لا تتخلّى الإمبراطوريات عن مستعمراتها بسهولة حتى لو اضطرت إلى التسليم بـ«استقلاليتها». ومرحلة إنهاء الاستعمار بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، إنما استمّر المستعمرون في هيمنتهم على مقدّرات الدول المستقلة حديثاً من خلال إيجاد نخب حاكمة يتم ربطها بمراكز القرار الخارجي عبر مؤسسات أنشئت للبحث في الشؤون العامة المشتركة بين الدول المستعمِرة والدول المستقلّة حديثاً. وظيفة هذه المؤسسات خلق سردية مشتركة يمكن من خلالها السيطرة على كافة العوائق التي تحول من دون تحقيق مصالح الدول المستعمرة سابقاً. سنعرض ملامح بعض هذه المؤسّسات التي بلورت أفكاراً كانت سبباً في الكوارث التي أنتجتها النيوليبرالية.


(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

- معهد اسبن في ولاية كولورادو؛ أسّسه رجل الأعمال والتر بايبكي عام 1949 ثم نُقل مقرّه الرئيسي إلى واشنطن وانتشر جغرافياً في الولايات الأميركية. كان الهدف المعلن من إنشائه، حثّ القيادات السياسية والاقتصادية على التمسّك بالقيم الأدبية والفنية، لكن سرعان ما أصبح منتدى لعصر الأفكار التي تهم البشرية وليس فقط الولايات المتحدة. والمعهد يستقبل مساهمات من أنحاء العالم كافة ما يجعله مؤثراً في النخب الحاكمة في العديد من الدول. كما أن تمويله يأتي من شركات كبرى ومؤسّسات ومعاهد كمؤسّسة كارنغي، ومؤسّسة بيل ومليندا غيتس، ومؤسّسة فورد، ومؤسّسة الإخوان روكفلر، ومن الدولة الاتحادية أيضاً عبر برامج خاصة. أما اهتمامات المعهد فهي الصحة والتربية والمناخ، أي في قطاعات مهمّة لمن يريد التحكّم بمسار السياسات التي تنفّذها الدول الغربية وسائر الدول التي تسير في فلكها.
أخيراً، تعرّض المعهد إلى ضغوط متعلقة بمصادر التمويل وانعدام الشفافية فضلاً عن شبهات حول التصّرف بالأموال. أيضاً اتهم بانحيازه للحزب الديموقراطي على خلفية حملة كبح حرّية التعبير التي قادها عبر لجنة مكافحة الأكاذيب والمعلومات الخاطئة والتشويه الإعلامي.
- مؤسسة «مونت بيليران» (Mount Pelerin Society) أو «جمعية جبل الحاج»؛ تأسست عام 1947 بقيادة الاقتصادي فريدريك فون هايك، والفيلسوف كارل بوبر، والاقتصادي الفرنسي موريس الليه، والاقتصاديين الأميركيين فرانك نايت، وجورج ستيغلر، وميلتون فريدمان، وجيمس بيوكانان، والاقتصادي النمسوي لودفيغ فون ميسيز. الجمعية استمرت بعد رحيل مؤسسيها وهي تضم اقتصاديين منتمين إلى الفكر النيوليبرالي من الدول الأوروبية والولايات المتحدة. نشأت الجمعية على فكرة دحض دور الدولة في الاقتصاد وتثبيت قوامة آليات السوق.
في وقت نشوء الجمعية، كانت معظم أوروبا مدمّرة وإعادة بناء بنيتها التحتية يقع على عاتق الدولة، فضلاً عن أنه في تلك الحقبة تعزّزت مكانة الدولة في المجتمع الغربي بفعل تقدم الحزب الشيوعي في فرنسا وإيطاليا وبلوغ الفكر الاشتراكي سدّة الحكم في المملكة المتحدة مع وصول حزب العمّال، لذا كان ضرورياً أن تقدّم الدول بعض الخدمات الاجتماعية في الضمان الصحّي والبطالة والشيخوخة. لذا، لم تستطع الجمعية السيطرة على الفكرة الاقتصادية السائدة في الجامعات الغربية التي كانت تتبنّى الكينزية منذ حقبة الكساد الكبير، أي تتبع سياسة الإنفاق العام على المشاريع والخدمات الاجتماعية للحد من تقلّبات الدورة الاقتصادية وتثبيت الاستقرار الاجتماعي الأساسي. لكن مهمة الجمعية كانت زرع بذور الثورة المضادة، لنقض العمل الجماعي في الاقتصاد، والتركيز على الفردية بحجّة أنها الوحيدة التي تستطيع أن تجسّد وتحمي الحرّية التي تحمل في طياتها معاداة للمجتمع وللأسرة والدولة الوطنية. وهذه قيم عند الفكر النيوليبرالي تؤدّي إلى حروب. هذا ما يروّجه في هذه الأيام جورج سوروس بشكل واضح عبر مؤسّسته «المجتمع المفتوح»، وهو مصطلح أوجده الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون وروّج له الفيلسوف الألماني كارل بوبر.
- مجموعة بيلدبرغ؛ هي ليست مؤسسة قائمة بحد ذاتها، بل صيغة مكلّفة بترتيب لقاءات سنوية بين نخب أوروبية وأميركية. لجنتها الإدارية مكوّنة من عضوين من 18 دولة ممثلة. وليس هناك انتساب بل مشاركين في المؤتمر السنوي يدعون إلى الحضور من اللجنة الإدارية المنتخبة لمدة أربع سنوات. الاجتماع الأول عُقد سنة 1954 في منتجع بيلدبرغ في هولندا بمبادرة من الأمير برنهارد زوج الملكة جوليانا. واستمرّت اجتماعات المؤتمر السنوية لعقود، باستثناء عام 1976 حين أصيب الأمير بفضيحة تقاضي رشوة من شركة لوكهيد الأميركية لبيع طائرات للحكومة الهولندية. لاحقاً عادت الاجتماعات برئاسة شخصيات أوروبية مثل أليك دوغلاس هوم رئيس وزراء المملكة المتحدة، وولتر شيل رئيس ألمانيا الاتحادية، ولورد أريك رول أستاذ الاقتصاد البريطاني المرموق، ولورد بيتر كارينغتون الأمين العام للحلف الأطلسي ووزير الخارجية السابق للملكة المتحدة، والكونت إتيان دافينيون كبير المفوضين في الاتحاد الأوروبي. أما المسؤول الحالي فهو الكونت هنري دي كاستري الذي يتولّى إدارة اجتماعات المجموعة.
في البداية كانت تعقد اجتماعات المؤسسة في منتجع بيلدبرغ، لكن مع الوقت أصبحت تُعقد في مدن مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة. وبسبب جائحة كورونا توقفت الاجتماعات لسنتين ثم عادت هذه السنة في أيار وانعقدت في مدينة مونترو السويسرية. أما تمويل المؤسسة فهو من شركات خاصة ومصارف لا تنشر أسماءها.
هدف المؤتمر كان في البداية التداول لمنع وقوع حرب عالمية ثالثة ولكن مع الوقت تناولت نقاشات المؤتمر مفهوم الأطلسية، القضايا الاقتصادية والتربوية والصحية، بالإضافة إلى القضايا السياسية التي تهم أوروبا والولايات المتحدة. لا يعرف شيء بشكل واضح عن مضمون الاجتماعات التي تتبع أحكام شاتهام هاوس البريطانية للحوارات إذ لا يتم تدوين المداخلات كي يتحدّث المشارك بكل صراحة. فالنقاشات هي ملك المؤتمر والمشاركين وليست للتداول الخارجي. هذا ساهم في إطلاق إشاعات كثيرة وصلت إلى التآمر على العالم.
المشاركون هم ملوك وأمراء ورجال من الأرستقراطية الأوروبية ورؤساء دول قائمين أو سابقين، ورجال أعمال، وأكاديميون، ومصرفيون، وإعلاميون، ووزراء سابقون. من ضمن القائمة الطويلة جدّاً، نلحظ هنري كيسنجر، هيلاري كلنتون، بيل كلنتون لما كان حاكماً لولاية اركنساس قبل وصوله إلى البيت الأبيض، وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترامب، ووليم بيرنز مدير المخابرات المركزية حالياً، جيمس باكر وزير الخارجية السابق، شاك هيجل وزير الدفاع السابق. ثمة الكثير من الأسماء التي تدل مشاركتها على مشاركة النخب المؤثرة في كل بلد، وبالتالي تصبح أهمية الاجتماعات واضحة. عدد المدعويين سنوياً تراوح بين 100 و150 شخصية. وعلى موقع «بزنس انسايدر» ينشر جدول يبرز علاقة الشركات والمؤسسات المالية والصناعية والإعلامية العالمية بالمجموعة، وكأن معظم الشركات الكبرى في العالم الرأسمالي تشارك بشكل أو بآخر في اجتماعات المجموعة، ما يعطي طابعاً في غاية الأهمية لما يمكن أن تتبناه وللانعكاسات على العالم.
اللافت أن الدعوات توجّه في كثير من الأحيان لشخصيات لم تتصدر بعد مراكز مرموقة في إدارة بلادهم، وكأن الدعوة هي إشارة بوجوب إيصال المدعوين إلى مراكز القرار. فمثلاً، تم دعوة بيل كلنتون قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لطوني بلير قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في المملكة المتحدة. والملاحظ أن الاجتماعات تقتصر على العرق الأبيض وعلى الرجال، إذ إن النساء لم يتجاوز عدد مشاركتهن 10٪.
الأفكار التي تروّجها مجموعة بيلدبرغ هي مشتقات عن أفكار جمعية «جبل الحاج» وعن معهد أسبن، إنما مع مروحة كبيرة من صنّاع القرار والمؤثّرين على الرأي العام. سرية الاجتماعات تسهّل الاتهام بالأفكار الشيطانية المدمرة كالدعوة إلى حكومة عالمية تتجاوز السيادات الإقليمية. هذا وكان قد قال دنسي هيلي العضو الراحل في مجموعة بيلدبرغ ووزير المالية السابق للملكة المتحدة، أنه ربما هناك بعض المبالغة في توصيف أهداف المجموعة لإيجاد حكومة عالمية، لكن هذا الأمر ليس ببعيد لأن العالم بحاجة أن تكون هناك حكومة واحدة ترعى شؤون الناس وإلّا لعادوا إلى الحروب المدمّرة. بمعنى آخر لا يمكن الاستخفاف بما يكتب عن بيلدبرغ في ما يتعلّق بالتقييمات والخيارات والسياسات التي ينفّذها المشاركون.
- اللجنة الثلاثية؛ أسسها المصرفي الأميركي الراحل ونائب رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة دافيد روكفلر في عام 1973. اجتماعها الأول حصل في تشرين الأول 1973، أي وسط حرب تشرين وأزمة النفط التي عصفت بالدول الغربية بعد قرار حظر النفط العربي، وبعد سنتين من قطع العلاقة بين الدولار والذهب، وبعد سنة من ارتفاع في سعر النفط يعادل أربعة أضعاف. أما أعضاء اللجنة فهم نخب منتقاة «على الطبلية». من الشخصيات المشاركة آنذاك دافيد روكفلر المؤسّس وهو مصرفي وسياسي في آن واحد، زبغنيو برجنسكي الذي أصبح لاحقاً مستشار الأمن القومي في ولاية جيمي كارتر، سمويل هنتنغتون أستاذ التاريخ الذي أصدر في التسعينيات مؤلفه الشهير حول صراع الحضارات. والعضوية محصورة لأن المؤسس أرادها أن تكون نخبوية بامتياز. لذا، لم يتجاوز عدد المشاركين 400 من القارات الثلاث: أميركا الشمالية، أوروبا الغربية، واليابان حيث كانت العلاقات متوترة بينهم.
أهداف اللجنة توثيق الاعتماد المتبادل بين الدول والذي أصبح واقعاً يتجاوز سيادة الدول. كانت هذه أول فكرة لتجاوز السيادة والتي أصبحت «عقيدة» العولمة في التسعينيات لغاية اليوم. طبعاً هناك كلام مكثّف حول ضرورة التعاون بين الدول التي تتحكم بمقدرات العالم وأن تعمل على حل المشكلات بينها وتشجيع التجارة الحرّة بينها. ومن منتجات اللجنة الفكرية، تقرير أعدّه سمويل هنتنغتون وميشال كروزيية وجوجي وتنوكي بعنوان «أزمة الديموقراطية» عام 1975. فكرته الأساسية أن العالم يشكو من «كثرة في الديموقراطية» التي تسبب مشكلات عادة في الحكم والحوكمة، وأنه لا بدّ من إعادة الهيبة للمزيد من المركزية في الحكم والتشدّد لضبط إيقاع حراك الشعوب الاحتجاجية التي ستنشب حتماً بسبب السياسات التي ستتخذها النخب.
يلاحظ تلازم دور مجموعة بيلدبرغ واللجنة الثلاثية في توقيت إنشائها نسبة للأحداث الجارية. فبالإضافة إلى رفع الأسعار وقطع علاقة الدولار مع الذهب، وهذه خطوات خطّطت لها المؤسّسات المالية الكبرى في وال ستريت ولندن، أقيمت حروب في المنطقة لتحميل مسؤولية التغيير في الأسعار إلى الخضّات النفطية الصادرة عن العرب وتحويل الأنظار عن دور المؤسسات المالية. النتيجة كانت ازدياد الطلب على الدولار وضرورة إعادة تدويره في النظام العالمي، وكبح نمو دول الجنوب الإجمالي عبر رفع كلفة الطاقة وإغراقها بالديون. أما إعادة تدوير الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع الأسعار فعزّزت نظرية كيسنجر أن السيطرة على العالم تكون عبر المال والمؤسسات المالية. فمن يسيطر على شرايين المال يسيطر على العالم وبالتالي لا داعي للانخراط في الإنتاج.
هكذا بدأت نظرية إعادة توطين القاعدة الإنتاجية الأميركية في دول الجنوب الإجمالي مستندة إلى القوّة العسكرية الأميركية والسيطرة على شرايين المال والدولار. هذه النظرية روّجت لها مدرسة شيكاغو التي قامت بأول تجربة تطبيقية في الشيلي عبر إعادة هيكلة الاقتصاد الشيلي بعد التأميم الذي أجراه سلفادور اللندني. لذلك كان الانقلاب الذي قام به أغوسطو بينوشة بدعم وتحريض من وكالة المخابرات المركزية وبناء على توجيهات هنري كيسنجر. بالمناسبة عرّاب مدرسة شيكاغو كان آنذاك ميلتون فريدمان أحد مؤسّسي جمعية «جبل الحاج»، فجعل من الجامعة الأميركية مركزاً للفكر النيوليبرالي التطبيقي. هنا نرى التفاعل بين هذه المنتديات ومراكز القرار والتطبيقات التي كانت كارثية.
مرتكز «العقيدة» الاقتصادية السياسية للنيوليبرالية هي السيطرة على المال وتثبيت قوامة السياسات النقدية على السياسات المالية


مرتكز «العقيدة» الاقتصادية السياسية للنيوليبرالية هي السيطرة على المال وتثبيت قوامة السياسات النقدية على السياسات المالية. هكذا تحوّلت البنية الرأسمالية من إنتاجية إلى ريعية مالية تستند إلى التمركز في المؤسّسات المالية التي تفرض الممارسات الاحتكارية لاستخراج الريع المالي من دون مجهود وذلك عبر تعاظم المضاربات المالية وإصدار الأوراق المالية التي لا تعكس بالضرورة النشاط الاقتصادي المفروض أن ترتبط به. فأسهم الشركات لم تعد وثيقة الملكية فحسب، بل هي أداة لإنتاج ثروة افتراضية لا تنتجها الشركات المنشغلة في المضاربات غير المشروعة والرفع الاصطناعي لأسعارها. لذا، تمّ بلورة سياسات نقدية تخدم المؤسسات المالية وليس القطاع الإنتاجي عبر التسهيل الكمي (quantitative easing) القاضي بطباعة وضخّ المال وإصدار سندات الخزينة وشرائها لمنع التضخم المالي. الأزمة الاقتصادية اليوم ناتجة عن انفصام الاقتصاد العيني عن الأسواق المالية. والعقوبات على روسيا والصين وسائر الدول التي لا تتماهى مع السياسات الغربية كشفت عورات الدول الغربية في التبعية لدول الجنوب لتأمين الحاجات الأساسية سواء في الطاقة أو الغذاء. فمن يتملّك الغذاء والطاقة وسائر المعادن الضرورية للإنتاج يستطيع أن يتجاوز الخضّات المالية.
المال هو أولاً وأخيراً في خدمة الإنتاج والعجلة الاقتصادية وليس العكس أي الاقتصاد والعجلة الاقتصادية ليسا في خدمة المال وأصحاب المال.
إضافة إلى المؤسسات التي عرضناها بشكل سريع هناك مؤسستان في منتهى الخطورة على السلم العالمي وهما مؤسسة جورج سوروس «المجتمع المفتوح» والمنتدى الاقتصادي العالمي المعروف بمنتدى دافوس لأنه يعقد سنوياً في منتجع دافوس في سويسرا. وهذا ما سنقاربه في الجزء السادس القادم من هذه السلسلة.

* باحث وكاتب اقتصادي سياسي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي