين بعضها، أظهرت السنوات الأخيرة أن سهولة تنقّل البضائع بين البلدان لم تعد أمراً مضموناً، بل أصبحت في خطر بعد هذه التجارب التي وقع فيها العالم. لذلك كان على الشركات أن تحدد استراتيجيات جديدة لها، تضمن من خلالها استمراريّة إنتاجها، من دون التعرّض إلى مخاطر الخلل في سلاسل التوريد التي خبرها العالم.

من الوقت المناسب إلى التحسّب
من بين أهم الأمور التي تُعنى بها الشركات في النظام العالمي الحالي، هو كيفيّة إدارة تخزين البضائع والسّلع، سواءً كانت مواد أوّلية، أو مدخلات وسيطة للإنتاج، أو حتى سلعاً جاهزة للاستهلاك. ولهذا السبب، ساهمت استراتيجيّة الشراء «حسب الحاجة»، في إدارة عمليّة شراء مدخلات الإنتاج بزيادة ربحيّة الشركات بشكل كبير. يعود الفضل في تطبيق هذه الاستراتيجيّة إلى المهندس الياباني «تايشي أوهنو» منشئ نظام الإنتاج في شركة «تويوتا»، الذي طوّره في بداية الثمانينيات. تقوم هذه الاستراتيجيّة على خفض التكاليف وتحسين سير العمل، من خلال جدولة شراء المواد، بشكل يتيح وصولها عند الحاجة في الوقت المناسب. هذا الأمر يساهم في خفض تكاليف التخزين المرتفعة، خصوصاً في البلدان الغربيّة حيث ترتفع كلفة العقار. هذه الاستراتيجيّة تساهم أيضاً في تحديد المشكلات، إذا وجدت، في شراء المواد، بالأخص إذا ما كان هناك شراء إضافي لا حاجة له. كما تساهم في خفض مخاطر تلف مخزون المواد لدى الشركة، ذلك من خلال استخدام المواد في عملية التصنيع حال وصولها إلى المخازن. وبالتالي، يمكن تخفيض تكاليف الاحتفاظ بالمواد بشكل كبير يؤدي إلى تحسين جودة الإنتاج. تُعتبر هذه الاستراتيجيّة من أكبر خصائص العولمة، لأنها عملياً لم تكن ممكنة لولا وجود الربط بين الاقتصادات المختلفة.
برز اتجاه لدى الشركات يتعلق بتخزين المواد أو استراتيجيّة «التحسّب» التي تزيد الأكلاف


لكن باتت استراتيجيّة الشراء «حسب الحاجة» تنطوي على مخاطر كبيرة، وهو ما جعل الشركات تتخلّى عنها. عملياً، كان همّ الشركات هو رفع الربحيّة إلى حدّها الأقصى، وهو أمر كان متاحاً للشركات الغربيّة بشكل خاص في النظام الاقتصادي العالمي، الذي سهّل اتصال هذه الشركات بسلاسل التوريد في الدّول النامية، لا سيّما في شرق الكرة الأرضيّة، مستغلّة انخفاض كلفة الإنتاج وتوفّر المواد الأوّلية فيها، لنقل القيمة منها إلى الدول «المتقدّمة» اقتصادياً، بحيث تتوجّه هذه القيمة إلى الشركات الغربيّة على شكل أرباح.
لكن الاتجاه اليوم لدى الشركات هو تخزين المواد. أو ما يسمّى باستراتيجيّة «التحسّب». وهي استراتيجيّة تعتمد على توقّع المبيعات، وتفرض على الشركات أن تشتري المواد بشكل يجعلها قادرة على تلبية حجم الطلب المتوقع. هذه الاستراتيجيّة تزيد أكلاف التخزين، وتضع الشركات تحت مخاطر فساد البضائع أو تلَفها. إلا أنها في الوقت عينه، تحمي الشركات من مخاطر الانقطاع المفاجئ لسلاسل التوريد، على أن يبقى إنتاجها مستمراً بدلاً من التوقّف عن الإنتاج وتكبّد خسائر كبيرة.
تفقد الشركات الغربيّة، بشكل خاص، تدريجياً ترف رفع الربحية إلى حدها الأقصى، وهي تعمل الآن بهدف ضمان استمرارية إنتاجها. فإن تهديد سلاسل الإنتاج، الذي حصل أخيراً، لا يبدو أنه في طريقه إلى التوقّف، مع ارتفاع التوتّر بين البلدان، الذي تبدو مؤشراته واضحة، وقد تتجه الشركات في المستقبل إلى استراتيجيات أكثر تحفظاً، تماشياً مع تغيّر أولوياتها التي تفرضها التحوّلات في النظام العالمي.