ثمّة مساران للانهيار الحاصل: التعامل معه مباشرة في العمق، أو الهروب منه والتعامل مع النتائج. حالياً، قوى السلطة تصرّ على تجاوز الانهيار والتعامل مع نتائج خلقتها هي. كأنّ الانهيار ليس حاصلاً. كأنّ التداعيات التي نعيشها جاءت بالصدفة. حديث قوى السلطة، بأدواتها المباشرة أو أدواتها «المقنّعة»، يتركّز على إشكالية الاستمرار بالدعم أو ترشيده في مقابل مدى كفاية موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية باعتبارها أموالاً للمودعين. كذبة سمجة تمتهنها قوى السلطة. فما يشار إليها باعتبارها «احتياطات الزامية بالعملات الأجنبية» هي أموال لا ترتبط مطلقاً بالودائع، بل تُستعمل حصراً في الاستقرار النقدي والنموّ الاقتصادي. هذا ما نصّ عليه قانون النقد والتسليف في مادته الـ76، وقد فصّلته رئيسة قسم القانون الخاص في الجامعة اللبنانية، سابين الكك. هي رسمت الخطوط القانونية الأساسية للتعامل مع مسألة المودعين انطلاقاً من الإشكالية الأساسية المتصلة بفقدان السيولة لدى المصارف. هذا ما كان على نقابة المحامين أن تقوم به.

لكنّ المشكلة لا تكمن في النقابة حصراً، بل في سلوك أدوات السلطة المباشرة الذي يشي بأن الانهيار مستمرّ لسنوات طويلة. ففي وزارة الصناعة، بالتعاون مع مصرف لبنان ومع الصناعيين، هناك سعي لإقرار آلية بعنوان «استعادة أموال التصدير بالعملة الأجنبية». هي آلية بوليسية مثلها مثل الآليات السابقة التي أقرّها مصرف لبنان للتعامل مع الصرّافين، أو المصارف، من أجل كبح انهيار سعر صرف الليرة واستعادة الدولارات المحوّلة إلى الخارج. آليات من هذا النوع مبنية على استمرار انهيار سعر الصرف مع طغيان تعددية أسعار تُراوح بين 1507.5 ليرات لكل دولار، وبين السعر السوقي المفتوح الذي يبلغ حالياً 12 ألف ليرة، واستبقاء المصارف المفلسة على قيد الحياة كـ«الزومبي». بمعنى آخر، تتجاهل هذه الآلية أصل المشكلة الكامن في انفجار النموذج الاقتصادي وتحقّق خسائر تفوق 80 مليار دولار في النظام المصرفي، وتخصّص حراساً يفرضون على المصدّرين إعادة الناتج من مبيعاتهم للخارج، إلى لبنان. لوهلة يمكن الظنّ بأن الثقة بالنظام المصرفي بشقَّيه: المصارف ومصرف لبنان، لا حدود لها. في الواقع، الثقة تدمّرت بالنظام المصرفي. أما إجبار أصحاب الرساميل الصناعيين والزراعيين - التجار، رغم كون غالبيتهم محتكرين وجشعين ومنافقين، فلا يلغي حقيقة أن هذه الآلية ستعزّز رغباتهم في التهرّب بدلاً من كبحها. الدليل على ذلك موجود في مثال «طازج»: التعميم 154 الذي أصدره حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي. ينصّ هذا التعميم في البند 2 من الفقرة (أولاً) من المادة الثانية على الآتي: على المصارف حثّ عملائها من المستوردين أن يحوّلوا من الخارج إلى «حساب خاص»... مبلغاً يوازي 15% من قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة في أي واحدة من السنوات الثلاث التالية: 2017، أو 2018، أو 2019». تكرار هذه الآلية بصيغة مجدّدة لا يلغي احتمال فشلها الكبير كما فشل مصرف لبنان والمصارف.
سلوك السلطة ضمن مسار الإنكار يتجلّى أيضاً في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. يفترض بهذا المجلس أن يكون مستشاراً للدولة. وظيفة المستشار بالمعنى المؤسساتي، أن ينصحها، لا أن يتماشى مع رغبات زعمائها. فالسلطة تواصل الإنكار، وبدلاً من صفعها، يسعى المجلس إلى تبرير سلوكها. أصلاً لا أمل بمجلس مقاعده موزّعة على قوى السلطة. فالمجلس عقد جلسات «حوار وطني» من أجل تمهيد الطريق للسلطة لرفع الدعم. يغرق المجلس في نقاش مزيّف عنوانه: «إعادة توجيه الدعم». لا يتطرّق أبداً إلى الأهداف التي كرّست وجود هذا الدعم، أي تغطية الخسائر بطباعة النقد وإفلات التضخّم وخلق أسعار متعدّدة لليرة مقابل الدولار. لا يتطرق نهائياً إلى أصل الإنهيار، بل يصدر ورقة ستُعتمد كمرجعية معنية تتحمّل بموجبها الأطراف مجتمعين مسؤولية رفع الدعم. الهدف هو تبرير جرائم السلطة في إقرار الدعم ثم التراجع عنه. يقترح المجلس رفع الدعم تدريجياً من البنزين إلى الدواء والمازوت والغاز والقمح وصولاً إلى الكهرباء. كذلك يشير إلى استبدال الدعم ببرنامج مساعدات نقدية مباشرة للأسر ودمجها في برنامج حكومي موحّد.
كل ذلك لا يعني إلا مزيداً من الزبائنية. أصلاً لا ثقة بأيّ من أطراف السلطة ولا بأيّ من أتباعهم. هم يعملون على شراء الوقت فقط. كلّ منهم يشتري الوقت لغاية في نفسه. أما ما يقومون به اليوم فهو الانغماس أكثر في النفق الأسود. الانغماس في الانهيار يعني تدمير المجتمع. الهجرة ستبتلع أكثر من مليون لبناني (هناك تقديرات تشير إلى أن عدد طلبات الهجرة في السفارات بلغ 870 ألف طلب من دون أن يتضح إذا كان عدد الأسر أو الأفراد الراغبين بالهجرة)، ومن لم يستطع إليها سبيلاً فسيبتلعه الفقر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام