هناك سردية شائعة في لبنان «تفسّر» نظرياً، الصعوبة، كي لا نقول الاستعصاء، في تأليف الحكومة، وهي أن الرئيس المكلّف سعد الحريري «ضرورة» لتكوين فريق «اختصاصيين» يستطيع إجراء «الإصلاحات» المطلوبة (مِن مَن؟) للحصول على الأموال الخارجية. الاستعصاء يكمن في قاعدة التشكيلة المطروحة التي تسعى إلى حصر القرار السياسي بشخص رئيس الوزراء، واستبعاد القوى السياسية المكوّنة للبلاد، وإلغاء نتائج الانتخابات، من أجل الخروج من المأزق المالي والاقتصادي الناجم عن الخيار والخط السياسي الذي رعاه الرئيس المكلّف وقبله والده الرئيس المغدور رفيق الحريري بمشاركة مختلف القوى السياسية على مدى ثلاثة عقود. السردية التي يحملها الفريق الداعم للحكومة المرتقبة، تُحمّل مسؤولية التدهور الاقتصادي والمالي إلى الضغط الدولي بسبب وجود المقاومة ودور حزب الله في التركيبة السياسية، بل أصبح حزب الله سبب التدهور المالي أولاً وأخيراً.


حزب الله يستطيع أن يدافع عن نفسه، إنما مهمتنا اليوم التدقيق في صحّة السرديّة الآتية: «الأموال الخارجية ضرورة للنهوض أو على الأقل لإيقاف التدهور». سردية كهذه تتطلب، منهجياً: تحديد الحاجات المالية المطلوبة، وبشكل أدقّ الحاجات إلى الدولار، وتحديد الموارد الممكنة داخلياً. وفي إطار اقتصادي صرف، ينبغي تحديد مصادر الطلب والعرض على الدولار، لتحديد استقرار سعر الصرف، علماً بأن ذلك لا يعنى بالضرورة تدفّق الأموال الخارجية. والمستغرب، أن هاتين الخطوتين المطلوبتين لا وجود لهما في السردية الشائعة، لا لجهة تحديد دقيق لمصادر التمويل، أو مصادر الطلب على الدولار. معظم «الخبراء» ــــ على الشاشات و/ أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي ــــ يردّدون السردية كأنها من المسلّمات، ويغيب عنهم تحديد حجم الأموال والفترة الزمنية لوصولها، والجهات التي ستسلك طريقها إليها. حتى الساعة، ليس هناك خطاب واضح في هذا الإطار.
لا نعتقد أن جوهر الخطاب المتداول صحيح، ولا نسلّم بالتمويل الخارجي كحلّ وحيد. فإذا كان لا بدّ من هذه السردية، فبالتأكيد ليس مع الطاقم السياسي (باستثناء حزب الله) المتحكّم بمفاصل الدولة والذي كان سبباً للأزمة. لذا، تصبح الأولويات على شكل أربعة أسئلة: هل لبنان بحاجة إلى تمويل خارجي؟ ما هو حجم التمويل المطلوب؟ ما هي أهداف التمويل الخارجي؟ من هي الجهات المرشّحة لتوفير التمويل؟
«لا» لبنان ليس بحاجة إلى تمويل خارجي. حاجته تكمن في تمويل استيراد السلع الأساسية الضرورية للحياة التي لا تنتج محلياً من مواد غذائية ودواء ومشتقات نفطية وغيرها. قبل جائحة «كورونا»، كان حجم الاستيراد 17 مليار دولار ثم انخفض بعدها إلى أقل من 12 ملياراً وفق بعض التقديرات. الاستيراد تراجع بنحو الثلث. وخلال هذه الفترة، لم يمت لبنان. هذا يدلّ على أن مستويات الاستهلاك المفرط في السنوات السابقة لم تكن ضرورية، بل كان استهلاكاً يفوق طاقة اللبنانيين قائماً على مداخيل وهمية مصدرها الفوائد على الودائع والسندات. ما حصل هو «تصحيح» في نمط الاستهلاك. فمن «إيجابيات» الأزمة، أنها فرضت قسراً «عقلانية» في الإنفاق الاستهلاكي. بات على اللبنانيين التمييز بين ما هو مرغوب وما هو ضروري. انخفاض النفقات الاستهلاكية ضرورة؛ أولاً، للتناسب مع المداخيل المتراجعة، وثانياً لإعادة تكوين المدخرات الوطنية، وثالثاً لتخفيف الأعباء الاستيرادية.
طبعاً سيكون هناك تراجع في مستوى الرفاهية التي اعتادها اللبنانيون. هذا يزعج النخب. لسنا ضد الرفاهية في المبدأ، لكن إذا كانت على حساب الكرامة الوطنية التي تضحّي بها المصالح الخاصة والشروط الخارجية لتمويل لبنان، فهذا خيار نعتزّ باتخاذه. ندرك أن عدداً من اللبنانيين غير مستعدّين للتضحية برفاهيتهم مهما كلف الأمر، لكن الخروج من التبعيّة يتطلّب تضحيات يجب أن نتحمّلها جميعاً، وفي الطليعة النخب الحاكمة والمتحكّمة بمفاصل الاقتصاد والسياسة.
على أي حال، يمكن اتخاذ إجراءات على المدى السريع والمتوسط والطويل لخفض فاتورة الاستيراد. مثلاً، يمكن خفض فاتورة المشتقات النفطية عبر إعادة تأهيل مصفاة طرابلس، والاستفادة من العروض العراقية لاستيراد المشتقات وتسديد ثمنها بالليرة اللبنانية وعلى فترات زمنية تتناسب مع الواقع الاقتصادي. إجراء كهذا، يتطلّب قراراً سياسياً متعدّد الأبعاد: التشبيك مع العراق؛ التمرّد على الوصاية الأميركية المفروضة؛ مواجهة المصالح الخاصة التي تتحكّم باستيراد المشتقات النفطية. كذلك، هناك العديد من السلع المستوردة التي يمكن دفع ثمنها بالليرة اللبنانية بالاتفاق مع الدول المصدّرة للبنان، ومعظمها في الجوار القريب، ما يخفّف من الضغط على الاحتياط بالعملة الأجنبية بشكل عام والدولار بشكل خاص. أمور كهذه، تتطلب حكومة قادرة على تحمّل المسؤولية. مسؤولية كهذه قد لا تكون من اهتمامات الرئيس المكلّف والحكومة التي يريدها. باختصار، نطرح البديل من خطّة الرئيس المكلّف!
هناك إجراءات أخرى تتعلّق بتنشيط الصناعة، ولا سيما التي تستوعب يداً عاملة كثيفة في مجالات: الملبوسات، المواد الغذائية والأدوية. صناعة الملبوسات كانت سائدة قبل الحرب، وهي تستدعي عدداً كبيراً من العمال ونسبة منخفضة من المعدّات الرأسمالية. أما صناعة الأدوية فقد تقدّمت بشكل لافت قبل الحرب الأهلية، ويمكن إعادة تنشيطها مجدداً. إيران تحت الحصار الدولي منذ 40 سنة، لكنها أصبحت سادس مصدّر للأدوية الجنيسية (generic drugs). فما الذي يمنع لبنان من تطوير صناعته والتخفيف من أعباء الاستيراد. وفي مجال صناعة المواد الغذائية، كان لبنان يصدّر الأجبان والألبان إلى الدول العربية، لكنه بعد الطائف أصبح يستوردها من بلاد الحرمين!
ندرك أن عدداً من اللبنانيّين غير مستعدّين للتضحية برفاهيّتهم مهما كلّف الأمر، لكنّ الخروج من التبعيّة يتطلّب تضحيات يجب أن نتحمّلها جميعاً، وفي الطليعة النخب الحاكمة والمتحكّمة بمفاصل الاقتصاد والسياسة


لا شكّ بأن فاتورة الاستيراد التي انخفضت قسراً بسبب «كورونا»، يمكن خفضها أكثر باللجوء إلى سياسة الاتكال على النفس وتشجيع المنتج الوطني في الزراعة والغذاء والصناعة. أما التهمة المساقة ضدّ الاتكال على النفس باعتبارها إقراراً بخفض مستوى المعيشة، هي تهمة باطلة وغير صحيحة. ليس هناك ما يعوق منافسة البضائع الأكثر جودة المصنوعة في الغرب. فالأخير لم يعد قدراً على العالم. تبقى مسألة أسعار المنتجات اللبنانية كعامل عائق للتنافس. الواقع، إن تخريب سعر صرف الليرة اللبنانية لأغراض سياسية، شكّل فرصة لجعل السلع اللبنانية أرخص من سلع منافسيها. كلمة أخيرة: إمّا هناك إيمان بلبنان أو لا. المشكّكون بحجج واهية، كانخفاض مستوى المعيشة، لا يريدون أن يخرج لبنان من التبعيّة للخارج.
بالمناسبة، ليس هناك أيّ مبرر لأيّ مقيم على أرض لبنان أن يستعمل غير العملة الوطنية أسوة بكل دول العالم. فلماذا يتعامل اللبنانيون (والمقيمون) بالدولار كأنه مقياس لقيمة المدّخرات أو الثروة؟ عدم حمل الدولار النقدي، وحتى الرقمي في الودائع، يخفّف الطلب على الدولار، والإيمان بالعملة اللبنانية يسهم في زيادة قيمتها تجاه الدولار.
الطلب على العملة الخارجية مرتبط بحجم الاستيراد، وهذا يعني أن سقف الطلب معروف. وبما أن لبنان قادر على خفض الاستيراد وتشجيع الصادرات، فإن الطلب على العملة الأجنبية يصبح أقلّ مما يتصوّره العديد من الخبراء. لكنّ هناك سبباً ثانياً للطلب على الدولار: الديون الخارجية. عملياً، ليس هناك ديون خارجية تُذكر، بل سندات خزينة مدوّنة بالدولار تملك معظمها المصارف اللبنانية، أي يمكن تحويلها إلى ديون داخلية بالليرة اللبنانية. سينعكس ذلك على ميزانيات المصارف. هنا لبّ المشكلة؛ إعادة تكوين رأس المال المصرفي الذي «تبخّر مع الودائع» كما يُقال. بشكل عام، إن إعادة هيكلة المصارف يجب أن تتضمن: خفض عدد المصارف، التركيز على زيادة الرساميل، ملكية مختلطة بين الدولة والجمهور العام والمكوّنات التعاضدية. وهناك ضرورة أيضاً لإيجاد مصارف متخصّصة للقطاعات الإنتاجية. مطلوب قطاع مصرفي للخروج من الأزمة، لا يشبه القطاع الذي سبّبها.
في ما خصّ مصير الودائع، أي إعادة هيكلة الدين العام. في هذا المجال يجب تحميل المسؤولية إلى الدولة، والقطاع المصرفي وخصوصاً مسؤوليه وكبار المودعين ذوي الارتباطات السياسية. الهدف خفض خدمة الدين في الموازنة إلى مستويات متدنية، لتحرير مواردها واستثمارها في إعادة تأهيل البنى التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية الموكلة بها.
وبالنسبة إلى حجم التمويل المطلوب بالدولار، ليس هناك رقم يحظى بموافقة الدوائر المسؤولة: وزارة المال، مصرف لبنان ولجنة المال في مجلس النوّاب، وهذا يشمل الحكومة المستقيلة والمعتكفة والرئيس المكلّف. ليس هناك تأكيد بأن أرقام الدين العام المستحق اليوم ومستقبلاً دقيقة، ولا أحد يملك تأكيداً حول حجم الخسائر الفعلية المحقّقة والمفترضة. يمكن التوصل إلى إجابة صحيحة عبر هيكلة الدين العام بما فيها ضرورة إعادة تكوين رساميل للمصارف التي اعتمدت سندات الخزينة مصدراً أساسياً لتوظيف أموال المودعين. هنا تكمن أهمية التدقيق المحاسبي الجنائي للوقوف على رقم صحيح للدين العام، سواء لمالية الدولة ومصرف لبنان أو حتى للمصارف اللبنانية الشريكة في الأزمة.
وإذا أضفنا إلى كل ذلك، غياب خطّة متكاملة للمشاريع الإنشائية، سواء في البنى التحتية أو لتفعيل العجلة الاقتصادية (من دون رؤية وتوجّه للتحوّل من اقتصاد ريعي إلى إنتاجي) يمكن عندئذ التساؤل عن هدف التمويل الخارجي المطلوب. فما يذاع ويُكتب، هو مجرّد سردية لعناوين بلا مضمون واضح؛ كيف سيُعالج التمويل الخارجي الأزمة المالية والاقتصادية؟ من سيقوم بذلك؟ كيف؟ مع من؟ هذه أسئلة متروكة لوقت لاحق، لأنهم بالفعل لا يدرون عما يتكلّمون!
إذا حاولنا استقراء المسألة، عبر التدقيق بالحلول المطروحة التي ترتكز على قروض (وليس هبات أو مساعدات) يقدّمها صندوق النقد الدولي وربما مؤسسات دولية أخرى أو مساعدات مباشرة من بعض الدول ورساميل الخليج، نرى أن الرقم الإجمالي لا يتجاوز 5 مليارات دولار تُضخّ على فترة تراوح بين سنتين وخمس سنوات. هذه المساهمات مشروطة بما يُسمّى «إصلاحات هيكلية» عنوانها العريض رفع الدعم عن السلع الأساسية كالمواد الغذائية والمحروقات، وخصخصة ممتلكات الدولة كالمرفأ، وكهرباء لبنان، ومطار بيروت الدولي، وتسييل احتياط الذهب لإعادة تكوين رساميل المصارف المفلسة، وتكريس الملكية الخاصة لأملاك الدولة التي استولى عليها نافذون في القوى السياسية الحاكمة... أما إذا قدّرنا كلفة الخصخصة، أي قيمة ما ستخسره الدولة من أصول ومن مداخيل، فالواضح أن الكلفة تفوق الأموال المتأتية من الصندوق الدولي ومشتقاته.
لا وجود لأرقام، ولو تقديرية، للتوفير الناتج من رفع الدعم. هذه «وصفة» مفروضة من قبل صندوق النقد الدولي ومشتقاته الدولية على كل الدول الساعية إلى قروض مالية. هي وصفة نابعة من رؤية عقائدية وفقاً للنظرية النيوليبرالية التي يُروّجها صندوق النقد. البعض ينتقد هذه الوصفات باعتبارها لا تكترث للتداعيات الاجتماعية على الطبقات الفقيرة، بينما في رأينا، نعتقد أنها مقصودة لضرب الطبقات وإفقارها و/ أو الزيادة في إفقارها لتمكين النخب الحاكمة من الانخراط أكثر في السياسة النيوليبرالية والعولمة التي أصبحت أداة لنهب ثروات الشعوب. لا نبالغ إذا اعتبرنا هذه الوصفات عدواناً على الطبقات المتوسطة والفقيرة لجعل المجتمع المستهدف في حالة فقر وجهل لا يستطيع مقاومة الحاكم التابع لمرجعيات خارجية. هي عدوان على سيادة الدول والشعوب بغية إلغائها وفقاً للنظرية النيوليبرالية. لذا، يثير الأمر مجموعة أسئلة: ما جدوى كل ذلك؟ هل الارتهان المطلق إلى الخارج أفضل من الارتهان إلى مجموعة الفساد الداخلية؟ هذا هو الخيار المطروح على اللبنانيين، بينما في الحقيقة هناك خيارات وسياسات أخرى.
لبنان ليس بحاجة إلى تمويل خارجي، أو على الأقل ليس ذلك التمويل المطروح من قبل ما يُسمّى بالمجتمع الدولي ومن يدور في فلك الهيمنة الغربية، سواء في لبنان أو في بعض دول الخليج. الخروج من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي لا يستدعي التمويل الخارجي، بل تعبئة المدّخرات الوطنية. هذه المدّخرات لم تتبخّر رغم فساد القطاع المصرفي وسطوته على جزء كبير منها. يمكن تعبئة هذه المدخرات إذا توفّرت قيادة صالحة وغير فاسدة للبلاد، وهذا شرط كبير يصعب تجاوزه راهناً. نؤمن بأن هناك مشاريع قيادية صالحة وغير فاسدة وطاقات تستطيع إخراج لبنان من المستنقع، رغم الصعوبات التي ترافق تلك الفرضية. ليست هذه تمنّيات أو مثالية خارج الواقع، بل نقول بكل وضوح إن سقوط الدولة في لبنان أو على الأقل تقاعسها عن القيام بمهامها، لم يلغِ المجتمع الذي يستمر في الداخل وفي الخارج بالحفاظ على الحدّ الأدنى للبقاء.

* باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام