من نافل القول، إن كلّ المصارف اللبنانية معسّرة. الإعسار هو عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية تجاه الزبائن. وكل الكلام الذي يراد منه التعمية على هذا الواقع أصبح ممجوجاً وموضع سخرية. وبالفعل أول من اعترف بهذا الواقع في آذار من العام الماضي كانت الحكومة المستقيلة، عبر خطة التعافي المالي، التي أسقطتها بعض المرجعيات السياسية بالتعاون مع القطاع المصرفي اللبنانيّ ومصرف لبنان. وما طُرح في الخطة الحكومية في حينه - أي دمج وإعادة هيكلة بعض المصارف وتأسيس مصارف جديدة - هو الطريق الوحيد لإعادة إحياء القطاع المصرفي بشكله الحالي. علماً بأن هذه الإجراءات لم تكن غير علمية أو غير مهنية، بل أتت ضمن الحزمة التقليدية لمعالجة الأزمات المالية التي تعصف بالأنظمة المصرفية في أيّ مكان في العالم. لا بل يمكن القول بأن ما طُرح في الخطة كان شديد المراعاة لمصالح أصحاب المصارف ورؤوس الأموال الكبيرة. فإذاً لماذا أُسقطت الخطة؟ وهل يتأمل من أسقطها بحلول أكثر مراعاة لمصالحه من هذه الخطة؟


قطاع مالي مستقلّ؟
لا يمكن فهم وتحليل سلوك القطاع المصرفي اللبناني والمؤسّسات الرسمية الناظمة له، بمعزل عن العلاقة التاريخية التي تربطها بأسواق المال الغربية. فهذه العلاقة تتخطّى علاقة قطاع مصرفي برأس مال يتدفق فيضخّم حجم القطاع. العلاقة بين القطاع المصرفي اللبناني ورأس المال الغربي (الفرنسي أولاً والأميركي لاحقاً) هي علاقة تأسيسية. فرأس المال الفرنسي، بإدارة فرنسية رسمية، لعب دوراً تأسيسياً في القطاع المصرفي اللبناني، ولعب دوراً إدارياً في السياسات المالية للدولة البنانية حتى منتصف الخمسينيات.
فالناظم الأساسي للقطاع المصرفي اللبناني، وصاحب الحصة الكبرى فيه، إبان الانتداب الفرنسي كان مصرف سوريا ولبنان (BSL) الذي تأسس عام 1919 برأس مال فرنسي. والواقع أن BSL أُنشئ كشأن فرنسي خالص، وحصل على تفويض لطباعة العملة في لبنان وسوريا لمدة عشرين عاماً، عن طريق اتفاق بينه وبين وزارة المالية وبموافقة وزارة الخارجية الفرنسيتين. كما أنّه كان خاضعاً للقوانين الفرنسية في كلّ تعاملاته. بالإضافة إلى أن سلطات الانتداب الفرنسية ساهمت في تعزيز موقع BSL السوقي واستعملته لإنفاذ سياساتها المالية في لبنان، كسياسات تثبيت سعر الصرف والتحكم بأسعار الفائدة وتحويل رؤوس الأموال اللبنانية والسورية للاستثمار في سندات الخزينة الفرنسية*. بكل بساطة يمكن توصيف القطاع المصرفي والسياسات المالية اللبنانية كجزء من المجال المالي الفرنسي.
وقد تحوّلت وجهة تبعية النظام المالي اللبناني من فرنسا إلى الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات، مع بدء ظهور تأثيرات تطبيق نظام بريتون وودز الذي ربط عملات العالم بالدولار الأميركي. ومن المعلوم أن منتصف الخمسينيات حملت معها ورود رؤوس الأموال الأميركية إلى لبنان للاستثمار في القطاع المصرفي، لكن رافق هذا التدفق المالي بدايات التدخل الأميركي في جهود تنظيم القطاع وفي صياغة تركيبته. وبدأت المشاريع التنموية التي تمولها الولايات المتحدة تدخل البلاد منذ عام 1952، ووصل النفوذ السياسي للولايات المتحدة إلى ذروته في تلك الفترة عام 1958- بالتدخل العسكري في مجرى الاقتتال الأهلي. وأولى إشارات التدخل الأميركي في إدارة القطاع المالي في لبنان كانت من خلال تقرير صندوق النقد الدولي، الذي أوصى بإنشاء مجلس للنقد. وأكملت مهمة المناداة بتنظيم القطاع المالي مجموعة من الأكاديميين المرتبطين بشكل مباشر بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث تمحورت الدعوات حول تأسيس مصرف مركزي ينظّم عمل القطاع*. فإذاً نحن أمام قطاع مالي مرتبط بشكل تأسيسي بالأسواق المالية الغربية، لا يمارس استقلالية في إدارة سياساته المالية، بل يخضع القيّمون عليه لرغبات فرنسا بدايةً والولايات المتحدة في ما بعد.

معالج الأزمات: طبيب أميركي
يظهر هذا الارتباط وهذه التبعية جليّيْن من خلال الأدوار التي لعبتها الولايات المتحدة في إدارة أزمات القطاع المالي اللبناني. فمنذ أول هزة حقيقية للقطاع، ظهر الدور الأميركي في إدارة سياسات القطاع المصرفي بشكل واضح من خلال إدارة عملية تصفية بنك انترا (عام 1966). أدار هذه العملية روجيه تمرز، الذي كان في حينه موظفاً في شركة الاستشارات المالية الأميركية «كيدر بيبودي». ومثّل تمرز ظاهرة التنسيق الحميم للسياسة الخارجية الأميركية بين الحكومة الأميركية والوكلاء الأقوياء لرأس المال الأميركي، أي المصارف وشركات الاستثمار الأميركية*. وكانت نتيجة عمل تمرز إعادة تنظيم بنك إنترا من خلال تحويل كبار الدائنين إلى مساهمين في شركة قابضة، بدلاً من عملية استحواذ تقليدية يتحمل بموجبها المالك الجديد التزامات ديون البنك المفلس. رأى الكثير من المعنيين المباشرين بوقتها في العملية تخلّصاً تامّاً من النفوذ الفرنسي في القطاع المصرفي واستبداله بالنفوذ الأميركي*.
وظهر الدور الأميركي في القطاع المصرفي مجدّداً في عام 1989، في مواجهة الانهيار المحتمل للقطاع المصرفي بأكمله. ففي شهر كانون الثاني من ذلك العام، راسل إدمون نعيم (حاكم مصرف لبنان في حينه ) المصارف المركزية حول العالم ليعلن أن بنك المشرق (المملوك من روجيه تمرز) يواجه مشكلة سيولة، وأنّ مصرف لبنان المركزي لن يضمن الودائع والمطلوبات الأجنبية في ذلك البنك. وتحولت هذه المراسلة إلى ما يشبه كرة ثلج أدّت إلى انهيار مجموعة من المصارف المرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر ببنك المشرق بالإضافة إلى بنك MEBCO. وأنقذ نعيم ما تبقى من القطاع عبر خطة إنقاذ (Bailout) ضخمة - غير معروفة الحجم إلى اليوم- بالتشاور مع الولايات المتحدة الأميركية**.

لا يزال حاكم مصرف لبنان، كمتصدّر لجهود إفشال الاستعانة بصندوق النقد الدولي، يتمتع بحماية ودعم أميركيين واضحيْن رغم كل ما يُثار حوله من قضايا فساد في الخارج


أمّا في الأزمة المالية التي عصفت بلبنان عام 2001 - حين وصل احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة إلى أقل من مليار ونصف مليار دولار - فكان الدور الأميركي المباشر أكثر تمويهاً ومرّ عبر مجموعة من الدول الحليفة للولايات المتحدة. ففي مؤتمر باريس 2 قدّمت دول الخليج وفرنسا والاتحاد الأوروبي مليارين ونصف مليار دولار من القروض الميسّرة، ولكن الإشراف الأميركي كان واضحاً من خلال مشاركة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المؤتمر ومباركتهما له. وفي المقابل التزمت المصارف اللبنانية بشراء ما قيمته مليارا دولار من سندات اليوروبوندز بسعر فائدة صفرية كمساهمة منها في التخفيف من الأزمة المالية***. وهذا الإجراء الأخير يُعتبر بمثابة هيركات على سندات اليوروبوندز، التي كانت قد اشترتها المصارف سابقاً. ورغم أن لبنان تلقّى المزيد من القروض عبر مؤتمر باريس 3، ومجدّداً تحت إشراف صندوق النقد (بإصرار أميركي هذه المرة)، إلاّ أنه لم يُطلب من المصارف أي إجراء شبيه.
وهذه النقطة بالذات تُعدّ مؤشراً على مدى ارتباط المصارف اللبنانية وطواعيتها للرغبات الأميركية، فما قدّمته في عام 2002 رفضت أن تقدّمه في الأزمة الحالية، وما قبل به النظام المالي اللبناني، بشقيْه الرسمي (مصرف لبنان) والخاص، من إشراف لصندوق النقد على معالجة أزمته (في باريس 2 و3) رفضه اليوم. بينما لا يزال حاكم مصرف لبنان، كمتصدر لجهود إفشال الاستعانة بصندوق النقد الدولي، يتمتع بحماية ودعم أميركيين واضحين رغم كل ما يُثار حوله من قضايا فساد في الخارج. هذا ما يدفع إلى الاستنتاج بأن الإدارة الأميركية للأزمة الحالية لم تنضج بعد، أو أنّ الولايات المتحدة لا ترى ضرورة لإنقاذ القطاع المالي اللبناني في الوقت الراهن.

وشاة وعقوبات لكن ألا يبدو هذا الكلام مجحفاً؟
بصراحة، المسار التأسيسي والتاريخي للقطاع المالي اللبناني هو مسار ينضح ارتهاناً للأسواق المالية المهيمنة وللدول التي تديرها. وكل مسارات معالجة الأزمات الكبيرة في القطاع المالي كانت تمرّ عبر الولايات المتحدة وتحت إشرافها، ولا يمكن أن نستبعد أنّه في لحظة من اللحظات حصل رياض سلامة على ختم الموافقة الأميركية على هندساته المالية وحتى على مسار إدارته للأزمة الحالية. وبينما يغرق اللبنانيون في نقاشات يومية حول إدارة رياض سلامة للأزمة وخطواته الكارثية، لا يزال السؤال الأهم خارج إطار النقاش: هل تريد الولايات المتحدة أن تتدخل لحلّ الأزمة الحالية؟ وإن أرادت هذا فعلاً، هل ما زالت الفرصة سانحة أمامها لتأمين ما هو لازم لترميم القطاع المالي أم أن هذا القطاع تجاوز نقطة اللاعودة؟
الإجابة على السؤال الثاني صعبة ولا يمكن تحديدها إلا بعد أن تتوضح الأرقام التي تعبّر عن الوضع الحقيقي للقطاع المالي، حيث لا يمكن الاعتماد على تلك التي يصنّعها القيّمون على مصرف لبنان والمصارف. أمّا الإجابة على السؤال الأول فهي: إلى الآن لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في التدخل لحلّ الأزمة اللبنانية. والدليل على ذلك موجود في مذكّرة أعدّها ايمانويل اوتولينغي وطوني بدران، لمصلحة منظمة الدفاع عن الديمقراطيات، بعنوان «القرض الحسن والنظام المصرفي اللبناني»، وصدرت في 11 أيار الماضي بالتزامن مع صدور العقوبات الأميركية على سبعة لبنانيين. فيظهر جلياً في خاتمتها، التسليم بأن الولايات المتحدة هي المتحكمة بمسار علاج الأزمة، حيث يظن المؤلفان أنه في النهاية ستوصي الولايات المتحدة بإصلاح النظام المصرفي، عبر عمليات دمج لبعض المصارف والاستحواذ على البعض الآخر، حيث في كلتا الحالتين، من السهل الافتراض أن بعض البنوك ستختفي. بما يعني أن هناك تسليماً بأن الحل لا بدّ أن يأتي بإشارة وإدارة أميركيتين، وأن هذه الإشارة لم تأت بعد. ويدعو الكاتبان إلى إدارة هذه العملية عبر استعمال الولايات المتحدة الوثائق التي بين يديها (عن علاقات المصارف بمؤسسة القرض الحسن) لتحديد المصارف التي لا يجب إنقاذها، حيث «يجب أن تكون العلاقات بين المصارف اللبنانية وحزب الله عاملاً رئيسياً تجب مراعاته عندما يبدأ الإصلاح الاقتصادي في لبنان». علماً بأن المذكرة تعدّد المصارف التي تتهمها بالتعامل مع مؤسسة القرض الحسن، فيمارس مؤلّفاها دور الواشي والمحرّض عند الولايات المتحدة.
أمّا السؤال عن نقطة اللاعودة فيمكن أن تكون الإجابة عليه من خلال تحليل إصرار الولايات المتحدة على فرض العقوبات على شخصيات مرتبطة بمؤسسة القرض الحسن، رغم تأكدها من عدم ولوج المؤسسة إلى النظام المصرفي اللبناني (يكفي الاطلاع على الأدلة التي تسوقها السلطات الأميركية لتبيان كم هي هشّة ومضحكة). فقد أصبحت هذه العقوبات فقط بمثابة حملات تشهيرية دورية، وكأن الهدف منها إخافة اللبنانيين من إيداع أموالهم في هذه المؤسسة في لحظة فقدوا فيها الثقة بالنظام المصرفي الذي لا تريد أن تنقذه الولايات المتحدة.

* «دولة المصارف: تاريخ لبنان المالي»، هشام صفي الدين
** «صراع رأسماليين: إعادة النظر في الحرب الأهلية»، نجيب حوراني
*** «المساعدات الخارجية والتنمية الاقتصادية في لبنان ما بعد الحرب»، غسان ديبة



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام