الأزمة التي يعيشها لبنان لا تشبه أيّاً من الأزمات الاقتصادية التي مرّت على البلاد. إذ أن تفتّت منظومة الاقتصاد السياسي اللبناني هو مقدّمة لإعادة صياغة قواعد الاقتصاد السياسي في مرحلة ما بعد الأزمة من أجل تشكيل منظومة جديدة. انطلاقاً من هنا، يصبح مكمن الصراع حول أنواع وأشكال خطط المعالجة. بمعنى آخر، يجب عدم السماح بتركيب منظومة اقتصاد سياسي جديدة متماثلة مع المنظومة السابقة المفتتة. في سبيل ذلك، يجب تفكيك وتفنيد العوامل التي أدّت إلى نشوء المنظومة وتشابكها مع الطوائف اللبنانية، ما يضمن نجاح أي خطّة من دون الاصطدام بالطوائف. في المقالة السابقة بعنوان «تحت عباءة الطائفة 1: رأس المال الأوروبي وسيطرة التجارة والخدمات» تركّز الموضوع حول دعم الطوائف لهيمنة قطاعات الخدمات على المشهد الاقتصادي وارتباطها برأس المال الأجنبي وخصوصاً الفرنسي. لكن المشهد لا يكتمل بالتجار والخدمات، من دون المصارف. مسار نشوء القطاع المصرفي وتطوّره يشبه إلى حدّ كبير مسار قطاع الخدمات؛ فالمصرفيون استنسخوا علاقة التجار ووكالاتهم الحصرية بالطوائف، في بناء مداميك القطاع. ولم يتصدّر هذا القطاع المشهد الاقتصادي إلّا لأنه اختطّ هذا المسار.


داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

البدايات: نمو محدود
لا يمكن فصل مسار نشوء القطاع المصرفي اللبناني عن إنشاء بنك لبنان وسوريا (BSL) في عام 1919 برأس مال فرنسي. فقد أنشئ هذا المصرف كشأن فرنسي خالص، وحصل على تفويضه لطباعة العملة في لبنان وسوريا (لمدة عشرين عاماً) عن طريق اتفاق بينه وبين وزارة المالية وبموافقة وزارة الخارجية الفرنسيتين. كذلك، كان خاضعاً للقوانين الفرنسية في تعاملاته كافّة، بحسب هشام صفي الدين في كتابه «دولة المصارف: تاريخ لبنان المالي». وما عزّز موقع BSL، هي السياسات المالية لسلطات الانتداب الفرنسية المفصّلة على مقاس المصالح الخاصة الفرنسية، ومنها BSL، على حساب تنمية الأسواق المالية المحليّة. لذا لم تتطور الأسواق المالية إلى أبعد من حدّ الصيرفة والوساطة المالية التجارية. يضرب صفي الدين مثالاً عن هذا المسار، مشيراً إلى رفض سلطات الانتداب قوننة إنشاء شركات محدودة المسؤولية فضلاً عن تلزيم الانتداب قيادة الاقتصاد إلى BSL وتثبيت سعر صرف الليرة عند 20 ليرة للفرنك الواحد. وبواسطة هذا المصرف، أُتيح لرأس المال الفرنسي، اختراق الاقتصاد السوري - اللبناني والهيمنة عليه، ولا سيما في الداخل السوري حيث لم يكن رأس المال الفرنسي قد توسّع فيه قبل الحرب العالمية الأولى.
في المحصّلة، عمل BSL في السنوات ما بين الحربين العالميتين، على تكثيف أرباحه على حساب تنمية الاقتصاد. كان يعمل على جبهتين: رفع مستويات الفائدة حتى في حالات بطء النموّ الاقتصادي، استثمار الودائع في سندات الخزينة الفرنسية. وفي هذه الفترة، هيمنت المصارف الأجنبية (الفرنسية خصوصاً) على القطاع، إذ كانت واجهة لرأس المال الفرنسي، كمورد لا متناهٍ من وراء البحار. وفي الوقت نفسه، كانت المصارف المحليّة عبارة عن فروع صغيرة ذات ملكية فرديّة أو عائلية مرتبطة بتقديم الخدمات للمحيط الجغرافي الملاصق لها. فكان رأس مال المصارف المحليّة محدوداً، وغير متحرّك، ويعتمد على موارد وعلاقات صاحب المصرف، كما يشرح صفي الدين. لكن توسع دور المصارف المحلية يعود إلى معرفتها بالمجتمعات التي تقدّم لها الخدمات، وقدرتها على الإلمام بالوضع المالي للزبائن المقترضين. فتحوّلت إلى وسيط بين رأس المال الأجنبي، الخائف من المخاطر، والمقترضين المحليين. وبالطبع فإنّ العائلات التي كانت تملك رأس المال الكافي لتأسيس مصارف محليّة، هي نفسها العائلات التي راكمت رؤوس أموال من التجارة والاستيراد من الأسواق الغربية، والتي كانت قد أصبحت متشابكة بشكل عضوي مع الطوائف اللبنانية.
منذ دخول رأس المال الأميركي - الخليجي في خدمة منظومة رأس المال السياسي اللبناني شكّلت المصارف المحرّك الذي يدفع عربة «جمهورية التجار» إلى الأمام وقد برز هذا الأمر في جهود تأسيس جمعية المصارف (على يدي بيار إدّه) وتدخّلها في تأسيس مصرف لبنان عام 1963


وبقيادة BSL، تحول القطاع المصرفي اللبناني (والسوري) إلى مقرض للتجار واحتكاراتهم ومضارباتهم، على حساب إقراض قطاعات الإنتاج التقليدية، كالزراعة والصناعة. ومن الضروري الإشارة إلى أنّه، حتى عام 1948، كان من شبه المستحيل التمييز بين الاقتصادين السوري واللبناني؛ وذلك أولاً، بسبب ضمّ أجزاء من الساحل السوري كانت حتى عام 1919 غير مرتبطة اقتصادياً بجبل لبنان. وثانياً، لأنّ الفرنسيين أداروا اقتصاد البلدين من خلال BSL واتحاد جمركي واحد. ولكن مع اقتراب انتهاء تفويض BSL في عام 1939، كانت بداية إظهار التمايز اللبناني عن المسار الاقتصادي السوري، وهيمنة الطوائف على الاقتصاد اللبناني.

مساران والانفصال
يتطرق صفي الدين إلى أشكال الاختلاف الكبيرة بين القيّمين على الاقتصادين السوري واللبناني. فمنذ عام 1937 رفض السوريون، من خلال أطر الحكم المحلية تحت الانتداب، تجديد تفويض BSL بالشروط نفسها الممنوحة من الانتداب. وفي ذلك الوقت، سارع اللبنانيون إلى القبول بتجديد التفويض، بالشروط نفسها التي كانت قائمة ولمدة 25 عاماً، وكان ذلك تعبيراً صارخاً عن مصالح التجار. إلّا أن الحرب العالمية عطّلت المسار التفاوضي السوري، وأجّلت الانفصال. ولكن في عام 1947 عاد موضوع ربط الليرة (السورية اللبنانية) بالفرنك الفرنسي إلى الواجهة بسبب تدهور قيمة الفرنك الفرنسي وتدهور قيمة الليرة المرتبطة به. وبما أن البنك الذي يُصدر العملة هو البنك الفرنسي (BSL)، وجد السوريون واللبنانيون أنفسهم أمام ابتزاز فرنسي للقبول بفكّ الارتباط. الفرنسيون طالبوا بإلغاء ديون البلدين المتوجبة على فرنسا بسبب الحرب. السوريون رفضوا الأمر، بينما سارع اللبنانيون إلى القبول بالشروط الفرنسية. السبب يكمن في ضمان ارتفاع سعر صرف الليرة من أجل تحفيز العمليات الاستهلاكية، وهو أمر محبّذ لدى التجّار لأنه يرفع قدرتهم على تصريف المنتجات المستوردة في السوق المحلية. بالإضافة إلى ذلك، إن التحرّر من الفرنك المتدهور، سيساعد على ضمان سهولة تدفق رؤوس الأموال. أما على الضفة السورية، فكانت الحسابات مرتبطة بتأمين رأس المال لتنمية الزراعة وتأسيس قطاع صناعي. في النتيجة، بدأ BSL يصدر الليرة اللبنانية، وتدهورت قيمة الليرة (السورية - اللبنانية)، كما هربت رؤوس الأموال السورية إلى لبنان، وسرعان ما انهار الاتحاد الجمركي بين البلدين، في تعبير عن هيمنة التجار على القطاع المالي اللبناني.

الانفجار الكبير
كان القطاع المصرفي اللبناني، ولغاية نهاية الأربعينيات، عبارة عن واجهة لرأس المال الفرنسي، إلا أنه بعد الانفصال الاقتصادي بين البلدين وولادة الليرة اللبنانية، توسّع بشكل هائل في كتابه «اقتصاد سياسي للبنان»، يحدّد توفيق كسبار ما حصل في إطار ثلاثة عوامل خارجية رئيسية؛
- الأول مرتبط بالنكبة الفلسطينية وهروب جزء كبير من رؤوس الأموال الفلسطينية إلى القطاع المصرفي اللبناني.
- الثاني، يتعلق بتدفق المال على المنطقة من خلال عوائد النفط، وتحول جزء كبير من رأس المال الخليجي إلى القطاع المصرفي في لبنان.
- الثالث، فكان صعود الاشتراكية في العالم العربي وهروب رؤوس الأموال من سوريا ومصر والعراق إلى القطاع المصرفي اللبناني.
لكن كسبار يضيف عاملاً داخلياً أساسياً، وهو إقرار قانون السرية المصرفية في عام 1956.
بالفعل، هذا القانون حصّن رؤوس الأموال، وأعطى المصارف اللبنانية عوامل قوة إضافية في علاقتها مع الدولة اللبنانية، كما يقول صفي الدين خلال عرض لنمو القطاع المصرفي بين عامي 1950 و1962. خلال تلك الفترة ازداد الدخل القومي اللبناني بمتوسط نمو 4.5% سنوياً، وبلغت حصّة القطاع المالي من هذا النمو 200% (95% من هذا القطاع كان مصرفياً). بينما ازدادت الودائع المصرفية خلال الفترة نفسها 500%، وارتفع عدد المصارف من 9 في 1945، ثم إلى 85 مصرفاً في عام 1962.
أثر هذا التوسع الكبير في حجم القطاع المصرفي، انقسم القطاع إلى قسمين؛ الأول مثّل رأس المال الفرنسي (القديم) الذي تحلّق حول قيادة BSL رافضاً تنظيم القطاع. وبرز من هذا الفريق الأخوان ريمون وبيار إدّه (وللأخوين فضل كبير على القطاع). في المقابل تشكّل فريق يمثّل رأس المال الجديد (الأميركي والخليجي) كان راغباً في تنظيم القطاع للحدّ من سطوة BSL. الصراع بين هذين الفريقين لم يتطوّر إلى عداوة أو انقسام عمودي، بل يمكن توصيفه بالصراع على الريادة بين رأس المال الجديد والقديم، وفق صفي الدين.
الواقع هو أن العامل الأساسي في هذا الصراع، كان دخول رأس المال الأميركي إلى لبنان. ويعود هذا الدخول إلى الهيمنة الأميركية على الأسواق العالمية بعد اتفاقية بريتون وودز (1944). فقد أصبحت الولايات المتحدة الناظم لأسواق رأس المال العالمية عبر مجموعة أدوات منها صندوق النقد الدولي. وأتى دخول رأس المال الأميركي مشروطاً بتطبيق سياسات صندوق النقد، ومن بينها تنظيم القطاعات المالية في الاقتصادات النامية عبر إنشاء مصارف مركزية.
بحسب صفي الدين، واجه القطاع المصرفي اللبناني الضغوط الساعية إلى تنظيمه، عبر استحضار أدبيات ميشال شيحا (المصرفي بامتياز) عن الفرادة اللبنانية، وحب اللبنانيين للتجارة والحرية وما ينبثق عن هذا من رغبة في الحفاظ على تدفق رؤوس الأموال من دون تدخل أو تنظيم من الدولة. هكذا أصبحت الـ«Laissez-faire» عقيدة لا يمكن المسّ فيها عند أرباب كل القطاعات الخدماتية اللبنانية، كما يفيد كسبار.
في نهاية المطاف هيمن رأس المال الجديد على القطاع المصرفي. لكن هذه الهيمنة لم تنعكس رغبة في التنظيم المؤسّساتي للقطاع المالي، بل في تنظيم ما يتناسب مع الفرادة اللبنانية، والحفاظ على أعلى درجة ممكنة من الحرية الاقتصادية (Laissez-faire). وفي الحقيقة لم تكن هيمنة رأس المال الجديد (الأميركي- الخليجي) على ذاك القديم (الفرنسي)، تعني خروج مصرفيين من الصورة ودخول غيرهم إليها. يعرض صفي الدين أسماء بعض من التجار والمصرفيين اللبنانيين الذين سعوا لاستقطاب رأس المال الأميركي أو السعودي، ومنهم: هنري فرعون (من كبار التجّار في بيروت والمصرفيين)، ميشال خوري (من كبار المصرفيين وهو ابن بشارة الخوري)، صائب سلام (من كبار تجّار بيروت ورئيس حكومة لاحقاً)، بيار إدّه (مصرفيّ وشقيق ريمون إده وابن إميل إدّه)، سامي الصلح (مصرفي ورئيس حكومة لاحقاً)، حسين العويني (من كبار تجّار بيروت ورئيس حكومة لاحقاً). في المقابل كان رأس المال الأميركي والسعودي، يشارك هؤلاء التجار والمصرفيين (وهم يمثلون طوائفهم في المنظومة السياسية أيضاً) لضمان حصص سوقية وازنة في سوق المال اللبنانية.
عملياً، استمرّ القطاع المصرفي، متمثلاً بهؤلاء وغيرهم، في توزيع رأس المال على قطاعات الخدمات والتجارة والمضاربة، ما ضمن دخول رأس المال الجديد في خدمة منظومة رأس المال السياسي اللبناني وتطويع أي جهود لتوزيع رأس المال الجديد بشكل مختلف عمّا فرضته المنظومة سابقاً؛ فشكّلت المصارف المحرّك الذي يدفع عربة «جمهورية التجار» إلى الأمام. وبرز هذا بالأخص في جهود تأسيس جمعية المصارف (على يدي بيار إدّه) وتدخّلها في تأسيس مصرف لبنان عام 1963.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام