«من الواضح أن شيئاً ما غير عادي كان يحدث بالنسبة إلى حالات الزواج في الغرب، إذ شهدت أعداد النساء اللواتي كنّ يدخلن عيادات التوليد في كاليفورنيا في السبعينيات تناقصاً جوهرياً في حالات الزواج الرسمي، وعزوفاً عن إنجاب الأطفال، وتحوّلاً في الموقف من القبول بالتكيف ثنائي الجنس. ومن غير المرجح أن يكون رد فعل كهذا شريحة من النساء قد سُجّل في أي مكان في العالم، حتى في كاليفورنيا نفسها، قبل ذلك بعهد من الزمن»

«عصر التطرّفات»، إيريك هوبزباوم

تجلّت ظاهرة تخلّي الرأسمالية الاحتكارية عن مؤسّسة العائلة في الكثير من الممارسات التي بدأت منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وما زالت مستمرة لغاية اليوم. فمن دعم المثلية الجنسية، واعتبارها حقّاً من حقوق الإنسان، إلى تنميط المرأة بصورة المرأة المستقلّة، وتقديمها باعتبارها صورة للمرأة العصرية، إلى دعم اللاإنجابيّة ومنح حقّ الإجهاض... كل تلك الممارسات، نالت قسطاً واسعاً من النقاش الفكري والعلمي. إلا أننا سنحاول قراءة الاقتصاد السياسي لهذا الميل، أي ميل الرأسمالية الاحتكارية للتخلّي عن العائلة، من خلال شرح تاريخي عن دور وأهمية مؤسّسة العائلة وأهمية عملية «تبلتر العائلة» بالنسبة للرأسمالية في طورها التنافسي. وسنبيّن أيضاً كيف أن تغيّراً قد طرأ في شكل عملية «التبلتر» عند الرأسمالية في طورها الاحتكاري ما أدى إلى تخلّي الرأسمالية الاحتكارية عن العائلة، بل تعدى ذلك إلى أن صارت الرأسمالية الاحتكارية تقف ضدّ هذه المؤسّسة رغم أن مشكلة «انخفاض نسبة الخصوبة» هي مشكلة اقتصادية دائمة تعاني منها الرأسمالية الاحتكارية.

العائلة و«التبلْتر» Proletarianization في الرأسمالية التنافسية
يُعرّف «التبلتر» بأنه عملية اجتماعية من خلالها يتم تحويل أفراد المجتمع من عاطلين من العمل، أو من عاملين يعملون لحسابهم الخاص، إلى عمّال يعملون لصالح ربّ عمل رأسمالي مقابل أجر. وتتم عملية «التبلْتر» من خلال اتباع سياسات اقتصادية متعدّدة كان أبرزها قانون التسييج الذي عُمِل به في بريطانيا في القرن الثامن عشر. فبموجب هذا القانون، اغتُصبت أراضي الكثير من الفلاحين، وجرى تحويل ظروف الحياة في الريف إلى ظروف مستحيلة بهدف الضغط على ساكني الريف ودفعهم إلى الهجرة نحو المدن بعد تجريدهم من وسائل الإنتاج التي كانوا يمتلكونها. لم يستطع هؤلاء الريفيون الحصول على ما يبقيهم على قيد الحياة في المدينة إلا من خلال التسوّل أو بيع جهد عملهم في سوق العمل. وبما أن القوانين التي منعت التسوّل وصلت إلى الإعدام، لم يبق لهؤلاء الفلاحين المسلوخين عن أدوات إنتاجهم (الأرض، الفأس، المحراث البسيط...) سوى أن يرموا بأنفسهم في سوق العمل. وبما أن هؤلاء الفلاحين لم يمارسوا إلا الزراعة وتربية الماشية سابقاً، فقد اعتبروا من ذوي «الأيدي غير الماهرة» ليصار إلى بيع جهدهم لصاحب رأس المال بثمن بخس. هذا القانون وعملية «التبلْتر» التي نتجت منه، كما حصلت في بريطانيا، ساهمت في إمداد المدن والمشاغل (المانيفاكتورات) بجيش من العمال كان لاستغلالهم من قبل صاحب رأس المال، دور كبير في تحقيق ما يسمى بالتراكم الأولي لرأس المال. كما أن عملية «التبلْتر» قدّمت أيضاً جيشاً من العاطلين من العمل يستعمل كأداة لخفض أجر العامل. فالعامل العاطل من العمل، يعرض نفسه في سوق العمل، وبالتالي يسهم في زيادة المعروض من العمال، وبالاستناد إلى نظرية العرض والطلب، فهو يسهم في خفض سعر أجر العمال. أي يسهم في حصول رأس المال أو الرأسمالي على فائض قيمة أعلى. كما أن العاطلين من العمل يعتبرون بمثابة أداة تهديد بيد الرأسمالي. وهذا الأخير يستعمل هذه الأداة لتهديد العاملين في المعمل إذا أضربوا أو اعتصموا للمطالبة بتصحيح أجورهم. فهو يظهر لهؤلاء، أنه ليس عاجزاً عن استبدالهم وأن جيشاً من العاطلين من العمل ينتظر دوره في السوق! (العطالة كأداة لإنتاج القيمة).
وكان لزاماً على التراكم الأولي، لا أن «يُبلْتر» الفلاح فقط ويستغلّه استغلالاً مطلقاً، بل وصل الاستغلال في مرحلة التراكم الأولي في بريطانيا إلى «بلترة» عائلة العامل أيضاً (زوجته وأطفاله) واستغلالها من دون أي تمييز بين أفرادها. لذا، كان العمال يتألّفون «من رجال ونساء، راشدين وأطفالاً من كلا الجنسين، وتراوح أعمار الأطفال والأحداث بين جميع الدرجات الوسيطة التي تبدأ من سن الثامنة (وأحياناً من سن السادسة) حتى الثامنة عشر» بحسب الوصف الذي ورد في كتاب «رأس المال، المجلد الأول، الجزء الثالث: فائض القيمة المطلق، الفصل الثامن: يوم العمل». ولتحقيق هذا التراكم الأولي كان لا بد لأجور العائلة العاملة أن تكون مُخفّضة أقل ما يمكن، شرط أن يكون الأجر كافياً لتبقى العائلة على قيد الحياة، وأن يكون لديها طاقة تتيح لها الاستمرار في عملها من دون توقف. إلا أنه يجب أن تسمح هذه الطاقة، في الوقت ذاته، بإنجاب مشاريع عمّال وعاطلين من العمل (العامل لا ينجب أطفالاً بالنسبة إلى الرأسمالية، بل ينجب استثمارات في مشاريع عمال وعاطلين من العمل ستحلّ محلّ العمال الحاليين وتعطي فائض قيمة في المستقبل).
هذا الأجر، الذي يحقّق كل ما سبق، هو كلفة وجود الإنسان العامل (وجود العامل واستمرار وجوده بالنسبة للرأسمالية من خلال النسل). لذا، كان لمؤسّسة العائلة ولاستدامة الإنجاب في العائلة أهمية كبرى وواجب مقدس باعتبارها أمراً غير قابل للمساومة في زمن الرأسمالية العقلانية، فلا بد من توفير موارد مستدامة «مواد أولية وعمال وعاطلين عن العمل» ليستمر دوران عجلة الاقتصاد الرأسمالي وليستمر التراكم.

«ضد العائلة» وشكل «التبلْتر» الجديد في زمن الرأسمالية الاحتكارية
رغم أن عمليات التراكم الأولي، التي كان يُعمل بها في طور الرأسمالية التنافسية، استمرّت في طور الرأسمالية الاحتكارية، إلا أن تغيّراً في الشكل طرَأَ عليها. فبعد تجلّي الإمبريالية بأوضح صورها في حربين عالميتين، أصبح في العالم دول متقدمة (بلدان رأسمالية - المراكز) ودول «متخلّفة» (بلدان رأسمالية - الأطراف). ما يهمنا من كل عمليات التراكم الأولي هنا هو التغيير الشكلي الذي حصل في عملية «التبلتر». فهذه العملية التي كانت من خلالها يهجّر الفلاح المحلّي (البريطاني مثلاً) من الريف إلى المدينة ليتحول إلى عامل أو عاطل من العمل، طرأ عليها تغيّر واضح بعدما جرى التخلّي عن محليّة العلاقة بين المدينة والريف في بلد ما، لمصلحة علاقة عالمية بين دول المراكز ودول الأطراف. دول الأطراف تمتاز بالتضخّم السكاني وارتفاع نسبة الولادات وارتفاع نسبة البطالة وانخفاض فرص العمل وانخفاض الأجور فيها. أما في دول المراكز، فإن عملية «التبلتر»، اليوم، لم تعد تستهدف الفلاح البريطاني أو الفرنسي، بل إنسان ما وراء البحار؛ أي إنسان دول الأطراف، من خلال تهجيره من ريف بلده، بسبب الظروف المعيشية السيئة، ثم توجيهه نحو المدينة التي قد تتوافر فيها ظروف معيشية أفضل. ويتم تحويله لاحقاً من فلاح ريفي إلى عاطل من العمل، أو عامل يسبّب عطالة للغير. وعندما تشهد بلاد الأطراف زيادة نسبية في عدد سكان المدن على حساب نقصان سكان الريف، ترتفع نسبة البطالة بشكل عام، فتقلّ أجور العمال بسبب زيادة المعروض من العمل في سوق العمل. وبالتالي تصبح كلفة الإنسان في دول الأطراف أقلّ بما لا يقارب ولا يداني كلفة الإنسان في دول المراكز. وهذا ما يدفع إنسان الأطراف للهجرة نحو دول المراكز بغية الحصول على أجر أفضل حتى وإن كان أقل من أجر الإنسان في دول المراكز. كل هذا ما كان ليتم لولا توسّط الأنظمة المحلية في دول الأطراف.
إذاً، لم تعد جيوش العمال والعاطلين من العمل تتألف من أناس محليين في دول المراكز، بل يتم تحويل شعوب بلدان الأطراف، من خلال تخليف (من التخلّف) هذه البلدان، إلى جيوش عاطلة من العمل لتمدّ دول المراكز باليد العاملة الرخيصة عند الطلب. تجد هذه الجيوش مكدّسة في عشوائيات تطوّق المدن الكبرى. وحتى إن لم يكن سكان العشوائيات هم المستهدفون لدخول سوق العمل في بلدان المراكز، فإن ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض الأجور المرافق كفيل باستهداف غيرهم من أبناء البلد. بعد هذا التغير في شكل «التبلتر» في الطور الاحتكاري، فقدت العائلة، التي كانت مقدّسة في الطور الرأسمالي، أهميتها كأداة لإنجاب مشاريع العمال في دول المراكز بسبب كلفة وجودها الباهظة إذا ما قورنت بكلفة العائلة في دول الأطراف. فسكان العشوائيات في دول الأطراف ومشاريع مراكب الموت في البحار باتوا هم العمال المستقبليين في دول المراكز. ولم يعد الاستثمار في رحم الأنثى في دول المراكز، يدرّ ربحاً بالمقدار الذي يدرّه الاستثمار في إفقار وتجويع إنسان الأطراف بهدف خفض كلفة وجوده إلى مستويات متدنية. حتى أن مشكلة «انخفاض نسبة الخصوبة» التي تقرّها الدراسات الاقتصادية في دول المراكز، عادة ما تُواجَه برفع نسبة المهاجرين كحلّ بديل ومربح. أي أنه كلما صارت كلفة العائلة في بلدان الأطراف شبه معدومة، فإن التخلص من العائلة المكلفة في المراكز يصبح أمراً مولّداً للمزيد من الربح. على هذا الأساس (الربح)، تم التخلّي عن مؤسّسة العائلة في دول المراكز. وعلى هذا الأساس تتم ممارسات من نوع دعم المثلية الجنسية ودعم اللاإنجابية وإعطاء حق الإجهاض وغيرها مما يحصل في دول المراكز.



شرح بعض المصطلحات
● التراكم الأولي: هي كل العمليات التي قامت بها البورجوازية، من نهب وسرقة وتدمير واستعباد البشر واستغلالهم وحتى دفنهم في المناجم، في بداية صعودها لتحقيق تراكم ذلك الكمّ من عوامل الإنتاج ليتم تشكيل الدفعة الأولى لعجلة الاقتصاد الرأسمالي.
- الرأسمالية التنافسية: هي الرأسمالية العقلانية التي كانت تسعى من خلال الزهد والتوفير واستغلال العمال إلى تحقيق أكبر كمّ ممكن من فائض الإنتاج. كما أن المنافسة في السوق كانت بين شركات متقاربة الحجم ولم يكن هناك شركات كبرى تسيطر على السوق بعد.
● الرأسمالية الاحتكارية: لوحظ أن آلية العمل في السوق التنافسية ستؤدّي إلى تحوّل هذه السوق إلى سوق احتكارية يسود فيها شركة كبرى (احتكار تام) أو عدة شركات كبرى (احتكار القلة). فآلية السوق التي تعتمد قانون الغابة (الكبير يأكل الصغير ويكبر أكثر) كان لا بد من أن تفضي إلى وجود الكبير الذي لا يؤكل.