يقول مصرف لبنان أن لديه سيولة بالعملة الأجنبية في نهاية آب 2022 قيمتها 9.7 مليار دولار. هذه الأموال، سواء سُمّيت احتياطات إلزامية، أو ودائع إلزامية، أو حقوق سحب خاصة (لم يبق منها أكثر من 800 مليون دولار)، أو أي شكل من أشكال الأصول السائلة، فإنها تمثّل كل السيولة القابلة للاستعمال. هي أول خطّ دفاع قبل احتياطات الذهب التي لا يمكن استعمالها إلا بتشريع من مجلس النواب، خلافاً لهذه السيولة التي يتحكّم فيها مصرف لبنان حصرياً وإن كانت السلطات الأخرى تشارك أحياناً من باب التمنّي وليس من باب الأمر والنهي. هذه السيولة المخزّنة، وهي تختلف أيضاً عن السيولة المتدفقة التي يديرها مصرف لبنان أيضاً، عبر قنوات مختلفة أبرزها حالياً التحويلات الإلكترونية ومصدرها الأساسي تحويلات المغتربين إلى أهاليهم، أو تحويلات المنظمات والمؤسسات الدولية للسوريين النازحين في لبنان.

تتناقص قيمة السيولة المخزّنة بمعدل 415 مليون دولار شهرياً، وهي تقاس وفق مؤشر مدى كفايتها لعدد من أشهر الاستيراد باعتبار أن المصارف المركزية مسؤولة عن تمويل الاستيراد بالعملات الأجنبية. وفي هذا السياق، فإن الـ9.7 مليار دولار تكفي لنحو 6.5 أشهر استيراد قياساً على حجم الواردات في الأشهر السبعة الأولى من الجارية، إذ إن لبنان استورد بقيمة 10.5 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2022. وهذا الارتفاع في كلفة الاستيراد جاء نتيجة الدعم المباشر لقيمة الليرة، من خلال العمليات التي ينفّذها مصرف لبنان عبر «صيرفة». وتوزّعت أهم الواردات على الشكل الآتي: 3 مليارات دولار نفط ومشتقات نفطية، 1.6 مليار دولار سلع غذائية، 1.1 مليار دولار معدات نقل غالبيتها سيارات خاصة، 1.3 مليار دولار آلات وأجهزة كهربائية. بمعنى أوضح، عندما تدعم العملة، فإن السيطرة على الاستهلاك تصبح تحدياً لا يمكن التعامل معه بشكل عشوائي أو استنسابي أو ترك الخيار للسوق لكي يقرّر بشأنه، بل على صانعي السياسات اتخاذ قرار واضح ضمن أهداف محدّدة ومدروسة بدقّة.
في المقابل، قامت سياسة مصرف لبنان على تحرير سيولته من أعباء دعم سلع مثل البنزين والدواء والطحين والاتصالات... أي أنه حرّر نفسه من مسؤولية تمويل استيراد هذه السلع، وأعاد توجيه الطلب على كمية الدولارات اللازمة لاستيرادها، نحو السوق، أي السيولة المتدفقة من المغتربين أو من عائدات السياحة أو غيرها. وبمعزل عن قنوات التمويل المتمثّلة بالعلاقة التي أنشأها مصرف لبنان بين شركات التحويل الإلكتروني، وبين منصّة صيرفة، وبين الصرافين، فإن هذه الآلية أفضت إلى النتيجة الآتية وفق أرقام الحساب الجاري الصادرة عن مصرف لبنان: مجموع ما دخل إلى لبنان في عام 2021 يبلغ 16.7 مليار دولار، ومجموع ما خرج منه يبلغ 19.6 مليار دولار، ما أفضى إلى عجز بقيمة 2.9 مليار دولار. والعجز يعني اختلالاً في سعر الليرة لأن الطلب على الدولار أكبر بكثير من كمية التمويل المتاحة، وهذا سبب كافٍ لارتفاع سعر الصرف.
إذاً، في ظل هذه الإدارة، وفي ظل وضع ضبابي في الأشهر المقبلة على صعيد انتخابات رئاسة الجمهورية، وتشكيل حكومة، وصعوبة التوصّل إلى اتفاق يحسم حقوق لبنان في ينابيع الغاز في البحر المتوسط، يتوقع أن تنكمش الثقة بالليرة أكثر، ويتوقع أيضاً أن تصبح الأزمة على مستوى صعوبة تأمين السلع الأساسية. لذا يصبح ضرورياً السؤال الآتي: كيف يجب أن ننفق السيولة في الفترة المقبلة بعيداً من اللعب على وتر المودعين وحقوقهم؟ جرى توجيه هذا السؤال إلى مجموعة شخصيات لديها خبرة واسعة في الاقتصاد، وجاءت إجاباتهم متنوّعة، لكن كان هناك شبه إجماع ضمني أو مباشر، على وجود أمل ضعيف بأن تكون إدارة هذه الأموال، حسنة وهادفة وعادلة.

كمال حمدان: ليس هناك أمل إلا...

(أرشيف - مروان طحطح)

حالياً، ندور في الحلقة المفرغة ذاتها منذ ثلاث سنوات. وطالما أن الحكم لم يتغيّر واتخاذ القرار يتم على يد الجهات نفسها، فإن ما يتوقع هو المسار من سيئ إلى أسوأ. أولويات الأسر في لبنان صارت كثيرة. المدرسة أولوية، الاستشفاء والطبابة أولوية، الغذاء أولوية... ففي مقابل كل هذه الأولويات هناك موارد تذوب بشكل عام، وهو استنزاف متواصل منذ سنوات. صحيح أنه جرى تحرير دعم المحروقات، ونصف تحرير لدعم الدواء (أدوية السرطان غير متوافرة)، إلا أنه لا يمكن الجزم بأن هناك الأمور ستتحسن. فعندما تنخفض الأجور إلى 5% من قيمتها، وعندما تنهار كل مكوّنات الحماية الاجتماعية بما فيها الصناديق الضامنة، وعندما يتم تحرير أسعار الأدوية، ودولرة قطاعات مقابل أجور بالليرة، فإنه في وضع كهذا ليس هناك أمل. الأمل هو أن تنشأ كتلة شعبية متحرّرة من الانتماءات الطائفية بالمعنى السلبي، أي كما حصل في الأيام الأولى للانتفاضة في 17 تشرين الأول 2019، وعندها فقط يمكن القيام بتغيير في هذا البلد. اليوم نجرّب المجرّب.
الوضع الذي نشهده اليوم، يعدّ مشكلة وجودة. جرّبنا بضعة حكومات منذ الأزمة لليوم، لكننا لم نجرّب بعد حكومة من خارج المنظومة بصلاحيات استثنائية. طالما هذه المنظومة قائمة، ليس هناك أمل إلا من سيئ إلى أسوأ وهذا يخلق أوضاعاً جديدة كل يوم من فوضى وجوع وانعدام الاستقرار. هذه المنظومة تحاول القول إنها ستقوم بإصلاحات، بينما الواقع، هي تحرّك إصلاحيات مليئة بالمطبّات والألغام. الكابيتال كونترول يحتاج إلى إعادة نظر، والتعديلات على قانون السرية المصرفية، وهذا أيضاً ما سينطبق على قانون إعادة هيكلة المصارف. هم يوحون لصندوق النقد الدولي بأنهم يقومون بإصلاحات، لكنهم في الواقع، يبقون المعركة مستمرّة.

جواد عدرا: «ضمانة» للاقتراض يجب إعادتها
(هيثم الموسوي)

إن أساس أي مقاربة متصلة بالسيولة بالعملة الأجنبية المتوافرة لدى لبنان، هي أنها ليست ملكاً للدولة لكن لديها حقوق استثمارها بهدف تنمية المجتمع والاقتصاد. كما أن القانون يمنح الدولة القدرة على مصادرة أي أصل أو موجودات من أجل استخدامها في هذا المجال. وفي وضع أزمة مثل الأزمة الحاصلة اليوم، لا يمكن مقاربة استعمال هذه السيولة بشكل كلاسيكي. لا يجب التعامل مع هذه الأموال باعتبارها قابلة للاستهلاك النهائي، أي تبديدها. يجب أن نحرص عليها مثل حرصنا على الذهب، لكن هذا لا يعني ألا نستثمرها. يمكن التعامل مع هذه الأموال من أجل استثمارات يحتاجها لبنان بشدّة حالياً، ويمكن استعمالها لإطفاء بعض الأكلاف التي تفتك بميزانيات الأسر... بمعنى أوضح فإنه في ظل ضرورات تبيح المحظورات، فإنه أولاً، لا يمكن الإنفاق كأننا في وضع عادي. أليس مرض الناس مسألة عاجلة تستدعي التعامل معها سريعاً؟ أليست الكهرباء شأناً يجب التعامل معه أيضاً؟ فإذاً، هل يمكن أن نضع هذه الأموال كضمانة للحصول على التمويل الذي يحتاجه لبنان للتعامل مع مسائل طارئة؟
الفكرة هنا هي استثمار هذه الأموال والتعامل معها بصيغتها الأصلية وهي أنها «ضمانة» في مواجهة الأيام الصعبة. لذا، لا يجب أن يخرج استعمالها عن شكل استعمال أي «ضمانة» أخرى.

منصور بطيش: تثبيت أسس الحُكم أولاً
(هيثم الموسوي)

لا يمكن الحديث عن استخدام السيولة من العملة الأجنبية في ظل الوضع المرتقب، من دون خوض النقاش حول ضرورة استمرارية آلية اتخاذ القرار التي نصّ عليها اتفاق الطائف. فالتركيز على عدم إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها هو جريمة اقتصادية وسياسية واجتماعية، ومن يكتبون ذلك، هم شركاء في الجريمة التي ارتكبها أمراء المال في البلد. الحلّ يكمن في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة ترسم طريق الإنقاذ، أي إن الحلّ سياسي أولاً. وهذا أولوية وحق للناس.
ففي ظل النموذج المعتمد لإدارة الأزمة، منذ ثلاث سنوات لليوم، لبنان الآن على مسار انحداري كارثي مهما فعلنا. آلية اتخاذ القرار يجب أن تسمح بإقرار خطّة تعافٍ متكاملة تُحدّد فيها الأولويات، وتضع الاقتصاد على خريطة الإنتاج، وتؤمّن أيضاً إصلاحات حقيقية، وتكافح الفساد.
يمكن استعمال سيولة مصرف لبنان بالعملة الأجنبية في استثمارات، إنما الأولوية أن تكون لقطاع الغاز حيث نقع حالياً في مطبّ جيوبوليتيك لاستيراد الغاز اللازم لتشغيل معامل الكهرباء


لا يمكن المصادقة على ما يحصل حالياً من تذويب لأموال الناس. كانت الودائع بالدولار تبلغ 123 مليار دولار، وصارت 98 مليار دولار. وكانت الودائع بالليرة 72 ألف مليار ليرة، وصاروا أقل من 40 ألف مليار ليرة (قيمتها بالدولار صارت مليار دولار). بالمختصر كانت مدخرات الناس في المصارف تبلغ 176 مليار وصارت 99 مليار، أي أن المدخرات خسرت نحو 77 مليار دولار. وما تبقى من مدخرات في المصارف، صارت تساوي 15 مليار دولار كحدّ أقصى. مجموع الخسائر سيتجاوز 160 مليار دولار عدا عن الخسائر الاقتصادية في قيم المؤسّسات وموجوداتها، وخسائر الثروة البشرية. النموذج المتبع هو نموذج إجرامي. لكن لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد والنقاش بالمفرق.

عبد الحليم فضل اللّه: دعم التعليم والطبابة ومشاريع استثمارية مختارة

(هيثم الموسوي)

بشكل منهجي، فإن المسالة الأساس هي الفصل بين الشأن المالي والشأن النقدي. يمكن القول إنه يجب استعمال السيولة بالعملة الأجنبية التي يحملها مصرف لبنان لدعم رواتب العاملين في القطاع العام، لكن ليست هذه وظيفة المصرف المركزي ولا أهدافه. كما يفترض أن يتم تحديد مدى زمني للمرحلة المستهدفة، أي إن المرحلة الضبابية التي قد تحصل لعدّة أشهر أو سنة مثلاً، ستكون هي المرحلة المستهدفة. أيضاً يجب تحديد نقطة البداية. فهناك أفكار كثيرة حول إعادة الهيكلة وأكثر من سيناريو وأكثر من مخطط، لكن الكلّ متفق على أن ودائع شريحة الـ100 ألف دولار وما دون يجب ردّها ولو أن كلفتها 20 مليار دولار. لذا، مهما كانت الخطّة، ومهما كان السيناريو، يجب أن يستمر هؤلاء بالحصول على أموالهم بالدولار النقدي وفق دفعات محدّدة متواصلة مموّلة بالسيولة المتوافرة لدى مصرف لبنان.

بالأرقام

10.5 مليارات دولار
هو حجم الاستيراد في لبنان في الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية
2 مليار دولار
هو حجم التصدير اللبناني إلى الخارج في الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية
8.5 مليارات دولار
هو حجم العجز في الميزان التجاري في الأشهر السبعة الأولى من السنة الجارية، وهو سبب رئيسي في العجز الذي يشهده لبنان في الحساب الجاري


وأولويات استخدام هذه السيولة يكمن في تحقيق الحدّ الأدنى من الأمن الغذائي. يجب أن يكون لدى لبنان القدرة على التدخل في هذا المجال إذا صار هناك ارتفاع في الأسعار وصعوبات معينة.
والسيولة المتوافرة في لبنان هي ليست كلّها احتياطات، بل هناك بضعة ملايين منها (كان لدينا 1.1 مليار دولار استعمل قسم منها) عبارة عن حقوق السحب الخاصة (SDR). واستعمال ما تبقى من حقوق السحب الخاصة ممكن لدعم التعليم في المدرسة الرسمية، وفي الجامعة اللبنانية أيضاً التي لا يمكن أن تستمر بالطريقة المتبعة حالياً. هذا الأمر يجب أن يكون قبل أي استخدام آخر رُوّج له لبناء معامل أو إنشاءات. يجب أن نكون واقعيين بأن الدعم هدفه المنع من الانهيار التام، وليس الإنعاش. ومن الضروري أيضاً استخدام جزء من هذه الأموال في القطاع الصحي حيث التحديات كبيرة، ولا سيما لدعم إنفاق الضمان الاجتماعي.
أما بالنسبة إلى كلفة المشتقات النفطية، فمن الضروري الإشارة إلى أنه لا يجب تحميل هذه السيولة بالعملة الصعبة أعباء استيراد المشتقات النفطية. ففي هذا المجال، لا سبيل للبنان إلا القيام باتفاقات شراء مع دول صديقة مثل روسيا، العراق، الجزائر... هناك الكثير من الدول التي هي على استعداد للقفز فوق التحفّظات الأميركية لتزويد لبنان بالمشتقات النفطية بشروط ميسّرة.
يمكن استعمال سيولة مصرف لبنان بالعملة الأجنبية في استثمارات، إنما الأولوية أن تكون لقطاع الغاز حيث نقع حالياً في مطبّ جيوبوليتيك لاستيراد الغاز اللازم لتشغيل معامل الكهرباء. يمكن إنفاق جزء من الأموال على محطات التغويز مع اتفاقيات بعيدة المدى لتوريد الغاز إلى لبنان بشروط ميسّرة. هذا أمر يستحق أن ننفق من أجله بما يحرّرنا من أعباء الوضع الجيوبوليتيك، ويخفض كلفة إنتاج الطاقة على الأسر والمؤسسات.
في الواقع، كل ذلك ينطوي على دعم مبطّن لسعر الصرف. فهو شكل من أشكال التدخّل ضم مسار افتراضي نحو التعافي. إنما لا يمكن أن يستقر سعر الصرف إذا كان لدينا ثغرة في الحساب الجاري وليلرة للودائع.




صحيح أن الأزمة بمفاعيلها أدّت إلى انخفاض العجز في الحساب الجاري من 11.2 مليار دولار في 2019 إلى 2.8 مليار دولار في عام 2021، إلا أن هذا العجز لا يزال كبيراً جداً. فهو ينعكس على سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق. فمع توقّف مصرف لبنان عن تغطية العجز في الدولارات التي يحتاجها السوق، ازداد الضغط على سعر الصرف ما أدّى، ولا يزال، إلى تدهور كبير في قيمة العملة اللبنانية.