معظم المقاربات المندّدة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني يأتي من الزاوية السياسية أو العسكرية أو الأمنية أو الفكرية أو الأخلاقية ونادراً من الزاوية الاقتصادية. الدول المطبّعة لا تتكلّم عن التطبيع إلاّ بالخطوط العريضة و«المنافع» المرتقبة منه، بينما لا ينظر مناهضو التطبيع إلى النتائج العملية للتطبيع من الناحية الاقتصادية إلاّ بالخطوط العريضة. ما يعزّز هذه الوجهة، غياب الدراسات حول الموضوع؛ فلا الدول العربية المطبّعة تستطيع تبرير التطبيع من الزاوية الاقتصادية، ولا مناهضو التطبيع قدّموا دراسات تدعم موقفهم من التطبيع. وإذا أقدم بعض مراكز الأبحاث العربية على إعداد دراسات في هذا الموضوع، فهي خارج التداول! في المقابل، رصدنا دراسة أعدّها مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (وينيب) الذراع البحثية لمنظّمة «أيباك» الصهيونية حول «منافع لمصر» من اتفاقيات كامب دافيد. جاء في خلاصة الأمر أن الاتفاقية لم ينتج عنها إلاّ استعادة شبه جزيرة سيناء من دون إمكان فرض السيادة المصرية الكاملة عليها عبر القيود المفروضة على وجود القوّات المسلّحة المصرية. هذه المقاربة لا تهدف إلى سدّ الثغرة، لأن أي دراسة مفصّلة تستدعي وقتاً وفريق عمل غير موجود في الأساس لهذا الغرض


ماريان كامينسكي ــ النمسا

مصر هي أكبر دولة عربية والمعيار الذي يمكن اعتماده في تفكيك التطبيع، على الأقل من الناحية الاقتصادية. الحجّة الأساسية التي روّجت لاتفاقيات كامب دافيد، أن إنهاء حالة الحرب مع العدو الصهيوني سيؤدّي أولاً إلى استرجاع سيناء، وثانياً إلى تحرير موارد الدولة من مستلزمات الإنفاق العسكري الذي فقد مبرّراً أساسياً للحفاظ على المستويات المرتفعة، وثالثاً النمو الاقتصادي عبر التبادل التجاري، ورابعاً عبر تدفّق الاستثمارات الخارجية في البنى التحتية والسياحة والصناعة. كما أنها ستفسح في المجال لعقد اتفاقيات اقتصادية مع الولايات المتحدة لم تكن ممكنة قبل ذلك.
فماذا تحقّق من كل ذلك بعد أكثر من أربعة عقود على إبرام هذه الاتفاقية المشؤومة؟ تحقّق الهدف الأول، أما في الأهداف الأخرى فالمشهد مختلف.

مزيد من الاستدانة
على صعيد النفقات العسكرية تمّ تخفيضها كمّاً ونسبياً للناتج الداخلي وفقاً لتقرير معهد سيبري السويدي. ففي سنة 1970 كان الإنفاق ما يوازي 1.3 مليار دولار شكّل 17.3% من الناتج الداخلي. لكن بعد 1975 بدأ الإنفاق العسكري ينخفض حتى وصل إلى ما يوازي 3.2 مليارات دولار، أي ما يوازي 1.12% من الناتج الداخلي أو 4.5% من إجمالي الإنفاق الحكومي.
تحرير الموارد المالية من النفقات العسكرية لم يؤدّ إلى تنمية؛ فما شهدته مصر هو المزيد من الاستدانة الخارجية ومن تخبّط اقتصادي حاولت على مدى أربعة عقود الخروج منه. ومن تداعيات التراجع الجذري في الإنفاق العسكري تراجع الصناعات العسكرية العريقة التي تعود إلى 1949، أي بعد نشأة الكيان الصهيوني. لكن منذ 2013 نشهد محاولات حثيثة لإحياء هذه الصناعات بالتعاون مع شركات عديدة شرقية وغربية لتنويع مصادر التسليح. والمعروف أن الصناعات العسكرية هي الدافع الأساسي للبحوث العلمية التي يتم تطبيق العديد من إنجازاتها في الصناعات التحويلية والاستهلاكية، كما أنها مصدر مربح للتصدير.

الفتات للاقتصاد المصري
أما على الصعيد التجارة الخارجية، فلم تكن التبادلات بين مصر والكيان العدو دافعاً للتنمية وحتى للنمو. لا يمكننا هنا القيام بعرض مفصّل للتطور التجاري بين مصر والكيان لضيق المساحة، غير أن خلاصة ما وصلنا إليه من مراجعة الإحصاءات تفيد بأن حجم التجارة محدود جدّاً، ولا يتجاوز نصف في المئة من اقتصاد البلدين.
وقد تراجع التبادل التجاري بعد خلع الرئيس السابق حسني مبارك؛ ففي عام 2011، استوردت مصر من الكيان منتجات بقيمة 236 مليون دولار، وصدّرت بقيمة 178 مليون دولار. كانت هذه المبادلات المحدودة ذروة حجم التبادل التجاري منذ أكثر من عقدين. أما في عام 2014، فقد استوردت مصر من الكيان بقيمة 147 مليون دولار، وصدّرت فقط بقيمة 57 مليون دولار. وفي عام 2016 انخفض الاستيراد من الكيان إلى 113 مليون دولار وكذلك التصدير إلى 55 مليون دولار فقط.
فمند بداية اتفاقية السلام لم يكن حجم التبادل التجاري كبيراً. حاولت الولايات المتحدة دفع مصر إلى المزيد من المتاجرة مع الكيان، فأوجدت اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المعروفة بـ”كويز“ سنة 2004، وهي الأحرف الأولى بالإنكليزية لعبارة (Qualified Industrial Zone). هذه الاتفاقية تمكّن مصر من الاستفادة من التعامل الأفضل في السوق الأميركية والمتاح للكيان، بشرط أن يكون 35% من مكونات السلع التي ستستفيد منها يجب أن تكون من إنتاج محلّي، وأن تحتوي على منتج من الكيان لا يقل عن 10.5%. هذا يعني أنه يترتب على المُنتج المصري الذي يريد التصدير إلى الولايات المتحدة وأن ينعم بالتعامل الأفضل، إدخال من منتجه الصناعي ما يوازي 10.5% من قيمة المنتج مصدرها الكيان الصهيوني.
تحرير الموارد المالية من النفقات العسكرية لم يؤدّ إلى تنمية، فما شهدته مصر هو المزيد من الاستدانة الخارجية وتخبّطاً اقتصادياً حاولت الخروج منه على مدى أربعة عقود


وبالفعل بلغت صادرات الكيان لمصر نحو 113.1 مليون دولار لسنة 2015 بينما كانت الصادرات المصرية للكيان لا تتجاوز 54.6 مليون دولار للسنة نفسها. الاتفاقية عزّزت المكانة الاقتصادية لدى الكيان وأعطت الفتات للاقتصاد المصري. لكن في المقابل، بلغت قيمة الصادرات المصرية للولايات المتحدة بين 2005 و2019 نحو 12 مليار دولار، أي ما يوازي 857 مليون دولار سنوياً، إذا اعتبرنا الصادرات مستقرّة منذ البداية، علماً بأن صناعة الملبوسات الجاهزة المصرية تمثّل ما يوازي %98 من الصادرات إلى الولايات المتحدة، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية.

استثمارات محفّزة داخلياً
في ما يتعلّق بالاستثمارات الخارجية في مصر، سواء كانت من الكيان أم من دول أخرى، لم تكن النتيجة أفضل. الاستثمارات الخارجية المباشرة اقتصرت على بعض القطاعات، كقطاعات الطاقة والغاز. وقد وصل مجمل التدفق الاستثماري الخارجي إلى 127 مليار دولار حتى 2019. وهذا التدفق لا يعود بحدّ ذاته إلى التطبيع مع الكيان، بل إلى ما سُمّي الإصلاحات الاقتصادية التي جرت وأدّت إلى ما يُسمّى "الانفتاح الاقتصادي". وتعتبر مصر أكثر الدول الأفريقية المستفيدة من هذا التدفق، بسبب الشروط المغرية المعطاة للمستثمر الخارجي. ليست مهمتنا هنا تقييم هذه السياسة، بل الإشارة إلى أن الاستثمارات الخارجية تعود إلى سياسات داخلية مصرية وليست عائدة إلى التطبيع. قد تكون اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني رفعت الحظر السياسي على مصر، ولكن لم تكن دافعاً لتدفق الاستثمارات، إلا للحصول على المغانم التي عرضتها الحكومة المصرية.
من ضمن "الإغراءات" الأميركية لتوقيع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني هي تلك "المساعدات" السنوية التي بلغت 1،5 مليار دولار سنوياً، والتي تجعل مصر ثاني دولة مستفيدة من "المساعدات" الأميركية بعد الكيان الصهيوني الذي يتلقّى نحو 3،2 مليارات دولار سنوياً.
يذكر أن هذه "المساعدات" ليست استثمارات بل منَحٌ لا تُعطى للدولة المصرية، بل لتغطية نفقات الاستشارات والتجهيزات للقوّات المسلّحة المصرية والأمنية، وذلك لصالح الشركات الأميركية التي تقوم بذلك. بمعنى آخر، هي تمويل للشركات الأميركية من قبل الخزينة الأميركية عبر الدولة المصرية "المستفيدة" من تلك المساعدات. فهي لا تؤثّر في الاقتصاد المصري لا من قريب ولا من بعيد.

اتفاقيات الغاز لمصلحة الكيان
ملف الغاز بين مصر والكيان الصهيوني أقرب إلى مسلسلات التلفزيون المثيرة المضحكة والمبكية في آن واحد، وهي تستحق مقاربة مفصّلة. يمكن اختصار المسلسل، بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة تصدير الغاز المصري إلى الكيان والتي امتدت بين 2004 و2011، والمعروفة بخط "حسين سالم" رجل الأعمال المصري وبطل تلك الاتفاقية؛ المرحلة الثانية هي مرحلة تصدير الغاز من الكيان الصهيوني إلى مصر التي بدأت سنة 2018 والتي لا ندري مدى استمرارها؛ والمرحلة الثالثة هي مرحلة إعلان الحكومة المصرية في أيلول 2018 الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي وعدم الحاجة إلى الاستيراد، خاصة بعد اكتشاف حقل ظهر سنة 2015، والذي تمتلك شركة إيطالية الحصة الأكبر من حقوق الانتفاع.
المرحلة الأولى قضت بتصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني بسعر بخس جدّاً. سعر المبيع تراوح بين سبعين سنتاً و1،5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بينما كلفة إنتاج الكمية نفسها بلغت 2،65 دولار. قوبل هذا الاتفاق بمعارضة شعبية واسعة تحت شعار "لا لنكسة الغاز"، والتي قادها السفير السابق ابراهيم يسري، عضو المؤتمر القومي العربي. لكن الاتفاقية نفّذت وبدأ الضخ في شباط 2008، ويقدّر أن مصر كانت تمدّ الكيان الصهيوني بنحو 40 في المئة من احتياجاته من الغاز الطبيعي، أي إن مصر تكبّدت خسارة توازي 715 مليون دولار!
وفي سنة 2011 تعرّض الخط الذي كان يمد الغاز من العريش إلى عسقلان على طول 89 كيلومتراً لسلسلة هجومات استهدفته أكثر من 15 مرّة. ومسؤولية التفجير تبنّتها مجموعة من "الملثمين" المجهولي الهوية. خلال تلك السنة تمّت مراجعة العقود، إلى أن أعلن إلغاء الاتفاقية في شهر نيسان 2012.
المرحلة الثانية بدأت في سنة 2014 حين عقدت مصر اتفاقاً لشراء الغاز من الكيان الصهيوني. أبرم الاتفاق بين شركة صهيونية ــــ وشركة "دولفينوس" المصرية، وبدأ العمل بها سنة 2018. وينصّ الاتفاق على تزويد مصر بـ 64 مليار متر مكعّب سنوياً مستخرجة من حقلي تمار وليفياتان في شرق البحر المتوسط، ولمدة عشر سنوات بقيمة تبلغ 15 مليار دولار.
المضحك هنا هو "اكتشاف" الجانب الصهيوني أن الأنبوب الذي ينقل الغاز إلى مصر لا يكفي، لأن الأنبوب يُستعمل لتصدير الغاز المصري إلى الأردن. من جهة ثانية، تبّين أن الخلافات القديمة ألقت بظلالها على الاتفاقية الجديدة، إذ طالب الطرف الصهيوني تعويضاً يوازي ملياراً و760 مليون دولار. وفي شهر حزيران 2019 توصلت مصر إلى تسوية بشأن النزاع على إلغاء الاتفاقية، تدفع من خلالها تعويضاً بقيمة نصف مليار دولار. هذا يعني أن الاتفاقية الأولى كانت خسارة فادحة، بينما تواجه الاتفاقية الثانية صعوبة لدى الطرف الصهيوني في نقل الغاز إلى مصر.
المرحلة الثالثة بدأت في أيلول 2018 عندما أعلنت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل "ظهر"، ما يلغي الحاجة إلى الاستيراد. فما هو مصير الاتفاقية الثانية التي عقدت مع الجانب الصهيوني؟ ليست هناك إجابة عن ذلك حتى الساعة؟

مزاج الشعب
تجربة التطبيع مع الكيان الصهيوني كانت فاشلة على الصعيد الاقتصادي. ويعود ذلك إلى مقاومة الشعب المصري ورفضه، في حالة عامة وفي عدد من القضايا المحددة، كقضية اتفاقية الغاز، للتطبيع مع الكيان الصهيوني. كما أن المنافع المرتقبة من اتفاقيات السلام من رخاء اقتصادي، لم تحصل. ومن جهة أخرى، استجابت الدولة المصرية للضغط الشعبي في قضية الغاز، كما أنها لم تعمل على تغيير مزاج الشعب في مصر تجاه العلاقة مع الكيان.

**باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي



* هذا المقال هو واحد من حلقات عديدة مقتطفة من الورقة التي أعدّها الباحث والكاتب الاقتصادي والسياسي، زياد حافظ بعنوان: «البعد الاقتصادي للتطبيع: الواقع والمواجهة»، والتي قدّمها في منتدى «متحدون ضد التطبيع» في 21 شباط 2021. يقول حافظ إن مهمة الورقة ليست تعداد المكتسبات التي حققها الكيان الصهيوني من خلال اتفاقيات السلام والتطبيع غير الرسمي الذي تعمّم في التسعينيات، بل التركيز على فكرة أساسية أن هذه الاتفاقيات لم تؤدّ إلى تحسين المشهد الاقتصادي للدول التي أقدمت على تلك الخطوة



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام