الازدواجية التي نجمت عن تحويل الفلاح إلى ملّاك صغير، وإبقاء العامل في وضعية بروليتارية ليست خاصّة بنظم الإقليم، بل يمكن اعتبارها المشكلة الأساسية التي واجهتها أيضاً النظم الشيوعية في سياق سعيها لحل إشكالية الملكية، عبر الانتقال من الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج، إلى نظيرتها العامّة. في الاتحاد السوفياتي السابق مثلاً، حُوفظ على هذه الازدواجية، ولكن ليس بين العمّال والفلاحين حصراً، بل بين نُظُم الإنتاج التي يستحيل الاستمرار فيها من دون الحفاظ على الملكية الخاصّة الصغيرة، ونظيرتها التي يقتضي التقدُّم فيها حصول العكس، أي نقلها إلى مُلكية الدولة.


انجل بوليغان ــ المكسيك

هذه الثنائية التي عُرفت حينها بالسوفخوزات والكولخوزات، لم تنتقل إلى المنطقة هنا كما جرى تطبيقها في موسكو، إذ لم تصل نظم الإنتاج في الإقليم، وحتى في العالم الثالث عموماً، إلى هذا المستوى من التعقيد في تقسيم العمل بين المُلكيات الخاصّة والعامّة. ولكن مجرّد الحفاظ على هذا الهيكل للتحويل الاشتراكي، من دون الوصول إلى البنية السوفياتية السابقة بالضرورة، أتاح الفرصة لحصول نموّ في علاقات الإنتاج، لتُصبح المنتجات الصادرة عن الملكيات الخاصّة الفلاحية ليس فقط في متناول السوق إنما أيضاً هياكل الإنتاج التي انتقلت مُلكيتها من القطاع الخاصّ إلى الدولة. وهذا ما أضفى في حينه، على التراكم الأوّلي، قيمة تبادلية أكبر، كونه تجاوَزَ احتكار السوق للتبادل وما تنطوي عليه من قيمة نفعية أو ربحية مُطلَقة، نحو تلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية التي تعمل لمصلحة الدولة والطبقة العاملة في تحقيق الوفرة الإنتاجية والاكتفاء الذاتي.

«القيمة التحرّرية» للسوق
بلوغ هذه المرحلة المتقدّمة من التحويل الاشتراكي، كان يقتضي إخضاع المنتَج الخاصّ بالملكيات الفلّاحية الصغيرة، إلى اختبار السوق. فالربحية التي تنطوي عليها القيمة التبادلية، كانت بمثابة تجاوز كبير لمبدأ الاحتكار الذي يقوم عليه نمط الإنتاج الإقطاعي. فائض القيمة الذي يذهب، سوقياً، إلى التاجر الكبير أو الصغير، لا يُقارَن بما كان يُقتَطَع من أجر الفلّاح القنّ لدى عمله عند الإقطاعي أو ملّاك الأرض. المسألة ليست فقط في مقدار الخسارة التي تَلْحَق ببيع قوّة العمل، بل أساساً في عدم امتلاك أساس مادّي للتفاوض، على قيمة المُنتَج، أو لنقل، على مقدار قوّة العمل. في نمط الإنتاج الإقطاعي، لا تكون التجارة مطروحة، حتى كاحتمال بالنسبة إلى الفلاح القنّ، لأنّ عنصر الامتلاك الذي يحوزه الإقطاعي يكون مُطلَقاً ولا يقتصر على ناتج العمل أو الجهد المبذول، بل يتعدّاه إلى الحقّ في مصادرة أيّ عمل أو علاقة تجارية، خارج نطاق نظام القنانة. هذا الموقف القطعي من حقّ «الأقنان» بالتجارة، جعَلَ من السوق التي اعتبرتها الماركسية أحد القيود على عملية تحويل وسائل الإنتاج، ممرّاً إلزامياً بالنسبة إليهم، للتحرّر من «عبودية» النظام الإقطاعي. وهو ما يفسّر المكانة الرمزية التي تحظى بها عملية نقل المُلكية من الإقطاع إلى الفلاحين والملّاكين الصغار في السرديات الأوروبية إبان صعود البورجوازية. العنصر الثوري هنا، والذي انتقل بالتواتر إلى كلّ التجارب المماثلة، وإن في سياقات مغايرة، هو تعميم الحقّ في التجارة وتبادل السلع، خصوصاً المُنتَجة من الأرض، على أوسع شريحة ممكنة من الناس. وصول الفلّاح إلى السوق هنا، لبيع منتَجه لقاءَ ثمن غير خاضع لأيّ إكراه سوى الإكراه التجاري نفسه، هو بالنسبة إلى المتحرّرين حديثاً من نظام القنانة أو العمل لدى الإقطاع، بمثابة الحريّة المُطلقة. الخسارة التي تحصل في عملية التبادل لمصلحة التاجر الكبير أو الصغير، يمكن اعتبارها في هذا السياق، مجرّد ثمن يتعيّن دفعه، لاستعادة المُلكية، ليس على الأرض وناتج العمل فحسب، بل على قيمة المُنتَج كذلك. أهمية النفاذ إلى السوق بهذا المعنى، هي في البعدين «التحرّري» و«التقدّمي» الخاصّين بترك الفلاح يكتشف بنفسه، بعد انتزاعِه حريّته الجنينية الأولى، ماهية الإكراهات الجديدة التي سيتعرّض لها أثناء الانتقال من نمط إنتاج وتبادل إلى آخر. فالتاجر ليس إقطاعياً، والسوق التي تقوم عليها عملية التبادل التجاري لا تشبه القيود المطلقة الخاصّة بالنظام الإقطاعي، لكنّ هذه التداولية أو لِنَقُل الحرية في التبادل ليست مطلقة بدورها، بل تخضع لمحدّدات تجعلها أكثر إكراهاً حتى من العلاقات الإقطاعية في ما يتعلّق بتحريم الحصول على قيمة المُنتَج الفعلية. هذا يخلق عائقاً جديداً أمام الفلاح صاحب المُلكية الصغيرة، ويضعه على تماسّ مع حدود حرية السوق التي لم تكن قد اُختبرَت بعد، كما يجب.

معاناة الحلقة الأضعف
بعد اكتشاف الفلاح أو صاحب مُلكية الأرض الصغيرة للسوق بمعناها الأوسع، تأتي عملية التعامل مع إكراهاتها الشديدة. الأمر لا يقتصر على ذهاب فائض قيمة المُنتَج لمصلحة التجّار، بل يتعدّاه إلى اكتشاف محدودية الربح الذي يأتي من السلعة حين تكون في هيئتها الأوليّة. الفلاح هنا لا يخسر فحسب القيمة الزائدة، بل كذلك الإمكانية التي تتيحها معاودة تصنيع السلعة، أو لِنَقُل دخولها في حلقة التصنيع. الرابح من هذه العمليّة المعقّدة هم الصناعيون والتجار، لأنّ السلعة بعد تصنيعها لا تعود مُلكاً لمنتجها الأوّل، بل تصبح بسبب إضفاء القيمتين الصناعية والتجارية عليها، حكراً على التبادل بين الحلقات المتقدّمة من معاودة إنتاجها. الأرباح كلّها تذهب لمصلحة التجار والصناعيين، إلى درجة أنّ حرية التبادل التي أضفت على السوق «طابعاً تقدمياً» في مرحلة سابقة، تتحوّل مع هذا الاحتكار المفرط للربح إلى قيد جديد، ولا سيّما بالنسبة إلى المنتج الأول والمستهلك. الاثنان متضرّران من توسُّع دائرة التبادل. فالفلاح، مع كلّ دخول للسلعة إلى حلقة جديدة، يخسر مزيداً من القيمة، والمستهلك بدوره مضطرّ لتحمّل الزيادات الإضافية على قيمة السلعة لدى انتقالها من حلقة أخرى، أو لدى معاودة بيعها بكلفة إضافية. هذه الدينامية التي تقوم عليها السوق غير قابلة للعكس، إذ يقوم «التقدّم» الذي تنطوي عليه هذه الأخيرة، على فكرة تجريد السلعة بعد إنتاجها من الأرض من أيّ قيمة غير القيمة الربحية. أي أن السيادة هنا، تصبح كاملة لمنطق التراكم الرأسمالي ولو في شكله الأوّلي. إلى درجة تبدو معها أحياناً قيود النظام الإقطاعي مقارنة معه، أكثر احتمالاً. «التقدّم» الذي حمله التبادل التجاري الحرّ إلى الفلاح أو المالك الصغير للأرض، سُرعان ما سينقلب إلى عكسه بسبب طبيعة عملية التراكم التي يتوقّف استمرارها على حجم التطوّر الذي يطرأ على السلعة، وهو ما يجعل موقع الصناعي أو التاجر فيها أساسياً، بعكس الفلاح الذي لا يستفيد منها إلا لمرّة واحدة وبهامش من الربح محدود جداً. يمكن اعتباره بهذا المعنى، الحلقة الأضعف في السوق. ومن هنا تأتي القيود عليها في المراحل المتقدّمة من التحويل الاشتراكي لمصلحة المزارعين.

حلقات التدخّل لمصلحة المزارعين
تَرْجَمَةُ ذلك عملياً، سواء في نُظُم الإنتاج التي أبْقَت على المُلْكية الخاصة، أو التي نقلتها إلى الدولة، هي في الهياكل التي تنشأ لتوسيع هامش ربح الفلاح عبر دعم كلفة الإنتاج جزئياً أو كلياً. تجربة التعاونيات الزراعية هي الأكثر شيوعاً وفاعلية، لأن تدخّلها يكون سابقاً لبدء الإنتاج، وبالتالي يأخذ هذا التدخّل شكل منع السوق حتى من تحقيق ربح أوليّ عبر بيع أدوات الإنتاج أو جزء منها. الأسمدة والبذور والمبيدات الزراعية، كلّها تدخل في كلفة الإنتاج بوصفها وسائل أو أدوات، وخضوعها لمبدأ العرض والطلب يجعل منها عبئاً على الفلاح حتى قبل مباشرة عملية الإنتاج أو أثناءها. لا بل يمكن إضافتها في حال لم تتوافر قنوات لشرائها بكلفة زهيدة أو رمزية، إلى ما يخسره لاحقاً من قيمة المنتَج حين يبيعه للسوق. التعاونيات عبر قيامها بتوفير هذه المُستلزمات، تمنع دخول الفلّاح إلى السوق بخسارة مُسبقة وتسمح له بالتفاوض على السعر من موقع أفضل، لكن ليس من دون خسارة القيمة الزائدة نفسها. المعركة مع السوق هنا تنحصر في تأجيل الخسارة، وهو ما ينسحب حتى على الهياكل التجارية «العامّة» أو الجماعية التي تتدخّل بعد التعاونيات لشراء المُنتَج من المزارعين. طبيعة هذه الهياكل المملوكة للدولة أو القطّاع العام، تَفترِض عدم حصول التبادل التجاري وفقاً لمنطق العرض والطلب. فالسعر هنا يكون تفضيلياً ليس فقط لمصلحة الفلّاح، بل من دون خضوع المُنتَج لفلسفة القيمة الزائدة التي غالباً ما يخسر معها المنتجون «كل شيء»، سواءً في المزارع أو في المصانع، بما في ذلك وقتهم المعروف بزمن الإنتاج.
هذه الآلية في التبادل، تنعكس لاحقاً على نمط الاستهلاك نفسه، حيث الشراء بسعر تفضيلي من المُنتِج يصل إلى المستهلك بطريقة مماثلة، أي بسعر أقلّ بكثير من سعر السوق، وبالتالي يحصل تعطيل جزئي لعملية العرض والطلب ريثما تنتهي السلسلة الخاصّة بحلقات دعم المزارعين. قبل ذلك، ولجعل هذه السلسلة تنطلق أساساً تكون ثمّة مساهمة لقنوات التمويل، وعلى رأسها المصارف التي أُمِّمت أجزاءٌ منها ليس فقط لمعاودة توزيع الثروة، بل أيضاً لتسهيل عملية الإقراض على الطبقة العاملة، بحيث يُصبح الإنفاق من القروض على عملية الإنتاج مضموناً لجهة أسعار الفائدة المنخفضة وآجال التسديد الميسَّرة. كلّ ذلك يتحوّل في التجارب الاشتراكية التي تَغْلِب عليها المُلْكيات الزراعية الصغيرة، إلى قيود إضافية، ليس على السوق بحدّ ذاتها باعتبار أنّ تطوّرها مطلوب لاستكمال التحوّل، بل على ديناميتها التي تقتضي حُكماً تهميش الفلاح بوصفه الحلقة الأضعف فيها والطرف الأقلّ استفادةً من السلعة حين تدخل في دائرة التصنيع وتتحوّل إلى مستودع للقيمة الزائدة أو الفائضة.

ضُعف الهياكل الاشتراكية إزاء السوق
الازدواجية التي واجهتها كلّ تجارب التحوُّل الاشتراكي في العالم في ما يتعلّق بنقل المُلْكية، انتقلت بدورها إلى المنهجية الخاصّة بالتعامل مع السوق. فالحاجة إليها لم تنتهِ مع اندثار هياكل الإنتاج القديمة أو المُلكية الإقطاعية. وفي الوقت نفسه، بدأ نموّها المستمرّ في خلق عوائق أمام تطوّر الحلقات الأساسية في النظام الإنتاجي المتمثّلة بالفلاحين أصحاب المُلكية الصغيرة. حصول تراكم في القيمة المضافة للسلع على حساب هؤلاء لا يمثّل مشكلة في نمط الإنتاج الرأسمالي، لكن في أنماط الإنتاج الانتقالية بين الرأسمالية والشيوعية التي يجري فيها التحوّل الاشتراكي، يُعدّ هذا الأمر بمثابة معضلة حقيقية كونه يخلق تناقضاً بين «التقدم» الذي تمثّله السوق ونظيره الخاص بنموّ قوى الإنتاج الأساسية. المقايضة التي سمحت بترك السوق تنمو داخلياً وخارجياً لقاءَ السماح بفرض قيود عليها لمصلحة صغار المزارعين، لم تستمرّ كثيراً، أقلّه في الإقليم، إذ إنه مع تقوّض البُنى والهياكل الاشتراكية انتهت إلى استعادة قوى السوق لهوامش الأرباح التي اُنتزعت منها وللمُلكية نفسها، لكن ليس على الأرض بل على هياكل الإنتاج والخدمات أيضاً التي كانت مُلكاً للدولة والقطاع العام.
أهمية النفاذ إلى السوق هي في البعدين «التحرّري» و«التقدّمي» ليكتشف الفلاح بنفسه ماهية الإكراهات الجديدة التي سيتعرّض لها أثناء الانتقال من نمط إنتاج وتبادل إلى آخر

عدم استمرار هذه الصيغة لا يُعزى فحسب إلى انهيار الاشتراكية في المنطقة والعالم، بل إلى ضُعف هياكلها حتى في ذروة صعودها، إزاء بنية السوق. في النظام الرأسمالي تكون السوق هي محور عملية التراكم، وتوسُّعها داخلياً وخارجياً هو الذي يجعل تدفُّق السلع والخدمات منتظماً، أي أنها تضع الأُطُر لعملية الإنتاج، وتسمح لقواها وعلاقاتها بالنموّ، ومن هنا قوّتها المُطلقة رأسمالياً. لكن في النظام الاشتراكي تكون الحاجة إليها مشروطة أو مقيّدة بنموّ قوى العمل وعلاقاته، أي عكس ما تقوم عليه الرأسمالية تماماً، وهذا يفترض حضوراً أقلَّ لها في بنية النظام، فضلاً عن لجم واضح إزاء الدولة والقطاع العام تقتضيه القيود المفروضة عليها لمصلحة قوى الإنتاج. حصول العكس يعني أنّ ثمّة خللاً أساسياً في عملية الانتقال أو التحويل الاشتراكي سواءً لجهة ازدواجية الملكية، أو لناحية الإبقاء على السوق في وضعية تشبه ما كانت عليه في نمط الإنتاج الرأسمالي.

إشكالية مفهوم البناء الاشتراكي
لِنَقُل إن القوّة التي انعكست هنا، بُعَيْد الانهيار الاشتراكي في المنطقة والعالم، على شكل معاودة استحواذ على المُلكيات الصناعية والتجارية والخدمية التي كانت تُدار من جانب الدولة، تؤكّد أن التقييد الذي كان حاصلاً لها سابقاً لمصلحة قوى الإنتاج، لم يكن هو الدينامية الفعلية. اكتساب السوق مناعة إضافية مع نموّ هياكل التجارة الدولية، بدا كأنّه تعزيز ليس فقط لقوّتها إزاء أيّ محاولة لتقييدها بل للسردية التي تضع هذه القيود، حتى في المرحلة الاشتراكية، في سياق التمهيد لجني ثمار التوسّع في عملية التصنيع وتحقيق الربح الزائد حين تنتقل المُلكية من الدولة إلى القطاع الخاصّ والاستثمارات الأجنبية. والحال أنّ الإطار الحالي لنموّها يسمح بذلك على نطاق واسع، إذ إنّ مُلْكيتها سواءً الحاصلة أو المستقبلية، لمعظم قطاعات الإنتاج والخدمات والتجارة، وخصوصاً التي نَمَت مع هياكل العولمة، قد ضاعفت من استفادتها من القيمة الزائدة للسلع. فسابقاً حين كانت المُلكية معقودة للقطاع العام، كانت الاستفادة محصورة بحلقة التصنيع التي تدخلها السلعة ما إن تُشترى من الفلاح، في حين أنّ المعادلة الحالية تضيف إلى عامل السلع الذي تضاعَفَ أصلاً، الخدمات ومعهما المُلْكية التي تجعل من الأصول «المُستعادة» القيمة المضافة الأساسية لكلّ هذه العملية. هذا الانقلاب الجذري على بنى الدولة والقطاع العام يطرح إشكالية بشأن مفهوم البناء الاشتراكي، وما إذا كانت المقاربة لعملية الإبقاء على المُلكية الخاصّة للمنتجين وليس فقط للتعامل مع السوق، سبباً في ما آلت إليه الأمور من انفلات هذه الأخيرة وقِواها وبُناها بالشكل الذي نراه الآن.