اعتاد اللبنانيون على السفر إلى بقاع الأرض من أجل الرزق وتحصيل العلم. أرقام الطلاب اللبنانيين الذين يقصدون دول العالم قاطبة، كانت على تزايد خلال السنوات الماضية. لذا فإن خبر تأثّر الأهالي غير المحظيين بإرسال الأموال إلى الخارج، لم يكن صدفة. فهو خلاصة سياسة تعليمية شديدة المرونة لجهة الترخيص لمؤسّسات تعليمية غبّ الطلب، وسياسة الإفادات وانتفاع الآلاف منها بغير حق، فضلاً عن المصادقة على الشهادات الجامعية المستوردة كيفما كان. ومن هنا تأسّست لجنة الطلاب اللبنانيين في الخارج. هي لجنة من لجان كثيرة تولد من رحم المعاناة، وكثيرة هي المعاناة في وطن لا سلطات تعمل فيه بالقدر المطلوب.


أنجل بوليغان ــ المكسيك

بمعزل النظر عن أحقيّة الطلاب وأهاليهم في النأي بأنفسهم عن الأزمة النقديّة في البلاد! أليس حريّاً بالسلطة التشريعيّة خصوصاً في ظل محدودية الاحتياط النقدي من العملات الصعبة، أن تشبع ملفاتها درساً قبل إقرارها، أم أن التشريع في جمهورية الموز هو عمل من لا عمل له؟
ينصّ القانون الرقم 193 الذي أُقرّ في مجلس النواب بتاريخ 30 أيلول 2020 ووقّعه رئيس الجمهورية في 16 تشرين الأول 2020، في مادته الأولى: «على المصارف العاملة في لبنان إجراء تحويل مالي لا تتجاوز قيمته عشرة آلاف دولار أميركي لمرة واحدة لكل طالب من الطلاب اللبنانيين الجامعيين المسجّلين في الجامعات أو المعاهد التقنية العليا خارج لبنان قبل عام 2020-2021، من حساباتهم أو حسابات أولياء أمورهم أو ممن لم يكن لديهم حسابات في المصارف بالعملة الأجنبية أو العملة الوطنية اللبنانية وفق سعر الصرف الرسمي للدولار 1515 ليرة وذلك بعد إجراء المصارف المقتضى للتثبت من حق المستفيد…».
إشكاليات هذا القانون كثيرة، منها: أنه ساوى ما بين الأهالي من أصحاب الملايين والموظفين الصغار من جهة؛ ولم يُحدّد أي الاختصاصات يحتاج إليها الوطن لتطوّره، وبالتالي لدعمها وتمويلها من احتياطات العملة الصعبة النادرة في زمننا هذا؛ والأهم ساوى بين جميع الجامعات في الخارج وبأحقيّة الحصول على شهادة منها بمعزل عن جدارة وكفاءة الجامعة التي تمنحها.
ما هي القيمة المتوجب دفعها لتغطية هذا القانون؟ بالاستناد إلى أرقام معهد اليونيسكو للإحصاء، (وهي الأرقام الوحيدة المتوافرة) هناك أكثر من 18 ألف طالب لبناني يدرسون في الخارج يتوزعون على أكثر من خمسين وجهة. أي أن كلفة تطبيق هذا القانون تتجاوز 200 مليون دولار سنوياً.
أين يتعلم اللبنانيون في الخارج؟ فرنسا ما زالت في الصدارة وهي من الدول التي اعتاد اللبنانيون على السفر إليها بهدف التعلّم. لكن هناك العديد من الدول على اللائحة، ما يثير سؤالاً أساسياً: ما هو مستوى الجامعات في هذه الدول؟ هل الجامعات هناك أفضل من مؤسّسات التعليم العالي المحليّة؟ هل هناك ضرورة ليتعلم فيها اللبنانيون، أم هي فقط شهادة خارجية؟


عالميًّا، وبالاستناد إلى إحصاءات اليونيسكو، هناك 5.3 ملايين طالب يتعلمون خارج أوطانهم في عام 2019، مقارنة مع مليونَي طالب في عام 2000. يدفعهم إلى ذلك، قدرة الأهالي الماليّة وعدم ثقتهم بالجامعات في بلادهم لتحصيل الدرجات العلمية أو للقيام بدراسات غير متوافرة، أو تكون محفّزة بقوانين حكومية مثل «الابتعاث» في دول الخليج التي ترسل أبناءها للتعلّم في جامعات عالية التصنيف دولياً لكي تسهم في بناء رأس مال بشري قادر على تسلّم المهام كافة في وطنه، وبالأخصّ في الإدارة العامة؛ السعوديّة مثلاً، ترسل الآلاف سنويّاً على نفقة الحكومة للقيام بدراسات عليا في الخارج، لكنها باتت تلزم المتقدّمين بشرط أن يكون المواطن موظفاً حكوميّاً.
دول الخليج تحدّد الجامعات التي يجب أن يتعلم فيها مواطنوها، وهي تموّل دراستهم فيها. وبمقدار ما هي مسألة التمويل مهمة، إلا أن هناك أهمية إضافية في لبنان متصلة بتصديق الشهادات؛ بناءً على أي معايير تصدّق وزارة التربية والتعليم العالي، الشهادات الخارجية؟ هل تصدّق أي شهادة صادرة عن أيّ جامعة مرخّصة في الخارج مهما كان مستواها الأكاديمي، وإنفاقها البحثي، ودرجة الأساتذة فيها، وحجم أبحاثهم المنشورة في المجلات المحكّمة الدولية، وحجم الاستشهادات بها، ناهيك بنسب التوظيف لحملة شهاداتها؟ الأمر الغالب هو أننا نعيش في جمهورية موز في مختلف المجالات والحقول، إذ لا عمل لأجهزة الخدمة العامة سوى التظاهرات السنويّة والمطالبات بزيادة رواتب، مدفوعين بنوّاب للأمة يشرّعون كيفما اتفق.
على أي حال، هناك أدوات تسمح بتحديد المعايير. ففي ظل عالمية العلم وأهمية البحث العلمي، هناك عدد من المؤسّسات الدوليّة التي تصدر تصنيفاً سنوياً للجامعات الأرقى والأهم بالاستناد إلى المعايير الآتية: السمعة الأكاديميّة للمؤسّسة (نتيجة استبيان لأساتذة في التعليم العالي عن جودة البحوث، والتدريس)، عدد الاقتباسات لكل كلية (العدد الإجمالي للاقتباسات التي نالتها جميع الأوراق البحثية التي تمّ نشرها خلال الخمس سنوات السابقة من قبل أعضاء هيئة التدريس)، نسبة أعضاء هيئة التدريس على الطلاب، وسمعة المؤسسة الأكاديمية، ونسبة أعضاء هيئة التدريس الدوليين، ونسبة الطلاب الدوليين.
الأجدر بالنواب إقرار تشريع يحتضن الطلاب الذين يواجهون صعوبات في إكمال دراستهم في الخارج عبر مساعدتهم على استكمال تحصيلهم في الجامعة الوطنية وتقديم الدعم المناسب لها


إذاً، إلى أي مدى تنسجم المعايير المتبعة في لبنان مع المعايير العالمية؟ في اتصال هاتفي مع السفارة اللبنانية في كييف (أوكرانيا)، حول أبرز ثلاث جامعات يدرس فيها الطلاب اللبنانيون هناك، وبعد البحث عنها بالاعتماد على تصنيف (QS World) وهو الأكثر اعتماداً لأنه يصنّف أهم ألف جامعة في العالم، تبيّن أن الجامعة الأولى لجهة عدد الطلاب اللبنانيين المسجّلين هناك، غير مصنّفة ضمن مؤشّر (QS World). بمعنى آخر، إن ترتيب هذه الجامعة يتجاوز الألف. كذلك، فإن الجامعة الثانية في أوكرانيا التي يسجّل فيها طلاب لبنانيون، تحتلّ المرتبة الـ 477 دوليّاً، والجامعة الثالثة تحتلّ المرتبة الـ 700 على مستوى العالم. هذا هو حال عشرات الوجهات التعليميّة في عشرات الدول غير المصنّفة ضمن خريطة البحث العلمي العالمي، في ظل غياب وزارة التربية والتعليم العالي عن القيام بأبسط أدوارها في التوجيه والإرشاد الى الجامعات ذات السمعة العلميّة الدوليّة، وغياب السفارات اللبنانية في الخارج عن تسليط الضوء على الجامعات ذات المستوى العلمي الراقي في أماكن تواجدها.
أما على المقلب الآخر، فيظهر من خلال ذات التصنيف لعام 2021 وجود عدد من الجامعات اللبنانية المصنّفة في مراتب جيدة؛ الجامعة الأميركية في بيروت تحتل المرتبة الـ 220 عالميّاً والثانية (2) عربيّاً، تليها الجامعة اللبنانية الأميركية في المرتبة الـ 551 دولياً والرابعة عشرة (14) عربيّاً، وجامعة القديس يوسف في المرتبة الـ 541 عالميّاً والمرتبة التاسعة عشرة (19) عربياً، والجامعة اللبنانية في المرتبة الـ 701 دولياً والحادية والعشرين (21) عربياً.
هنا نسأل: في خضمّ الأزمة التي نعيشها، ألم يكن جديراً بالنواب الطلب من الجامعات الوطنيّة احتضان الطلاب الذين لديهم صعوبات في إكمال دراستهم في الخارج، على أن تتم معادلة سني دراستهم في الدول التي كانوا يتعلّمون فيها؟ كذلك، ألم يكن مناسباً تقديم دعم مادي مباشر للجامعة اللبنانية والجامعات المحليّة بزيادة الإنفاق على البحوث، وعلى نشر الأوراق العلميّة في المجلات الأكاديميّة، ما ينعكس تطوراً في تصنيفها العربي والدولي، وفي نوعيّة أساتذتها وطلابها، وفي خدمتهم للعلم والوطن؟

* باحث اقتصادي

تابع «رأس المال» على إنستاغرام

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا