عبر قرارَيه الأخيرين، أعاد مصرف لبنان الحيوية إلى النقاش السياسي - الاقتصادي بعد أسابيع طويلة من الركود والمراوحة. لم يخف نيته التوقّف عن تمويل الدعم كلّياً، إلا أنه توقّف عمليّاً عن التمويل بالتزامن مع إصدار تعميم ينظّم إعطاء المودعين بعض أموالهم المحتجزة في المصارف. تبعات هذين القرارين تصيب مباشرة عموم اللبنانيين والمودعين، وتجدّد إحياء النقاش حول توزيع الخسائر على الأطراف المختلفة في الحياة الاقتصادية اللبنانية.


أنجل بوليغان ــ المكسيك

نهاية المخطّط
الأزمة اللبنانية، في لبّها، هي أزمة مديونية مصرف لبنان والخسائر اللاحقة بموازنته بسبب تمويل الإنفاق اللبناني كلّه على مدى العقود الثلاثة الماضية - من خلال دعم سعر صرف مرتفع لليرة اللبنانية. من الضروري إعادة التذكير أن مصرف لبنان موّل إنفاق كل المقيمين في لبنان وليس فقط الإنفاق الحكومي، وموّله من خلال استدانة أموال المودعين، بالعملات الصعبة، من المصارف اللبنانية وإعادة ضخّها في الأسواق لتثبيت سعر الصرف. لكن تحميل وزر الخسائر، المتأتية عن هذه العملية، لعموم اللبنانيين وكذلك للمودعين (بالأخص أصحاب الودائع الصغيرة) هو الظلم عينه. إذ لا مسؤولية عليهم في عملية اتخاذ القرارات في مصرف لبنان - الذي قرّر دعم سعر صرف مرتفع واستدان من المصارف - أو في المصارف اللبنانية - التي قرّرت إقراض مصرف لبنان. فإذا قسّمنا تفاعلات الأزمة الاقتصادية - المالية اللبنانية إلى حلقات مترابطة، فستكون علاقة عموم اللبنانيين وصغار المودعين بالأزمة هي من خلال تفاعلهم مع المصارف اللبنانية، وبالتالي يمثّلون الطرف الأضعف في هذه الحلقة. وعلى هذا الأساس لا يمكن حلّ أزمة المصارف - أي تبديدها لودائع الطرف الأضعف - من خلال تدفيع عموم اللبنانيين الثمن عبر ضخّ المزيد من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية إلى الأسواق. مسار كهذا، سيؤدي إلى انخفاض إضافي في سعر الليرة، وينتهي الأمر بأن مصرف لبنان قرّر تحميل عموم اللبنانيين الجزء الأكبر من الخسائر، عبر تذويب خسائر المصارف اللبنانية - وخسائره أيضاً- من خلال خفض سعر صرف الليرة اللبنانية.
إذا وضعنا النقاش في هذا الإطار، يجب أن نحصر علاقة عموم اللبنانيين - ولا سيما صغار المودعين - مع الأزمة في نطاقها الحقيقيّ والعادل؛ أي مع المصارف اللبنانية حصراً، وليس مع سوق الصرف أو مجريات الدعم أو حتى مع تعميمات مصرف لبنان. فلا شأن لعموم البنانيين بعملية اتخاذ القرارات داخل مجالس إدارات هذه المصارف، ولا شأن لهم كيف بدّدت عشرات مليارات الدولارات - فالتقديرات العلمية تتحدّث عن فجوة في الحسابات (أي خسائر) تُراوح بين 70 مليار دولار و90 مليار دولار أميركي. وقرارات مجالس إدارات وأصحاب المصارف اللبنانية هي مكمن المشكلة الحقيقية في ما يخصّ عموم اللبنانيين، وبداية طريق المحاسبة والحل بالنسبة إليهم أيضاً. فالمصارف دخلت طوعاً في تمويل مخطّط هرميّ احتيالي (Ponzi scheme)، منذ بداية التسعينيات، تحت عنوان إقراض الدولة وإقراض مصرف لبنان. ولا مجال للشّك في أن مجالس إداراتها كانت تعلم ماهيّة ما كان يطرحه مصرف لبنان ومآلاته النهائية، ولكنّها مع ذلك قررت، وعلى مراحل، تمويله. ولا يمكن فهم دوافع المصارف للإقدام على هذا الأمر إلا من خلال عاملين: الخوف والطمع.

تغيّر البيئة
حين نتحدث عن القطاع المصرفي اللبناني، فنحن نتحدث عن واحد من أعرق القطاعات المصرفية في المنطقة، فإذاً، الخوف من ماذا؟ ولماذا الطمع؟
للإجابة على هذين السؤالين لا بدّ من الإضاءة على التغيير الذي طاول بيئة القطاع المصرفي اللبناني بعد بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وخصوصاً في النصف الثاني من الثمانينيات. هذه البيئة الجديدة في القطاع المصرفي اللبناني كانت مهيّأة بشكل مثالي للعب الدور الذي أدّته فعلاً لاحقاً، أي تمويل المخطّط الاحتيالي. والتغيير الأساسي الذي حصل في البيئة المصرفية كان تغيّر الفئات المهيمنة على مجمل ملكيات المصارف.
ففي نهاية السبعينيات، ظهرت طبقة جديدة من رجال الأعمال والمقاولين اللبنانيين التي حقّقت أرباحاً كبيرة في الخليج (بالأخص في السعودية)، وبدأت تدخل سوق الأعمال والمال اللبنانية. وبالتدريج بدأت هذه الطبقة تستبدل طبقة العائلات البرجوازية التي كانت تحتكر العمل المصرفي قبل عام 1975، بحسب هانس باومان. كان رفيق الحريري جزءاً من هذه الطبقة الجديدة التي لم تشمل المهاجرين إلى الخليج فقط، بل شملت رجال أعمال مقربين من الميليشيات التي اخترقت القطاع وبدأت تسيطر على جزء منه. ومع حلول نهاية الحرب كانت طبقة العائلات البرجوازية القديمة قد خسرت هيمنتها على القطاع.
قيمة الأصول والعمليات المالية التي هندسها مصرف لبنان وأرباح المصارف المتأتّية عنها كانت كبيرة إلى درجة أن حساسية المصارف على مراكمة الخسائر تقلّصت


ولكن ما الذي اختلف مع اختلاف الجهات المهيمنة على مجمل ملكية القطاع؟
قبل الحرب الأهلية اللبنانية، كان القطاع المصرفي اللبناني يلعب دور الوسيط بين رأس المال الخليجي والغرب، بهدف تمويل الاستهلاك الخليجي، كما يشير سليم نصر. فكان تطوير القطاع المالي - المصرفي اللبناني إحدى أهم الوسائل لسيطرة الرأسمالية الغربية على الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط. لذا كان جزءٌ معتبرٌ من ملكيات القطاع المصرفي اللبناني أجنبياً، سواء مباشرة أو مواربة. وعمل هذا القطاع، تحت مظلة إدارات لبنانية ولكن من خلال هيمنة رأس المال التمويلي الغربي. يقول نصر إن حصّة رأس المال المحلي من العمليات المصرفيّة في عام 1974 كانت 15% فقط، أي أن الغرب كان يهيمن على القطاع.
كان هذا القطاع يعمل، ضمن ضوابط إدارة الأصول، بشكل يسعى إلى تأمين سيولة عالية - الودائع لدى المصارف المراسلة الأجنبية - في ما قد يصحّ بالسلوك المصرفي الحكيم والمتحفّظ، على حدّ تعبير توفيق كاسبار. إلا أن القطاع لم يلعب أي دور ريادي في الاقتصاد اللبناني وتحفيز نموّه.
ولكن المصارف الغربية سارعت إلى الخروج من السوق المالية اللبنانية مع بداية الحرب الأهلية في عام 1975، ومع انحسار هيمنة طبقة العائلات البرجوازية التقليدية على القطاع، اختلف أداؤه بشكل جذري. فمع انتصاف عقد الثمانينيات تحوّل انتباه القطاع المصرفي إلى الداخل اللبناني، وبدأ يركّز جهوده على مراكمة الأرباح من خلال العمل في السوق المالية المحليّة. وفي ظلّ الحرب، أسهل طرق تحقيق الأرباح كانت المضاربة على العملة الوطنية، ولا سيما أن المصارف كانت مثقلة بالقروض المعدومة. وبحسب كاسبار، فإن المصارف استخدمت القروض لخلق السيولة بالليرة بهدف شراء الدولار الأميركي. وبما أن انخفاض سعر صرف الليرة في حينه كان رهاناً آمناً في ظل سياسات أمين الجميل، كان يمكن تحقيق الأرباح عن طريق بيع الأصول بالعملات الأجنبية وسداد القرض الأصلي. وفي المقابل، كان المصرف المركزي يوفّر الدولارات لهذه المضاربة من خلال تدخله في سوق الصرف الأجنبي. ويضيف كاسبار أن المنتفعين من هذه العملية من المصرفيين شكّلوا كارتيلاً يقود عمليات المضاربة على الليرة اللبنانية.

السلوك والمسؤولية
بحلول بداية التسعينيات كانت هذه الطبقة الجديدة المهيمنة على القطاع المصرفي واضحة التوجّه والسياسات المصرفية والمالية، لكنّها كانت حديثة العهد في الهيمنة على القطاع. ورغم أنّ هذه الطبقة كانت مدعومة برأس المال السعودي، كما يقول باومان ونجيب حوراني، ومحميّة من قبل ممثله في لبنان- أي رفيق الحريري- إلاّ أنّ هذه الهيمنة كانت معرّضة للاهتزاز بسبب حداثتها وارتباطها بالدور السعودي. وبناءً على هذا العرض يصبح ممكناً استعمال عناصر الاقتصاد السلوكي لتفسير قرارات الطبقة الجديدة المهيمنة على القطاع المصرفي، ممثلة بمجالس إدارات المصارف.
عنصر تجنّب الخسارة (Loss aversion) هو أوّل العناصر المؤثّرة. وتجنّب الخسارة، في النماذج الرياضية التي تحكم الاقتصاد السلوكي، يُعنى بميل الأفراد إلى تجنّب الخسائر حتى ولو على حساب تحقيق المكاسب. فبحسب النظرية الاحتمالية (ضمن الاقتصاد السلوكي) الأفراد يميلون دائماً إلى تفضيل تجنّب الخسارة على تحقيق الربح، حتى وإن كانت الاحتمالات متساوية. عندها تصبح قرارات المصارف اللبنانية منطقية، فالخسارة لم تكن عبارة عن خسارات مالية تطاول أرباحها، فمصرف لبنان ضمن الأرباح المالية والحرية في تحويلها إلى الخارج. وبذلك تصبح الخسارة هنا هي خسارة الحصة الحديثة الاكتساب في القطاع بالنسبة إلى مصارف أخرى على استعداد لدخول مخطط مصرف لبنان الهرمي، والربح هو الحفاظ على ملاءة المصرف وقدرته على القيام بعمل مصرفيّ سليم حين تنتهي لعبة مصرف لبنان. وهنا كان الخوف يصيب طبقة مصرفية خشية من خسارة حصّة من القطاع، كانت هيمنت عليها حديثاً.
هذه الأرباح الفاحشة، التي أمّنها مصرف لبنان، هي مدخل العنصر الثاني من الاقتصاد السلوكي الذي يشرح قرارات المصارف، وهو «تضاؤل الحساسية» (diminishing sensitivity). إذ تصبح الأطراف الاقتصادية الفاعلة أقلّ حساسية بالنسبة إلى التغيّرات في الثروة كلّما ارتفعت قيمة المبالغ المأخوذة في الاعتبار. فكلّما كبرت قيمة المبلغ المعني تقلّ حساسية الفرد على الخسارة أو الربح. وهكذا سلوك يفسّر انسياق المصارف لمراكمة خسائر كبيرة في الأموال المعهودة إليها (أي الودائع) رغم أن القيمة المطلقة للخسائر يجب أن تشكّل تحذيراً من الاستمرار في الاستثمارات عينها، في هذه الحالة المقصود هو الاستثمار في مخطّط مصرف لبنان الهرميّ. فقيمة الأصول والعمليات المالية التي هندسها مصرف لبنان، وأرباح المصارف المتأتية عنها كانت كبيرة إلى حدّ، تتضاءل معه حساسية المصارف على مراكمة الخسائر. فلا تنظر مجالس إدارات المصارف، وأصحابها إلى الخسائر المالية المتراكمة في حسابات مصرف لبنان وانعكاسها على الودائع التي أقرضتها للمصرف. هنا كان الطمع هو العامل الثاني، طمع طبقة كوّنت رؤوس أموالها في ظلّ طفرة نفطية لم تتكرر. وكما يقول باومان، كان هاجس هذه الطبقة تأمين موضع قدم لها في سوق غير الأسواق الخليجية، يضمن للمنتمين إلى هذه الطبقة أرباحاً تعفيهم من تقلّبات أسواق الخليج التي عاشوا تبعاتها في السبعينيات والثمانينيات. ومع مجيء رفيق الحريري إلى الحكم، كان لبنان هو السوق الذي أشبع أطماع من اعتاد على الأرباح الريعية في خليج السبعينيات. فكان أن أصبح لبنان جمهورية مصارف الخوف والطمع. واليوم في ظل نهاية هذه الجمهورية، يحقّ لعموم اللبنانيين المطالبة بألا يطاولهم توزيع الخسائر بشكل موسّع، وأن تتحمّل طبقة أصحاب المصارف الجزء الأكبر من الخسائر بسبب سلوكهم المسؤول عن جزء كبير من الأزمة الحالية، حتى ولو كان الثمن خسارتهم حصصهم من القطاع.

المراجع المستعملة في النص:
«المواطن الحريري: إعادة إعمار لبنان النيوليبرالية»، هانس باومان
«أزمة الرأسمالية اللبنانية»، سليم نصر
«اقتصاد لبنان السياسي: 1948-2002»، توفيق كسبار
«رأسماليون في نزاع»، نجيب حوراني