ماذا فعلت المصارف بسندات اليوروبوندز؟ باعتها لصناديق أجنبية. هنا يثار سؤال آخر: لماذا اشترت الصناديق سندات قيمتها السوقية أقلّ من ربع قيمتها الاسمية؟ إنها الصناديق الكاسرة التي تقتات على شراء الديون المتعثّرة والضغط على الدول لتحقيق أرباح. من يتحمّل هذه المسؤولية؟ فالمصارف، وبمساعدة مصرف لبنان، تمكنت في الفترة الماضية من إلغاء مفهوم توزيع المسؤوليات. الاثنان، وبمشاركة قوى السلطة، تمكنوا من إلغاء مفهوم توزيع الخسائر لإحلال مفهوم تعميم الخسائر. وانتهى الأمر بتصنيف الخسائر بين الهيركات على الودائع، وبين الاستيلاء على الأملاك العامة. جرى تصوير الأمر بأن المودعين سيتحمّلون مسؤولية الخسائر كأن هناك من يقتصّ منهم بشكل شخصي ومباشر. وفي المقابل، اقترحت المصارف الاستحواذ على الأملاك العامة من أجل تغطية الخسائر في ميزانياتها.


(محمود اشونكولوف ــ أوزباكستان)

عملياً، لا أحد يؤكّد أن الهيركات هو مجرّد عملية انتقام، ولا أحد يضمن أن تردّ المصارف أي قرش من الودائع. وهذا الأمر يفتح المجال أمام العودة إلى أصل المسألة لا سيما عند الحديث عن الشق التقني للأزمة: على من تقع مسؤولية الخسائر؟ وهنا يصبح الأمر مدخلاً نحو ماذا فعلت المصارف بسندات اليوروبوندز؟ مع من تورّط لبنان بسببها؟

التعامل مع «الشيطان»
ثمة ضرورة للفصل بين مسؤولية المصارف تجاه الزبائن، وبين مسؤوليتها عن توظيف الأموال التي تحصّلها من الجمهور. فهي بموجب المادة 121 من قانون النقد والتسليف تدعى مصرفاً لأن موضوعها الأساسي أن «تستعمل لحسابها الخاص في عمليات تسليف، الأموال التي تتلقاها من الجمهور»، وبمفهوم المادة 122 «تعتبر أموالاً متلقاة من الجمهور من قبل مصرف الودائع وحاصلات القروض»، فضلاً عن أن المادة 123 تنصّ على أن تخضع الودائع لأحكام المادة 307 من قانون التجارة. وهذه الأخيرة تفرض على المصرف «الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدّة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعينة في العقد». إذاً المسألة تكمن في قيمة المبلغ الذي يفترض بالمصرف أن يردّه، وليس بحجم المبلغ. لكن تصبح مسؤولية المصارف أكبر بحدود نصّ المادة 156 من قانون النقد والتسليف التي تفرض «على المصارف أن تراعي في استعمال الأموال التي تتلقاها من الجمهور القواعد التي تؤمن صيانة حقوقه. وعليها بصورة خاصة أن توفق بين مدة توظيفاتها وطبيعة مواردها».
إذاً، مسؤولية المصارف وحدها أن توفّق بين مدّة توظيفاتها وطبيعة مواردها. لا داعي لحشر المودعين في مسألة الخسائر التي تكبّدتها المصارف في استثمار الأموال مع مصرف لبنان ومع الدولة اللبنانية سندات اليوروبوندز). فالمصارف كانت لاعباً أساسياً في تحقّق الخسائر الفادحة. لكن سلوكها هذا، لم يقتصر على تبديد أموال المودعين على مدار السنوات فحسب، بل قامت بما هو أسوأ؛ فعندما اشتدّت الأزمة باعت المصارف كمية وازنة من سندات اليوروبوندز التي كانت تحملها إلى «الشيطان». فلا مجال لتوصيف الصناديق التي اشترت هذه السندات، إلا بـ «الشيطان» عندما يصبح الأمر متعلقاً بالديون المتعثّرة. فهذه الصناديق مثل كل الكواسر تنتظر الجيف لتقتات عليها. وعندما اتضح أن لبنان ينهار، وسنداته ستصبح «خردة» استثمرت هذه الصناديق في الخردة من أجل تحقيق الفوز بـ«الجيفة». وبمعزل عن مفهوم التسمية التي تطلق على هذه الصناديق في الخارج، إلا أنهم في لبنان «صناديق كاسرة» باتت تملك غالبية من شرائح سندات اليوروبوندز، بالتالي لديها قدرة ضغط ابتزازية عليا.


الصناديق الكاسرة، هي صناديق استثمارية يتركّز عملها في الاستثمار بالديون المتعثّرة. سواء كانت هذه الديون تابعة لشركات تمرّ في أزمات تعثّر مالي (insolvency)، أو ديون سيادية تابعة لدول تمرّ في أزمات مالية تحول بينها وبين دفع الالتزامات التي ترتبها عليها هذه الديون. يكون السعر السوقي لهذا النوع من الديون، أي الديون المتعثّرة، أقل بكثير من السعر الاسمي (face value). ويعود ذلك إلى ارتفاع احتمالات عدم السداد. فكلّما ارتفعت هذه الاحتمالات، كلما حاول حاملو الديون (أو السندات) التخلّص منها، بالتالي ينهار سعرها السوقي وربما يصل إلى بضعة سنتات لكل دولار من القيمة الاسمية. أما الصناديق، فهي تستغل هذا الانخفاض الكبير في الأسعار وتشتري السندات ببضعة قروش آملة في تحصيل سنتات إضافية فوق استثمارها من خلال الضغط القضائي والابتزازي الذي تمارسه على مُصدري الديون.
وفي حال حصلت هذه الصناديق على مرادها تكون قد حقّقت أرباحاً خيالية على استثماراتها، قد تصل إلى أكثر من 2000%. فبشكل عام تكون قد اشترت سندات بسنتات قليلة مقابل كل دولار من القيمة الاسمية وحصّلت القيمة الاسمية كاملة. فحتى لو أخذت هذه العملية الكثير من الوقت (قد يصل إلى 15 أو 20 سنة)، يبقى هذا الربح الهائل يمثّل عائدات جديرة بالاستثمار. فإذا افترضنا أن العملية أخذت 15 سنة، وبلغت عائداتها 1000%، هذا يعني أن العائدات السنوية لهذه العملية تبلغ 67%. يمكن مقارنة هذه الربحية مع هوامش تحققها الصناديق من عمليات استثمار في غير الديون، إذ يتراوح معدّل عائدات هذه الصناديق السنوية ما بين 10% و12%. هذا الفرق الشاسع في الأرباح يبرّر تحوّل الصناديق لتصبح «كاسرة» رغم المخاطر، وهو ما يفسّر تزايد عدد هذه الصناديق في العقود الأخيرة، فبحسب تقرير لشركة Perqin، في عام 1990 حملت الصناديق التي تستثمر في الديون المتعثّرة أقل من مليار دولار في الأصول التي تمتلكها، أما الآن فهي تحمل ما قيمته مئات مليارات الدولارات.

التركيز على الديون السيادية
في التسعينيات بدأت الصناديق الكاسرة تركّز عملها على الديون السيادية. تزامن ذلك مع رواج سندات برادي (Brady Bonds). فبعد الحرب العالمية الثانية، ولغاية منتصف السبعينيات، اقتصرت ديون الدول على اتفاقات الدين الثنائية. يومها بدأت المصارف التجارية تلعب دور «الدائن الخاصّ» ظنّاً منها أن الدول الصناعية ستضمن ديون الدول النامية، فلم تعد تنظر إلى مخاطر التصنيف الائتماني. وفي منتصف الثمانينيات، انفجرت أزمة المكسيك التي تلتها العديد من أزمات الديون السيادية في الدول النامية ولا سيما في أميركا اللاتينية. يومها اقترح وزير الخزانة الأميركي نيكولاس برادي في عام 1995 تحويل الديون بالدولار إلى سندات مقوّمة بالدولار مدعومة من وزارة الخزانة الأميركية يمكن تداولها في الأسواق الثانوية ما فتح الباب أمام الصناديق للاستثمار في الديون المتعثّرة.
في سبيل تحصيل أفضل سعر من الدين المتعثّر، تستخدم الصناديق ضغطاً قانونياً هائلاً على الدول المقترضة للحصول على مبتغاها مقابل إعتاقها من الملاحقة أمام القضاء الدولي. وبحسب ستراتو كامينس، في دراسة بعنوان «الصناديق الكاسرة وسوق الديون السيادية: دروس من الأرجنتين واليونان»، يمكن اختصار ورقة الضغط التي تمارسها هذه الصناديق في بند الـ«باري باسو» والضغط السياسي. يمكن اختصار الضغوط بالآتي:
- «باري باسو»: هذا البند موجود في معظم عقود الدين. تستغلّ الصناديق الكاسرة عدم وضوحه، لإعاقة عمليات إعادة الهيكلة التي تقوم بالاتفاق بين الدول المدينة ودائنيها. فيقول هذا البند بتساوي المعاملة بين جميع حاملي سندات الدين، غير المدعومة، في حالات الإفلاس. إذ إنه يشكّل دعماً للأطراف الدائنين في حال حصول تفاضلية/محسوبية في عملية الدفع في حالة الإفلاس (أي الدفع لأطراف معينين من دون أطراف آخرين). وفي حال حصلت عملية إعادة هيكلة، يمنع هذا البند الدفع للأطراف التي تم الاتفاق معها من دون الدفع للأطراف التي لا تقبل بالاتفاق. وتستخدم الصناديق هذا البند لمحاولة أخذ كامل القيمة الاسمية للديون التي تم الاتفاق على إعادة هيكلتها.
-القضاء: هو القناة الأساسية التي ترتكز عليها الصناديق للضغط على الدول وفرض عملية السداد عليها. ورغم أن مبدأ سيادة الدولة وحصانتها تعدّ عائقاً أمام إصدار أحكام قضائية ضدّ الدول، إلا أن أول سابقة لحكم في مصلحة دائن خاص مقابل دولة سيادية أتى في عام 1981 في محاكمة بنك Allied الأميركي لدولة كوستا ريكا التي حكم عليها بوجوب تسديد الدين للبنك رغم إتمام عملية إعادة هيكلة الدين. وبحلول منتصف التسعينيات، فازت الصناديق الكاسرة بعدد كافٍ من الأحكام القضائية، لإثبات صحّة حقّها في اللجوء إلى القضاء رسمياً في حالات عدم الدفع.
«الصناديق الكاسرة» هي صناديق استثمارية يتركّز عملها في الاستثمار بالديون المتعثّرة ولا سيما ديون الدول النامية


- استعمال مجموعات الضغط: تتكامل عملية استخدام ضغط الـlobbies السياسي مع المقاضاة. تستغلّ الصناديق علاقاتها مع مجموعات الضغط السياسية في الدول الكبرى، أو ما يعرف بالـlobbies، للضغط في اتجاه إصدار قرارات ضد الدول المدينة. أبرز مثال على هذا الأمر، تشير إليه ورقة كامينس، وهو تقديم عضو الكونغرس الديموقراطي إيرك ماسا، في عام 2009، مشروع قانون لمعاقبة الأرجنتين على عدم سدادها للديون التي كانت الصناديق الكاسرة قد اشترتها من الأسواق الثانوية. وكان الهدف الأساسي من هذا القانون تقويض دخول الأرجنتين إلى الأسواق المالية الأميركية. وكانت لإيرك ماسا علاقة وطيدة مع مجموعة الضغط ATFA، التي كانت تهدف لممارسة الضغط على الإدارة الأميركية من أجل فرض مفاوضات بين الأرجنتين والصناديق تكون نتائجها في مصلحة الأطراف الأميركية.

مواجهة الصناديق الكاسرة
الأساليب العدائية للصناديق راكمت اعتراضات واسعة، ما ولّد اتجاهاً عاماً في سياق البحث عن طريقة للحدّ من الأضرار. برزت اقتراحات بفرض ضرائب خاصّة، والعودة إلى قوانين الحصانة السيادية المطلقة، ووضع بنود واضحة في عقود الدين تمنع الأطراف من معارضة عمليات إعادة الهيكلة إذا تم الاتفاق عليها مع أطراف آخرين، بالإضافة إلى وضع قوانين وطنية ضد الصناديق الكاسرة. بلجيكا أصدرت قانوناً في 2015 ينصّ على أن الأصول السيادية غير قابلة للمسّ، وأن الدائن يسقط حقّه في أخذ إجراءات قانونية ضد المدين إلا وفق مفهوم «الأفضليّة غير الشرعية». وتتحقق هذه الأفضلية، بحسب القانون نفسه، في حال اشترى الدائن السند بسعر سوقي أقل بكثير من السعر الاسمي، بالإضافة إلى تحقّق شرط أو أكثر من الشروط التالية:
- أن تعاني الدولة المدينة من تعثّر مالي.
- أن يكون الدائن شركة مدرجة في بلد يعتبر «ملاذاً ضريبياً».
- أن يكون المدين قد أكمل عملية إعادة هيكلة للدين.
- في حال كان تطبيق الحكم الذي يساند الدائن سينعكس سلباً على الأوضاع المالية والاقتصادية للدولة المدينة.
وفي حال تحقق أي شرط من هذه الشروط السابقة، بالإضافة إلى شرط شراء السند بسعر سوقي أقل بكثير من السعر الاسمي، يعتبر القانون أن الدائن لديه «أفضلية غير شرعية»، وعليه يمنعه قانونياً من ملاحقة الدولة المدينة. لكن لتصبح هذه القوانين فعالة يجب أن تقرّها جميع الدّول.