في ظل هيمنة الدولار على العالم خلال العقود الـ4 الماضية، وقعت الدول في فخّ لا نجاة منه؛ فبشكل عام سيطرت أسعار الفوائد المنخفضة على الاقتصاد الأميركي، ما جعل ثقل الديون حول العالم، وخدمتها أقل وطأة، أو رُوّج لوصفٍ بأنها جاذبة. الجميع اقترض. حكومات وقطاع خاص وأفراد. ومع تراكم الديون حول العالم بشكل هائل، أتت جائحة كورونا لتوقف الكوكب عن العمل. لا إنتاج ولا سلاسل توريد. في مواجهة ذلك، طبع الفيدرالي الأميركي المال كأنه لا يوجد غد. ثم بدأت الجائحة تنحسر، وانفجرت أزمة روسية - حلف أطلسية في أوكرانيا. هكذا استيقظ الجميع على كابوس تضخّم الأسعار. فانطلقت عملية لجم هذا الوحش عبر رفع أسعار الفائدة لسحب الكتل النقدية من الأسواق وضبط الطلب الاستهلاكي.



هكذا صارت خدمة الديون بالدولار مكلفة وسط توقعات بانفجار أكثر من عشرين بلداً بينما استولد التضخّم ركوداً اقتصادياً.
منذ مطلع الثمانينيات، ازدادت الديون العالمية بالتوازي مع اتجاه ثابت لانخفاض أسعار الفائدة العالمية. كلفة الديون كانت تستنزف موارد الدول إنما كانت تتحمّلها رغم ذلك، وهو أمر استمرّ لغاية جائحة «كورونا» إذ طبعت الدول الأموال، وأجّلت سداد الديون، وعكفت على الاهتمام بمكافحة الوباء واللقاحات... كل ذلك كان يجري بلا حساب لما ستكون عليه كلفة طبع الأموال، ولارتفاع الأسعار الناتج من انقطاعات متعدّدة في سلاسل التوريد. لكن لم تكد هذه الصفحة تغلق حتى اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية التي كانت لها وقعاً هائلاً على سلاسل التوريد العالمية وعلى أكلاف الشحن والنقل حول العالم، وعلى أسعار النفط والغاز. بالنتيجة، لم يكد العالم يستيقظ على موجة تضخّم أنتجتها الجائحة، حتى بدأت موجة أقوى بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز. بالفعل، لم يعد لمؤشّر سعر الفائدة اتجاه يذهب إليه سوى الأعلى. لذا، فالقدرة على تحمل الديون العالمية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، من المقرر أن تنخفض. وستكون النتيجة الحتمية تخلفاً عن السداد بشكل كبير، وسينخفض الاستهلاك العالمي بالتوازي. قبل وقت قصير من انفجار سريلانكا، اجتمع رؤساء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإصدار تحذير مشترك بشأن ما وصفوه «التراكم الهائل للديون، لا سيما في أفقر البلدان». صندوق النقد الدولي تحدّث عن عشرات الدول التي لن تتحمّل أسعار الفائدة. لفتت كبيرة الاقتصاديين في البنك الدولي كارمن راينهارت، إلى أن «الكثير من سريلانكا على الطريق». كذلك حذّر مدير مجموعة آفاق البنك الدولي أيهان كوز، من أن ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة من جانب الدول المتقدّمة قد يُغرق الاقتصادات الناشئة المثقلة بالديون في «أزمة ديون». كوز، الذي يشغل أيضاً منصب كبير الاقتصاديين في المكتب الأم لمجموعة «بروسبكتس»، يرى أوجه تشابه مذهلة بين الوضع الحالي وأزمات الديون في السبعينيات والثمانينيات، حيث تتعرض الدول الأقل نمواً للضغط بسبب ارتفاع الديون والتضخم وضعف المراكز المالية. ومع تشديد البنوك المركزية للسياسة النقدية لترويض التضخم المتسارع، فإن الارتفاع السريع في أسعار الفائدة سيضع الاقتصادات الناشئة المثقلة بالديون في وضع غير مستقر. كما يحذر من أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية والاضطرابات المرتبطة بالوباء يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أزمة سلسلة التوريد، وإضعاف النمو، وزيادة التضخم، ما يخلق ظروفاً للركود التضخمي.
في هذا السياق، أجرت «بلومبيرغ إيكونوميكس»، تحليلاً انتهى إلى تسمية 19 دولة «قد تكون غير قادرة على سداد مدفوعات الفائدة على ديونها». وهذا بدوره سيفرض على هذه الدول اللجوء إلى مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي من أجل الإنقاذ. اعتماداً على البلد، يراوح الدين من عشرات الملايين إلى مليارات الدولارات؛ قد تحصل بعض البلدان على خطّة إنقاذ من صندوق النقد، والبعض الآخر ربما لن يحالفه الحظ إذا جاز التعبير. إذ تأتي الخطط المالية لصندوق النقد الدولي مع شروط صارمة ومؤلمة، وفي كثير من الأحيان تُستلزم خيارات لا تحظى بشعبية لخفض الإنفاق العام، ولا يتم العمل بها. وبالتالي قد ينهار اقتصاد البلد. في المقابل، قد يعني الحصول على خطّة إنقاذ ألماً اقتصادياً واسع النطاق لأكثر من 900 مليون شخص يعيشون في هذه الدول حيث تضطر الحكومات إلى تقليص الإنفاق العام للسيطرة على مواردها المالية.
هي «قنبلة ديون» تعني أن المشاهد الآتية من سريلانكا أخيراً، حيث قام المواطنون الغاضبون الذين سُلبت أرزاقهم وحتى قدرتهم على الوصول إلى الحاجات الأساسية مثل الوقود والطعام، باقتحام القصر الرئاسي، قد تكون مجرد البداية، وأن الكوكب قد يكون أمام كابوس عالمي جديد بعد الوباء.







بحسب «بلومبيرغ»، الخطورة الأكبر تقع في الدول التالية:

◄ السلفادور
خفضت وكالات الائتمان تصنيف الدولة الواقعة في أميركا الوسطى مع تراجع سنداتها الدولارية، مدفوعة بالسياسات التي لا يمكن التنبؤ بها في بعض الأحيان للرئيس نجيب بوكيلة. وأدى اعتماد بوكيلة على عملة «بتكوين» المشفّرة كعملة قانونية، بالإضافة إلى تحركات حكومته، إلى إثارة القلق بشأن قدرة السلفادور واستعدادها للبقاء على قيد الحياة في ما يتعلق بالالتزامات الأجنبية - لا سيما نظراً إلى عجزها المالي الواسع واستحقاق سندات بقيمة 800 مليون دولار في كانون الثاني المقبل.

◄ غانا وتونس ومصر
تحذر وكالة «موديز» من أن هذه البلدان ستكون عرضة لارتفاع أكلاف الاقتراض لأنها من بين المقترضين الأقل تصنيفاً مع احتياط مالي منخفض. تملك الحكومات الأفريقية كميات منخفضة نسبياً من الاحتياطيات الأجنبية في متناول اليد لتغطية مدفوعات السندات المستحقة حتى عام 2026. وقد يصبح ذلك مشكلة إذا لم يتمكنوا من تجديد سنداتهم المستحقة بسبب الكلفة المتزايدة للاستفادة من أسواق الديون الخارجية. تسعى غانا للحصول على نحو 1.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، بينما مصر لديها نحو 4 مليارات دولار مستحقة في تشرين الثاني المقبل و3 مليارات دولار أخرى في شباط 2023.

◄ باكستان
استأنفت باكستان منذ فترة، المحادثات مع صندوق النقد الدولي، بعدما نفدت منها الدولارات لسداد دين يبلغ 41 مليار دولار في الأشهر الـ 12 المقبلة ولتمويل الواردات. وخرج المتظاهرون في البلاد إلى الشوارع احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 14 ساعة التي فرضتها السلطات للحفاظ على الوقود. وفي حين قال وزير المالية إن الأمة تجنبت التخلف عن السداد، يتم تداول ديونها عند مستويات متعثرة.

◄ الأرجنتين
لا تزال الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية عالقة في محنة بعد نحو تسع حالات تخلّف عن السداد حدثت في عام 2020 أثناء الركود الذي غذّته الجائحة. يتوقع أن يصل معدّل التضخّم إلى 70% بحلول نهاية العام الحالي، ما يزيد الضغط على السلطات للحدّ من هروب الدولارات من الاقتصاد للسيطرة على سعر الصرف.

◄ أوكرانيا
دفعت العملية العسكرية الروسية الجارية في أوكرانيا، المسؤولين الأوكرانيين، إلى التفكير في إعادة هيكلة الديون بسبب نفاد خيارات التمويل. حاجتها تُراوح بين 60 مليار دولار و65 مليار دولار هذه السنة، لتلبية متطلبات التمويل، أي أكثر مما تعهد به حلفاؤها. يكافح صانعو السياسة في كييف للحفاظ على تشغيل الميزانية بعد أن انخفضت صادرات الحبوب الرئيسية في البلاد بشكل كبير. كما كشفت أوكرانيا النقاب عن خطة إعادة إعمار طويلة الأجل قد تتجاوز 750 مليار دولار.