مصرف لبنان «شلّح» الناس 60% من مداخيلهم و90% من مدّخراتهم

هُزمت التحرّكات الشعبية العفوية كما هزم مدّعو المعارضة

قبل سنتين وبضعة أشهر، أطلق رئيس حركة «مواطنون ومواطنات» شربل نحاس، تحذيراً واضحاً مفاده أن الانهيار آتٍ، ما يحتّم التصحيح الطوعي وتوزيع الخسائر بشكل عادل وهادف. أن يكون هادفاً، معناه أن ما سيتحمله المجتمع من خسائر سيتعامل معه على أنه تضحية في سبيل أهداف واضحة ومحدّدة. في تقييمه للسنتين الماضيتين يشير نحاس إلى أن ذلك لم يحصل، بل على العكس تمكّنت السلطة من قلب جدول الأعمال لينطفئ الحديث عن توزيع الخسائر مقابل تأليف حكومة وحدة وطنية، أي عودة الأطراف نفسها التي عجزت عن إدارة الانهيار وهي تتخبّط فيه اليوم وتنزلق من قرار ترشيد الدعم إلى كيفية كبح استنزاف دولارات مصرف لبنان. هذا الأخير، برأيه، خلق أسعاراً متعددة لسعر الصرف لفرض ضريبة بشعة على الناس اقتطعت 60% من مداخيلهم و90% من مدّخراتهم. أما الحديث عن تصحيح الأجور، فهو أمر آخر، لأن التضحية اليوم تحتّم زيادة الأجر الاجتماعي لا الأجر المدفوع، أي إقرار التغطية الصحية المجانية للجميع وفوراً، وإرساء مجانية التعليم. من لا يريد الالتزام من المستشفيات والمدارس الخاصة يُصنّف مؤسسة تجارية وتُفرض عليه ضرائب مرتفعة. أما موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية فهي عبارة عن مخزون غير متجدّد ومحدود، لذا يجب استعمالها بشكل هادف كالاستثمار في النقل المشترك والطبابة المجانية وغيرهما، لا أن يتم تبديدها كما هي الحال اليوم

(هيثم الموسوي)

في تشرين الأول 2018، أطلقت تحذيراً يرمي إلى التصحيح الطوعي والتنظيم العقلاني للأعباء والخسائر للحفاظ على الحدّ الأدنى من الأمان الاجتماعي. قلت يومها، إن الأزمات ليست وليدة الصدفة وتأجيلها لا يمكن أن يكون غاية بذاته. لكنّ اليوم، بعد ثلاثة عقود من التأجيل، وبعد سنة على إعلان التوقف عن دفع الديون الخارجية، أصبحنا في قلب الانهيار بينما السلطة تراهن على تأجيل إضافي. ما الذي حصل؟ أي مستقبل لهذا الرهان؟
- نسمع كلاماً كبيراً عن الانهيار الآتي، بينما هو حصل منذ سنتين حين بدأ يهتزّ تثبيت سعر الصرف، وتوقفت القروض المدعومة… بعد أشهر، نزل الناس إلى الشارع عفوياً للتعبير عن غضبهم. هناك مراحل يجب التمييز بينها في هذه الفترة؛ في مرحلة ما قبل 17 تشرين الأول، حذّرنا من الانهيار فواجهونا بإنكار واتهام بالمؤامرة.
في المرحلة الثانية، أي قبل الانتفاضة بأيام، أُقرت موازنة بعجز صفر انطلاقاً من سعر صرف لا يهتزّ وكُلّف وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتحقيق أعجوبة «عدم وجود خدمة دين» وسدّدا استحقاقات ببضعة مليارات دولارات من دون أي رفة جفن.
في المرحلة الثالثة، جاءت الانتفاضة الشعبية العفوية - وهي حدث نادر -فسعينا إلى تحويل التعبير عن الغضب إلى مشروع سياسي لإقامة سلطة لا تعيش على الإنكار والتأجيل. في الأيام الأولى، الزعماء «نقذوا» وبعضهم تواصل معنا، ما شكّل بداية التفاوض على المرحلة الانتقالية، لكن بسرعة، ظهر ارتباكهم وانقسموا. قسم اعتبر أنها مؤامرة خارجية؛ حزب الله بداية، ثم التيار الوطني الحرّ وحركة أمل. قسم ثانٍ اعتبر أنه يجب التلطّي وراء الناس. في هذا الوقت تذرّعت المصارف بما يحصل للإقفال وإخفاء إفلاسها. وتم الالتفاف على الانتفاضة من خلال تأليف حكومة حسان دياب. جائحة كورونا كانت عاملاً مساعداً، بالإضافة إلى الحديث عن حكومة تكنوقراط. بعض أطراف السلطة الذين صوّروا أنفسهم إصلاحيين وثوريين، كانوا يريدون تكنوقراط أيضاً.
حكومة دياب تضمّنت تناقضات عديدة، من أبرزها إعلان التوقف عن السداد من دون أي تقدير أو حسابات لما سيحصل في اليوم التالي. وبواسطة استشاريين خارجيين وموظفين محليين، نُفذ تمرين حسابي، ضروري ولكن غير كافٍ، لتقدير حجم الخسائر بغاية وحيدة: تمكين الدولة من التفاوض مع الدائنين. حتى هذا الأمر، أُجهض إثر اجتماع عُقد في بعبدا بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب. تكفّل الأستاذ نبيه بري، واليد التنفيذية، إبراهيم كنعان، مع ما سُمّي لجنة تقصي الحقائق، بالإطاحة بهذا الجهد المحاسبي، علماً بأن كل أحزاب السلطة ممثَّلةٌ في هذه اللجنة. لاحقاً، حصلت عدّة تحركات شعبية وخصوصاً في حزيران وتموز، دعماً لمشروع سياسي وليس تعبيراً عن غضب، لكن هذه المرحلة انتهت بانفجار المرفأ - الفضيحة المأساة الجريمة - التي رسّخت اليأس. هناك أطراف محليّة وخارجيّة تلقّفت الأمر، أبرزها الرئيس الفرنسي. للأسف لم ننجح في تحويل الغضب إلى صياغة مشروع بديل، وعاد الزعماء عن انقسامهم بعد ظهور احتمال لتدفق الأموال على دم الناس.
بهدف تقليل استيراد المحروقات التي تمثّل وزناً كبيراً من الاستيراد يتوجّب استعمال قسم من دولارات مصرف لبنان لاستثمارها في تحويل جزء كبير من تنقّلات الناس إلى استخدام أنظمة تقنية للنقل المشترك التي تستهلك نسبة أقل بكثير من المحروقات


من وقتها نعيش في المرحلة الرابعة مسلسل تأليف الحكومة. هم لا يريدون تأليف الحكومة. ليسوا قادرين على الاعتراف بالوقائع. وصل بهم «الإنجاز» إلى إغلاق المنصّات التي تسجل أسعار العملة لمنع انهيار الليرة!
الوقت ثمين جداً. خلال الفترة الماضية ترسّخ اليأس، وتعمّم القلق، ووليدهما الهجرة، وصار لدينا نتيجتان: كلفة الوقت كانت هائلة على الموارد البشرية والمجتمعية، وثانوياً على الموارد المالية. الأمر الثاني، هو أن قوى السلطة قلبت جدول الأعمال.
عندما يستقيظ المجتمع على صدمة انهيار، يعبّر عن غضبه ويحاول قدر الإمكان الكذب على نفسه بأن الأمور ستمرّ. هذا تُرجم من خلال تعابير مثل «المصارف تحتجز الأموال» بينما الواقع هو أن المصارف مفلسة. كلما ازداد وضع الناس سوءاً، صار أسهل عليهم مقارنة الوضع الحالي مع السابق. للأسف، لم ير أحد أن الوضع السيئ يزيد القدرة على بلورة فهم واضح للأسباب والنتائج. ما حصل هو النقيض، إذ اعتبروا أن الوضع السابق ممتاز. الانزلاق نحو مقاربة كهذه يخلق سؤالاً بسيطاً في ذهن الناس: ما الذي تغيّر؟ كل فرد يجد جواباً لتفسير العطب الذي نقل وضعنا مما رأيناه جنّة بعد زواله، بينما في الواقع هو جحيم. ففي السابق كانت الأموال تتدفّق، لكنها اليوم توقفت. عندها تظهر أجوبة من نوع الحق على أميركا أو إيران… ويصبح الحديث كله: كيف سنعود إلى السابق؟ هذا ما يهدّد بقاء المجتمع. هل هناك من يصدّق أن حكومة من الجهلة والمرتكبين ومنكري الواقع، آتية للتخليص؟ المشكلة أنهم يعتقدون بأن هذا الأمر يعيد تدفق الأموال. بهذه البساطة وهذه البشاعة.
ليس صحيحاً أن الوضع السابق كان جيداً. فالأطراف الخارجية سعيدة بـ«بحصة» إضافية في اللعبة الإقليمية لإرضاء هذا أو ذاك. هذا هو قياس الحديث عن لبنان إقليمياً. أي انجرار إلى جدول الأعمال القائم على إعادة ترتيب أوضاعنا من أجل استقدام الأموال هو عمل إجرامي.

أليس ذلك ما يحصل اليوم؟
- تماماً، هُزمت التحرّكات الشعبية العفوية. هُزمت الأطراف التي تدّعي المعارضة وليست مستعدة لإعلان نفسها قيادة تتحمل مسؤولية تأسيس دولة. مطالبة سلطة عاجزة هي مناورة. هُزمت باستسهال استقدام المال من الخارج.

بدا كأنك تراهن على أن هذه السلطة قد توافق على مرحلة «انتقالية» لأنها ستدرك فشلها ولن تترك الناس ينزلقون أكثر في الفقر والهجرة، لكن ألا تعتقد أن رهانك فشل أيضاً ولم يستطع أحد أن يقدم بديلاً مقنعاً؟
- المجتمع مهدّد بانهيار المؤسّسات والأوهام التي عاش عليها منذ 30 سنة. لم يعد هناك عملة أو وحدة قياس للأسعار والأجور. شكليات السلطة من مجلس نواب وحكومة، غير موجودة. المآسي والمهازل التي نراها يومياً تُظهر بقايا القضاء. مدارس ما بقى في، مستشفيات أيضاً، مهن كاملة تتبدّد. طرحُنا أن هناك حاجة فعلية ملحّة إلى إقامة دولة لديها شرعية تكفي لإدارة المرحلة الانتقالية انطلاقاً من تأسيس نظام سياسي مختلف عن الأكذوبة التي عاشت أكثر مما كان يجب. وظيفياً، هذه الدولة يفترض بها أن توزّع الخسائر بشكل عادل وهادف. والأخيرة أهمّ من أجل تقبّل الخسائر واعتبارها تضحية للوصول إلى هدف آخر. لكن، ليس ممكناً القيام بذلك في ظل ائتلاف يُسمّى وحدة وطنية لمجموعات اسمها طوائف وشوارع… فزعماء هذه المجموعات ليسوا قادرين على اتخاذ أي قرار عاطل أو جيد. خير دليل ما حصل في لجنة تقصي الحقائق. القرارات هي تبدية مصالح على مصالح أخرى. الزعيم الطائفي قادر على أخذ قرار لتبدية مصالح جماعته، لكن عندما تتعطل المنظومة كلها، يضطر أن يبدّي مصالح فئات اجتماعية وطبقات ومهن وفئات عمرية. فعلى سبيل المثال، قد يقول إن أولويتي ألا يهاجر الشباب، ما معناه أن غير الشباب سيتأذون أكثر. بهذه البشاعة. يمكن أن يقول إنه مهتمّ بعدم إغلاق مؤسّسات في قطاعات معينة، ما معناه أن المؤسسات الأخرى ستزيد عليها الأعباء. زعيم الطائفة لا يمكنه اتخاذ قرارات كهذه. فهل يمكنه القول، بالنسبة للودائع والديون والعقود والإيجارات والأجور، أنا أريد تبدية هذه الفئة من المصالح على غيرها لفترة سنة أو عشر سنوات. سبب العجز، أن الطائفة فيها فئات عمرية مختلفة، وأغنياء وفقراء، وأصحاب عمل وعمال، أي أن كل قرار ينتج منه خسارة فئات من طائفته أصيبت مصالحها من دون أن يحظى بأمل الحصول على دعم المصالح الأخرى التي حصّنها لدى زعيم طائفة ثانية. هكذا هرب الزعماء من التفاوض مع صندوق النقد. أقصى طاقتهم أن يتسولوا ويؤجّلوا ويزيدوا الخسائر. عجزهم واقعي ووظيفي.
لذا، أخاطب الزعماء الستة: لستم قادرين على اتخاذ قرارات لأنكم بحالة عجز. العجز مدعاة للقلق، حتى لكم، شخصياً وتنظيمياً، ليس بسبب التظاهرات، بل لأن المسار الاجتماعي والإقليمي في ظل عدم وجود دولة تحصّن المجتمع المحلي، يجب أن يذكّركم بما حصل في المفاصل التاريخية التي شهدناها في المنطقة. نخاطبكم بالمسؤوليات؛ من أجل الخروج من الإنكار، الإقرار بالعجز، وتيقّن القلق، فلتأتوا إلى تفاوض على دولة مدنية. من يريد أن يحبكم فليحبكم، وهذا أمر لن يتغيّر. قد تترتّب كلفة بسيطة عليكم مقابل تخفيف المخاطر.

سابقاً، كنّا أسرى النموذج السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وأنت تقول اليوم إننا صرنا أسرى الانهيار المفتوح في ظل العجز عن اتخاذ القرار؟
- بعد حقبة الثمانينيات، كان اللبنانيون مستعدين للقبول بأي شيء. كذلك اليوم بعد حصول الانهيار. هناك خطر بأن يقبلوا بأي شيء. ففي ظل تيقّن حصول الخراب، يهاجر الناس أو يبحثون عن عمل بالدولار، أو يتحصنون ضدّ القلق بالاستعداد للعنف. ليس صحيحاً أنه يكفي إذلال الناس ودوس كرامتهم للانتفاض ضد أسباب ذلّهم. قد يدفعهم ذلك نحو العنف فقط. الخطر الداهم ارتضاء أي أمر بعد مقارنته بالذلّ. كلما كان الذلّ قاسياً، ارتضينا بأي شيء. هذا ما يحصل بدقّة. هذا ما حصل من خلال تعديل جدول الأعمال، فأصبح الحديث بعد انفجار المرفأ مركّزاً على تأليف حكومة من الجهات نفسها، وسمّي سعد الحريري لتأليفها، والشيعة يريدون إدارة وزارة المال، ورئيس الجمهورية يريد ستة أو سبعة…

هناك إجراءات اتُّخذت مثل دعم السلع الأساسية والغذائية، وهي كانت مفصلاً أساسياً للتمييز بين سعر الصرف النظامي وسعر الصرف السوقي، لكن النقاش بات مرتبطاً بترشيد الدعم ووقف استنزاف الدولارات لدى مصرف لبنان. إلى أين يأخذنا هذا الأمر؟
- الدعم والضريبة، هما الأمر نفسه، ولا علاقة لمصرف لبنان بهما بتاتاً، بل هما مرتبطان بالسلطة السياسية. لذ، إن ما سُمّي دعماً، هو تمثيل للعجز، وتمثيل إجرائي لامتحان الغلبة التي حققتها هذه المنظومة على المجتمع. فالدعم هو الأخذ من جيوب المكلفين لإعطاء المستهلكين، والضريبة هي الأخذ من جيوب المستهلكين لمنح المواطنين. لكن لم يحصل شيء من ذلك. بل من باب الإنكار والتهويل والتخوين، تم إبقاء كذبة أن الدولار بـ1500 ليرة خدمة لغايات أخرى تتعلق بتغطية خسائر المصارف. وهذه الكذبة حافظت على أسعار عدد من السلع التي تتدخّل الدولة إدارياً في تحديد أسعارها مثل الأدوية والمحروقات وغيرهما.
هذه السلطة أعجز من إقرار سياسة دعم. لم يسأل أحد إذا كانت هذه السلع تستأهل الدعم، وهل هناك غيرها يستأهل أكثر… هذا دعم للاقرار. أما تحوّل النقاش نحو مدى كفاية الدولارات لدى مصرف لبنان فهو لتغطية اللاقرار. سواء كان هناك ما يكفي لشهر أو لسنة، هل نقضي على كل هذه الدولارات؟ هناك مسافة ضيقة جداً، بين العجز والجريمة.
في المنطق السليم، هناك اعتباران لا علاقة لبعضهما ببعض:
- ما هي السلع التي تستحق أن تتحمّل ضريبة أو أن تستفيد من دعم. هذا قرار.
- الموجودات بالعملات الأجنبية لأي غرض يجب استخدامها. هذا قرار آخر.
جرى التغاضي عن القرارين الأول والثاني، وحلّ محلهما اللاقرار الذي يؤدّي إلى تصفية الموارد المالية، وإعطاء أولوية مطلقة لشراء الوقت.
يمكن النظر في حصّة هذه السلع والخدمات من استهلاك الأسر بحسب فئات دخلها، وما هي السلع والخدمات التي يضطر الفرد، حتى لو كان فقيراً، لأن يستهلكها أو يستغني عنها، والسلع التي يمكن زيادة إنتاجها محلياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد… كل هذا المسار يؤدّي إلى قرارات بسلّة وحدة اسمها: الضرائب والدعم.
أما بشأن موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية واستنزافها، فبما أن البلد مفلس ومكشوف على حاجات استيراد هائلة، وشبابه يهاجرون، وقدرته الإنتاجية ضحلة، فإن ما نملكه من مخزون محدود غير متجدّد ببضعة مليارات دولارات وقسم من الذهب، هو مبلغ ثمين جداً وخيار استخدامه ليس بديهياً. فعلى سبيل المثال، يمكن القول، إنه بهدف تقليل استيراد المحروقات التي تمثّل وزناً كبيراً من الاستيراد، يتوجب استعمال قسم من هذه الأموال لاستثمارها في تحويل جزء كبير من تنقلات الناس، إلى استخدام أنظمة تقنية للنقل المشترك التي تستهلك نسبة أقل بكثير من المحروقات. وبهدف تأمين الطمأنينة والكرامة، سنرسي فوراً التغطية الصحية الشاملة للمقيمين، وهذا معناه أن التجهيزات والأدوية وسواهما ستُموّل بجزء من هذه الأموال. كذلك يمكن الاحتفاظ بكمية من الدولارات لصدّ عمليات المضاربة المشبوهة. ويمكن أيضاً أن يكون هناك عدد من السلع الأساسية من المبرّر دعمها بجزء من هذه الأموال لفترة معينة حتى تكون قد تغيرت وضعية قطاعات الإنتاج. ليس الهدف استنزاف كل الأموال ثم نتسوّل لاحقاً.

هل ينطبق هذا الأمر على ما يقال عن أن هذه الأموال هي للمودعين؟
- ما يقال عن أن الأموال محتجزة في المصارف، وعن استرداد الأموال، وأن صندوق النقد سيعطينا الأموال لسداد أموال المودعين، هو مؤامرة خبيثة قائمة على إيهام المودعين بأن الأموال موجودة إنما سدادها تعترضه عقبة بسيطة يمكن تخطيها. هذا يردّنا إلى أن الناس عندما يُذلّون إلى درجة استعدادهم لتصديق أن ما كانوا يعيشونه سابقاً هو النعيم، وأن حدثاً طارئاً صغيراً نقلهم إلى الجحيم، عندها يصبح سهلاً أن يرتضوا بأي شيء. هذا إيهام للناس بأن الاقتصاد قائم على مخزون المال، بينما هو قائم على القدرة الإنتاجية، وعلى الاستهلاك من منتَج العمل. اليوم انكشف اقتصادنا بأنه لا يُنتج شيئاً، لذا يجب الإقرار بأن الاقتصاد ليس مالاً مسجّلاً على الدفتر أو بالنملية أو بأي مساعدات آتية.

هناك رهان عند السلطة أنها ستستدين من الخارج للقيام بالاستثمارات التي أشرت إليها؟
- عندما يعلن بلد إفلاسه لا يعود قادراً على الاستدانة بالأدوات التقليدية. قد تتوقف الدول عن السداد لأسباب ظرفية ومؤقتة أو بسبب انهيار المنظومة كما حصل في لبنان. لكل هذه الحالات، أنشئ صندوق النقد الدولي. هو مؤسسة مالية أنشئت من قبل تعاونية الدول العظمى كمحاور وحيد وإلزامي للدول المفلسة لإقراضها ضمن حدّ أقصى خمس سنوات. بمعنى آخر، الصندوق سيتأكد من استرداد أمواله عبر إلزام المدين باتحاذ قرارات، تكون برأيه كافية لدفع الدائنين التجاريين حول العالم لإعادة إقراضه ما يسمح للصندوق باسترداد ديونه. ومن شروط الصندوق، خفض الاستيراد ومصاريف الدولة، وأن يكون سعر الصرف في مستوى لإفقار الناس كفاية للجم استهلاك السلع المستوردة. مع ذلك، هناك كلام بأن الصندوق سيُقرض لبنان أموالاً ما يتيح ردّ أموال المودعين. في الواقع، العلاقة مع الصندوق، هي عقود بمثابة معاهدات دولية، أي أنها ستمرّ بما يسمّى مجلس وزراء ومجلس نواب وسيصوّت عليها التيار الوطني الحر، حزب الله، حركة أمل، الاشتراكي… سيصوّتون على صرف عشرات ألوف الموظفين، على سعر الصرف، على زيادة الضرائب على الاستيراد والاستهلاك، على وقف دعم استيراد السلع المستوردة…
هم أوصلونا إلى هنا، لكنهم عاجزون عن اتخاذ قرار من هذا النوع. كان يجب، قبل إعلان الإفلاس، أن يعرفوا ما هو المشروع السياسي والاجتماعي الذي يدفع السكان لارتضاء هذه الخسائر كتضحيات نحو هدف آخر. هذا جوهر إدارة المرحلة الانتقالية وإرساء دولة شرعية مدنية قادرة. هذا الكلام هو نقيض كل المناورات التي نشهدها وما يزعم عن وجود حكومة وحدة وطنية والتقاء حضارات ومكوّنات قائمة على حقوق النقد المتبادلة حتى يقوم كل طرف بارتهان خارجي ونصدّر ما يكفي من الشباب ويبقى النزيف.

انهيار سعر صرف الليرة، هو إحدى أبرز سمات إفلاس لبنان. لكنّ المعنيين يركّزون إجراءات كبح الانهيار على منصّات تسعير الدولار والصرافين. إلى أي مدى يمكن أن يستمرّ انهيار سعر الصرف، وما هي العوامل التي تحدّد هذا الانهيار؟
- سعر الصرف هو أداة لقياس أسعار السلع والخدمات المنتجة في بلد ما، والتي يتم تبادلها مع سلع وخدمات منتجة في بلد آخر. سعر الصرف يعكس هذه العلاقة. في لبنان، كان سعر الصرف يعكس أن لا شيء مما نتجه محلياً وقابل للتصدير، يمكن بيعه في الخارج، بل يشير إلى أن أي سلعة نشتريها في الخارج هي أرخص من إنتاجها محلياً. لذا، لم يبق في لبنان إلا أنشطة التوزيع (تجارة…) والمؤسّسات التي تنتج سلعاً وخدمات لا يمكن تصديرها واستيرادها (عمار، حلاقين، مستشفيات، جامعات، فاليه باركينغ…). وبالتالي سعر صرف الليرة لم يكن قابلاً للاستدامة إلا بمواصلة الاستيراد المموّل بالاستدانة من الخارج، أي مراكمة خسائر مؤجّلة الدفع. وللاستمرار بالاستدانة من الخارج، هناك الأقربون أو تصدير الشباب. وهناك وظائف أخرى لسعر الصرف منها توزيع الثروة داخلياً، وأن يكون أداة سياسية.

العلاقة مع صندوق النقد الدولي هي عقود بمثابة معاهدات دولية، أي أنها ستمرّ بمجلسي الوزراء والنواب، اي أن ممثلي السلطة سيصوّتون على صرف عشرات ألوف الموظفين، سعر الصرف، زيادة الضرائب، وقف دعم استيراد السلع المستوردة


في عام 1992، أرسي النظام الفعلي بعملية عنوانها سعر الصرف. قبلها كان الدولار بنحو 800 ليرة ولم يكن لدينا دين خارجي وكان لدى مصرف لبنان موجودات فعلية وليس خسائر كما هي اليوم. فجأة أعلن البنك المركزي التوقف عن التدخّل في السوق، ومن خلال عدد قليل من المصارف، انطلقت عملية مضاربة رفعت سعر الدولار إلى 1700، ثم أجريت انتخابات نيابية وأزيح الطقم القديم من النواب بمن فيهم آباء وعموم وأخوال الطائف، ليحلّ محلّهم طقم الميليشيات وأصحاب المليارات، أي التحالف السوري - السعودي. العجيبة حصلت بعد ذلك، إذ انخفض سعر الصرف من 3000 إلى 1500. زيادة القهر جعلت الناس يرتضون بالـ1500 ليرة، بينما ما حصل هو ارتفاع سعر الدولار من 800 إلى 3000. هذا مماثل لما يحصل اليوم، أي نشكر المصرف على إعادة قسم من المصريات المسروقة، ونشكر الزعماء على حكومة الوحدة الوطنية بعد الخراب.
في البدء حاول مصرف لبنان الاحتفاظ بسعر الـ1500 ثم بسعر الـ3900، فانتهى الأمر إلى وجود أسعار صرف متعددة، ولم يعد بإمكان أحد تحديد عقود العمل والإيجار والشراء والمبيع… بمعنى آخر، استُعمل تعدّد أسعار الصرف كأداة أساسية لتشليح الناس نحو 60% من دخلهم، ونحو 90% من مدّخراتهم. هذا الأمر سارٍ اليوم ويُنفّذ ساعة بساعة. هذا أبشع أشكال التشليح لأنه أعمى ولا يبدو أن أحداً مسؤولاً عنه. قسم كبير من الناس تعامل مع الأمر، ولو بشكل غير متكافئ، على أنه يمكن الذهاب يومياً إلى الكازينو والربح يومياً، وبالتالي لا بدّ أن يعود الربح إلى الكازينو «إذا ظبطت» باعتبار المساعدات الدولية آتية، أو استخراج النفط، أو اتفاق بين أميركا وإيران وسواها. للعلم من يدير طاولات الكازينو هم المصارف.
للدلالة على ذلك، منذ أكثر من سنتين عقدنا جلسات عدّة مع كل نقباء المهن الحرّة والمسؤولين عن صندوق المعلمين والمعلمات في المدارس الخاصة ومع الضمان الاجتماعي، لنقول لهم إن ما لديكم من مدّخرات هي مدخرات إلزامية عائدة لعشرات ألوف من الناس أن يدخروها لتأمين خدمات تقاعد واستشفاء لهم ولعائلاتهم. هذه مدخرات اجتماعية. حدّدنا الوسائل الداخلية والخارجية لحمايتها. صندوق النقد تجاوب مع هذا الطرح، خلافاً لكل هؤلاء الذين حملوا الأمر إلى زعمائهم وتبلغوا بضرورة التأجيل على قاعدة أن الانهيار ليس سريعاً. كأنهم يقولون الوقت متاح للعب دورتين أخريين في الكازينو. هكذا باتت الموجبات الأبسط مؤجّلة تحت أي حجّة. هذا هو الكازينو، والإدمان عليه. وهناك مسؤولون مباشرون عن الوضع الحالي. هناك أصحاب المصارف يعلمون تماماً أن إقراض الدولة بالدولار من مصريات الناس هو سرقة. النقباء سرقوا أموال أعضاء النقابة لأنهم تغاضوا عن مسؤولية الحفاظ على مدخرات الناس. الخبراء الاقتصاديون والصحافيون والوزراء الذين كانوا يقولون لا داعي للهلع، هذه مسؤولية شخصية سياسية.

قدّم وزير المال السابق علي حسن خليل اقتراحاً لمنح العسكريين سلفة على غلاء المعيشة، ما فتح الباب أمام فئات أخرى للمطالبة بتصحيح للأجور تعويضاً للتآكل فيها. هل تؤيد هذا التصحيح؟
- وزير المال السابق كان يتولى مهام الوزارة لحين انهيار البلد، ويفترض به أن يكون على دراية بخطورة المهام التي أدّاها والمسؤوليات المترتّبة عليه اليوم، لا أن يتجنّد لدور آنيّ وظرفي من دون إدراك مسؤولياته نظراً إلى كونه يمثّل زعيماً أساسياً اسمه الأستاذ نبيه بري، أي أن كفاءاته المالية ليست هي ما أوصلته إلى هذا الموقع.
الأجور في المؤسّسات الخاصة هي حصيلة قسمة بين من يقدم عمله، ومن يوظّف رؤوس أمواله، تبعاً لاعتبارات متعلقة بموازين القوى. إذاً، ما هو حجم الإنتاج، وما هي حصص الأجور والأرباح منه؟ في الواقع، تقلص حجم الإنتاج بشكل غير مسبوق بحكم انهيار النموذج القديم. وبالتالي فإن المسؤولية السياسية تحتّم القدرة والمعرفة والجرأة على التعامل مع هذه المسائل الحيوية بصورة غير مجتزأة. أما في الإدارات العامة، فهناك تعويضات وهي ليست أجوراً فعلية باعتبارها أموالاً تؤخذ عبر الضرائب وتُعطى للموظفين. هنا المسألة متصلة باعتبار آخر: كم يمكن أن نفرض ضرائب، أو كم يجب أن نطبع أموالاً (الطباعة هي ضريبة أيضاً). هذه الضريبة تُدفع لقاء خدمة عامة. لذا، لا يمكن فرض الضرائب وطبع الأموال عشوائياً. الأجور ليست عملية محاسبية.
لدينا طرح بهذا الموضوع. فلأن حجم الاقتصاد الذي كان بقسم أساسي منه كذبة، تقلّص، فإن أهم شيء اليوم بناء «اقتصاد ودولة»، أي ألا يعيش الناس خسائر، بل تضحيات تكون على الموظفين قبل غيرهم أيضاً، لكن بشرط وضوح الهدف. مقابل ذلك، بكل نتائجه القطاعية والضريبية وأثره على استعمال الدولارات الباقية وعلى التفاوض مع صندوق النقد… هناك إجراءان أساسيان يجب اتخاذهما من خلال الأجر الاجتماعي وليس بواسطة الأجر المدفوع: تأمين فوري للتغطية الصحية الشاملة للمقيمين ولمجانية التعليم.
بهذا المعنى، ستتوقف الطبابة والتعليم عن كونهما سلعاً قابلة للبيع والشراء. في المقابل، يجب أن يلتزم مقدمو هذه الخدمات بالعقود وبنوعية الخدمات. المدارس الخاصة ستضحّي، والمستشفيات الخاصة والأطباء أيضاً. من لا يريد الالتزام يُعتبر مؤسّسة تجارية ويخضع لضرائب إضافية. هذا هو خيارنا. أرغب بمعرفة مواقف: التيار الوطني الحرّ، حزب الله، حركة أمل، الاشتراكي، وكل هؤلاء الذين لديهم مدارسهم ومستشفياتهم، فهل لديهم القدرة على اتخاذ قرار بهذا الموضوع. التعليم والصحّة يصيبان كرامة الإنسان وشرعية الدولة أيضاً بالأهمية نفسها. هذه ليست عملية تجارة، بل تصيب جزءاً أساسياً من أبواب الإنفاق، وهي توازي زيادة أساسية في المداخيل. إذا كانوا الزعماء فاضيين لمثل هذه الأمور، فليقولوا لنا ما رأيهم بهذا الموضوع، أي العودة إلى جدول الأعمال الفعلي.



نحن في «مواطنون ومواطنات في دولة»، نرى أن هناك معركة على جدول الأعمال برمّته. ما كنّا نعيشه سابقاً لم يكن جيداً كما يتم تصويره، بل دمّر مناعة المجتمع. أما ما نحن فيه اليوم، فهو يرتّب حاجة وظيفية إلى إقامة دولة فعلية. الدولة تعني الأداة التي تدافع عن المجتمع أمام إفلاسه والمطابخ التي تعيد تركيب المنطقة. هذا أمر، القلائل يتذكّرونه أمام المراهنات السخيفة والمجرمة التي أدّت إلى الحرب الأهلية وتوابعها. استغنينا عن الدولة بسبب الميليشيات ثم لُزمت باتفاقية دولية للسوريين، وبعدها ترتيبات ترقيعية في مؤتمر الدوحة...


الودائع «مش» موجودة
ما يقال عن أن الأموال محتجزة في المصارف، وعن استرداد الأموال، وأن صندوق النقد سيعطينا الأموال لسداد أموال المودعين، هو مؤامرة خبيثة قائمة على إيهام المودعين بأن الأموال موجودة إنما سدادها تعترضه عقبة بسيطة يمكن تخطيها. هذا يردّنا إلى أن الناس عندما يُذلّون إلى درجة استعدادهم لتصديق أن ما كانوا يعيشونه سابقاً هو النعيم، وأن حدثاً طارئاً صغيراً نقلهم إلى الجحيم، عندها يصبح سهلاً أن يرتضوا بأي شيء. هذا إيهام للناس بأن الاقتصاد قائم على مخزون المال، بينما هو قائم على القدرة الإنتاجية، وعلى الاستهلاك من مُنتَج العمل. اليوم انكشف اقتصادنا بأنه لا يُنتج شيئاً، لذا يجب الإقرار بأن الاقتصاد ليس مالاً مسجّلاً على الدفتر أو بالنملية أو بأي مساعدات آتية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام