في ندوة عامة أقامتها حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» في 19 كانون الثاني 2019، قدّم الأمين العام للحركة شربل نحاس، قراءة شاملة للانهيار «القادم» ولنتائجه على الاقتصاد والمجتمع، مشيراً إلى عجز المسؤولين في السلطة عن التعامل معه. كلامه بالأمس يتطابق بشكل شبه كامل مع ما يحصل اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على الانهيار. إعادة نشر مضمون هذه الندوة ينطوي على تحذير مما سيحصل في الأشهر المقبلة، ولا سيما أنه يتم تبديد ما لدى لبنان من سيولة بالعملة الصعبة يحملها مصرف لبنان في حساباته، واستعملها بشكل منفرد بلا حسيب أو رقيب، ووفق أهداف رسمها وحده بتغطية من أطراف السلطة. فلليوم، بعد ثلاث سنوات، ما زالت السلطة منغمسة في مرحلة إدارة الأزمة وتوزيع الخسائر لأسباب تتعلق بأولوية بقائها على بقاء المجتمع. ووسط عجزها لم تقدر على إدارة الأزمة إلا على قاعدة «كسب الوقت لكسب الوقت» وهي العبارة التي استعملها نحاس لتوصيف ما تقوم به السلطة. فالاستمرار بهذا المسار يعني تفكّك المجتمع وانحلال البنية المؤسساتية للدولة. هنا يصبح الأمر مختلفاً، ويصبح الانتقال نحو مرحلة تكون تداعياتها أشدّ وطأة وأطول زمناً. ماذا لو استمع أحد ما في السلطة إلى ما قاله نحاس في هذه الندوة عن الإفلاس المقبل والتعامل معه؟ ما قاله نحاس إنه من الأفضل الدخول في الأزمة ومعنا 30 مليار دولار بدلاً من أن يكون معنا 4 مليارات دولار. خلال سبعة أشهر لن يبقى معنا أكثر من 4 مليارات دولار في ظل إدارة للأزمة مبنية على قاعدة «اتركها تفعل اتركها تمرّ». ها هي الأزمة تفعل فعلها وتأخذنا إلى هاوية جديدة كل يوم، إنما لم تمرّ بعد




عقدنا مؤتمراً صحافياً في الأول من تشرين الثاني (2019)، وأطلقنا من خلاله موقفاً توجّهنا فيه إلى ثلاث فئات: أولاً، العاملين في قطاع المال (مصرف لبنان، جمعية المصارف) لأنهم معنيّون مباشرة. وثانياً، زعماء الطوائف الممسكين بالسلطة. وثالثاً الأطراف الخارجية. قلنا لهم ما يلي: نحن نعلم من يتحمّل مسؤولية إيصال البلد إلى ما وصل إليه اليوم، ولكن ما هو أهم من المحاسبة على مسؤولية الماضي، هناك مسؤولية ما يحصل الآن وما سيحصل لاحقاً. نحن أمام مفصل تاريخي، وقد يكون مفترق طرق، إما يؤدي إلى الخروج من الحقبة الماضية كلها، أو إلى تغيير عميق في المجتمع يمكن أن يوصل الأمور إلى عنف وإلى تدخل أطراف لديها حسابات مختلفة. فالأزمة التي تظهر عناصرها يومياً، ليست طارئة على النظام بل هي في صلبه وتطال كل آلياته الإجرائية.
- أولاً، الآلية التي تجتذب الأموال من الخارج وتراكم الودائع والديون والفوائد وربح المصارف والاحتياطي والسيولة... كلها تستنزف. فقد تعطّلت هذه الآلية التي من خلالها يتم ضخّ الأموال، عبر الدين العام والدين الخاص، ومن خلال التوزيع والاستتباع، حتى أصبح لدى الناس أموال بين أيديهم تسجّل كديون إنما يتعاملون معها على أساس أنها مدخول كي يشتروا بها سلعاً من الخارج.
- ثانياً، يلحق ذلك، استقدام عمال أجانب من دون أسرهم. لكن اليوم بوجود السوريين وطبعاً الفلسطينيين اختلفت الصورة وتعطلت أيضاً هذه الأداة.
- ثالثاً، توفير مجالات الهجرة للبنانيين، والتي أيضاً تعاني من تضييق، على الأقل في الخليج، نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي باتت معروفة.
إذاً الأزمة تطال كل مفاصل النظام الإجرائية وتطال آليات ضبطه، وفقدت السلطة قدرتها على الإمساك في الواقع. ماذا يعني ذلك؟
لا أحد من هؤلاء الزعماء يستطيع أن يناقش ضمن حزبه الخيارات التي تتعلق بتوزيع الخسائر. مثلاً إذا أراد أي منهم أن يناقش في خفض أجور موظفي القطاع العام، فهو لا يستطيع، لأن مفاصل أساسية في حزبه هم (قضاة، ضباط، ومتقاعدين...). وإذا أراد أن يقول نحن نريد التوقف عن دفع الفوائد، أو القول: لا دخل لنا بين المصارف والمودعين، فهو أيضاً لا يستطيع. إذ إنه عدا عن أن كل فريق لديه أصحاب مصارف، ومديري فروع، ومودعين تابعين له، (كل الناس مودعون حتى لو يملكون القليل من المال)، فإن هذا المال يصبح له قيمة عالية عندما لا تملك غيره.
لبنان بلد صغير، عندما نتكلم عن أزمة مالية. فهو يتأثّر بالخارج. في الأساس يستعمل لبنان عملة الدولار، ولكنه ليس دولاراً حقيقياً بل «دولار لبناني» يعتقدون أنه يساوي الدولار الأميركي. كما لدينا ديون للخارج، ويجب أن يكون لدينا القدرة للتعامل مع الخارج، لا بل ملزمون بذلك. فنحن لسنا الصين.
لذا، أصبحت مقولة «كسب الوقت، لكسب الوقت» جريمة. لأننا، حتى الآن، لا نزال نملك 30 مليار دولار. حتى لو أنه علينا ديون، لكن هذه الأموال موجودة.
مرور الوقت يعني أن هذه الذخيرة ستتقلص. إذا حدث، كما يظهر من المؤشرات، فهناك أزمة. يجب التفكير بما علينا فعله لاحقاً. هناك فرق بين أن ندخل الأزمة ونحن نملك 30 مليار دولار، وأن ندخلها ونحن نملك 4 مليارات دولار. في الحالة الأخيرة، يعني ذلك أننا لن نقدر لا على شراء بنزين، ولا على شراء الأدوية ولا أي شيء أخر، و«الله يستر شو بصير». نحن لا نريد أن تنفجر الأزمة طبعاً، لكن ما لا نريده أيضاً هو أن يتم تأجيل الأزمة، لأنه في هذه الحالة سيكون البلد في وضع سيّئ جداً.
الهدف ليس الاحتجاج، رغم أن أسباب الاحتجاج واضحة، وليس المطالبة لأن بذلك إقرارٌ بأن من يُطالَب هو شرعي وقادر، وهو ليس كذلك. بل الهدف هو العمل على صياغة لعلاقة أخرى في الواقع، أي تغيير السلطة. فقد مضت نحو 50 سنة من النمط القائم على التغريب والإقصاء. وهذا يعني، في منطق صياغة العلاقة الأخرى، إعادة الغلبة لمنطق الإنتاج، ورسم حدّ بين الداخل والخارج، أي التوازن بينهما. لذلك طرحنا يأتي من باب المسؤولية، لا من باب التحدّي. وهو كلام موجّه لكل الأطراف بأنه يجب، ولاستباق الأزمة القيام بمجموعة خطوات: توزيع عادل للمخاطر والأعباء. فقد جرى مراكمة عشرات المليارات من الخسائر الموجودة عند الدولة والمصارف وعند كل عائلة وفرد. تجاهُل هذه الخسائر يولّد مزيداً من الأعباء والفوائد التي لم نعد نستطيع تمويلها وتأجيلها، وهي تكبر وتتدحرج أمامنا ككرة الثلج. يجب أن يكون توزيع الخسائر عادلاً لأن الناس لا تتحمل نفس النسب من المسؤولية، وبالتالي لا يمكن تحميلها نفس النسب من الخسائر. ومقابل تضحية الناس (بتحمّلها الخسائر) يجب أن يكون هناك نظام سياسي - اجتماعي - اقتصادي، يقطع مع كل ما وصفناه سابقاً. بمعنى آخر توزيع الخسائر يجب أن يكون عادلاً وهادفاً. لا يمكن أخذ القرارات بطريقة محاسبيّة أو على شكل الأوراق البحثية التي تُقدم إلى صندوق النقد الدولي.
وضعنا نموذجاً مالياً اقتصادياً، يتم تحديثه دورياً، يميّز بين الأسر بحسب الطبقات الاجتماعيّة التي تنتمي إليها ويأخذ في الاعتبار اختلاف سلوكها وصافي الديون المسجّلة باسمها، بالإضافة إلى ظروف العمل والإيجارات وما تملكه من مدّخرات ومداخيل. كما جرى العمل على عدد من السيناريوهات، تشمل أشكال مختلفة من الصدمات المحتملة، بما أن احتمالات الأزمة متعدّدة، من انهيار الليرة إلى إفلاس المصارف إلى توقّف الدولة عن الدفع وغيرها. ويتم أخذ كل من هذه السيناريوهات لاحتساب انعكاساتها على مختلف الفئات الاجتماعيّة مع الاختلافات المذكورة سابقاً. وهناك متغيرات عديدة قد تحدث وتؤثّر في سياق الأمور، مثل التدخلات الخارجيّة (الأميركيّة أو صندوق النقد). عندما نتكلم عن أزمة مالية، يعني هنالك تراجع كبير ومفاجئ في الدخل، وانخفاض في قيمة الأصول النقدية والثابتة. وعندما تنخفض المداخيل نفقد القدرة على الاستيراد. نظرياً و«بحسب الكتاب» أنه عندما تنخفض الأسعار الداخلية تصبح القدرة على التصدير أعلى. وهذا ما حدث في الأرجنتين في عام 2001-2002، لكن هذا لا ينطبق على لبنان، لأنه ليس لدينا في المدى المنظور قدرة على إنتاج أي شيء، نحتاج إلى سنوات لفعل ذلك.

من أين نأتي بالموارد؟
يعمل مئات الأفراد في مهن، لو كانت الأمور طبيعية لما كانت موجودة مثل: أصحاب المولدات، الستالايت، أصحاب سيترنات المياه، الفائض في العسكر، والفائض في التعليم... هؤلاء يجب تأمين انتقالهم إلى مهن جديدة وتدريبهم ومساعدتهم وليس تركهم.
في المجال المالي، هناك المسألة النقدية والفوائد والودائع، ومجمل العقود المالية (الأجور، الإيجارات، العقود التجارية...). هناك مسألة الأجر الاجتماعي لحماية الحدّ الأدنى من الدخل. فمثلاً ما هو مصير الضمان الاجتماعي والنقابات المهنية التي سلبت أموالها، وشركات التأمين؟ أموال الضمان كلها بالليرة ولا تدفع للناس.
هناك أيضاً مسألة الصحّة. أحد بنود الاستيراد الأساسية هي الأدوية والمستلزمات الطبية، وتبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار سنوياً. كيف نؤمنها؟ هل نتجاهلها ونؤجلها أيضاً لوقت لاحق؟
وهناك التعليم أيضاً. اليوم يختلفون على دفع الأقساط بين الدولار والليرة، هل يعتقدون أننا سنبقى نتكلم عن الدولار والليرة عندما تقع الأزمة؟ ما مصير الجامعات والطلاب والأساتذة؟ هل نتجاهل هذه الأسئلة ونؤجلها لوقت لاحق أيضاً؟
في مجال النقل، أهم بند لدينا بالاستيراد هو الـ5 مليارات دولار في السنة التي نشتري بها مشتقات نفطية. تقريباً نصف الكمية هي لتوليد الكهرباء من خلال معامل مؤسسة كهرباء لبنان ومولدات الأحياء، والنصف الآخر لتشغيل السيارات. لكن لم يعد بالإمكان أن يكون لدينا عجز في الميزان الخارجي. أساساً الكهرباء مقطوعة لأن مصرف لبنان لا يملك دولارات لتأمين الفيول (أي سيناريو مستقبلي؟).
بالنسبة إلى مالية الدولة: كيف نتعامل مع أصل الدين وفوائده؟ النظام الضريبي بما يخصّ ضريبة الدخل وضرائب الثروة، اتفاقيات عدم الازدواج الضريبي مع الدول يلي الضريبة فيها صفر هل يعقل هذا؟
إذاً لدينا مؤسسة هنا في لبنان تلتزم بشكل مشروط باستثمار إضافي وتشغيل ناس لا سيما شباب، أو في التصدير، ويجب أن تُعفى من الضريبة على الربح. كل شيء مفتوح للنقاش، آليات التوزيع بين التضمين والإفصاح، يعني بدل التوظيف في الجيش يمكن تأمين الأجر الاجتماعي من خلال خدمات السكن والتعليم والصحة، المجانيّين. في مسألة الأمن، فإن نسبة العسكر هائلة، وهذا عملياً يعني أن هؤلاء موظفون كتعويض عن البطالة.
بالنسبة إلى الأملاك العامة، كيف تجتمع كلمة تسويات وأملاك عامة؟ الحجّة «بدنا نطلع مصاري».
يستعمل لبنان عملة الدولار، ولكنه ليس دولاراً حقيقياً بل «دولار لبناني» يعتقدون أنه يساوي الدولار الأميركي


مسألة البيئة وأضرارها المستدامة، الاتصالات والإعلام... في المعجم الاقتصادي، عندما يكون هناك عجز في الميزان الخارجي، ينخفض سعر صرف العملة، ما يعني أن الأموال بأيدي الناس تصبح أقل، فيستوردون أقل، ويصدّرون أكثر. ولكن هذا غير متاح في لبنان.
في لبنان، الطرح لن يكون بين قيمة الليرة وقيمة الدولار، بل بين الدولار اللبناني والدولار الخارجي. عندما نتكلم عن الليرة مقابل الدولار وسعر الصرف بينهما، علينا أن نعلم أن الليرة ليست إلا منتجاً ثانوياً، هي مثل الدولار اللبناني، لكن بفائدة أكبر. هذه هي الليرة، يلعبون فيها بالكازينو. عملتنا الفعلية هي الدولار اللبناني وكيف يتقلب مقابل الدولار الأميركي.
إذا كان هذا التصحيح السوقي التلقائي (انخفاض قيمة العملة المحلية وانخفاض الواردات وزيادة الصادرات) غير قابل للحصول، بينما ممكن تحصيل نفس النتائج بوسائل أخرى، يمكن وضع ضرائب على الاستيراد، وهذا يرفع كلفة الاستيراد ولكن لا يسهّل التصدير.
قضية النقل. التجزئة في لبنان، هنالك ظاهرة اسمها طرابلس. أسعار المواد والخدمات المحلية، لا المستوردة، تختلف بين بيروت وطرابلس بنسبة تصل لـ30٪ و40٪ و50%. إن قطاع النقل يجب أن يكون حيوياً، يجب أن يكون الربط بين بيروت وطرابلس لا يزيد عن 40 دقيقة. أنتم تعلمون أن كل بناء على الأتوستراد هو مخالف لقانون الـ 62 لإنشاء الأوتوسترادات. حائط على طول الأوتوستراد وتختفي «عجقة السير».