منذ اندلاع الحرب التجارية الأميركية- الصينية، اتجهت أنظار العالم إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وبالأخص إلى منطقة شرق آسيا. وفي خطوة اعتبرها معظم الخبراء جزءاً من التصدّي الصيني لمفاعيل الحرب التجارية، وقّعت الصين مع 14 دولة أخرى على اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة»، في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من العام الماضي. والدول الموقّعة هي دول «الآسيان» (بروناي وكمبوديا وإندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام) مع 5 دول شريكة أخرى (أستراليا والصين واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية). وفي الحقيقة هذا الاتفاق، الذي يؤسّس- إن تكلّل له النجاح- كتلة اقتصادية ضخمة، يهدف بالنسبة إلى الصين إلى أبعد من مجابهة حرب تجارية افتتحها دونالد ترامب. فهذا الاتفاق يلعب دوراً أساسياً في نجاح الصين في تأمين أمنها الإستراتيجي والاقتصادي والتجاري، وفي أن يمكّنها من خلق منظومة عالمية خاصة بها في شرق آسيا، بعيداً عن منظومة الاقتصاد العالمي الموحّد الذي تتسيّده الولايات المتحدة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

تحديات السقوط
هذه القناعة الصينية بضرورة خروج الصين من سطوة منظومة الاقتصاد العالمي الموحّد ليست وليدة نزعات جديدة. بل هي وليدة ذاكرة إمبراطورية أعاد إحياءها تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949. فالتحديات التي عاشتها الصين منذ سقوطها التدريجي من مصافي القوى العظمى في القرن التاسع عشر حفرت عميقاً في وعي القوى التحرّرية الصينية. وحتى اليوم لا تزال هذه التحديات ماثلة بشكل أو بآخر. ويستفيض تانغوي ستروي دي سويلاند، في بحث «منطقة المحيطين الهندي والهادئ: اللعبة الكبرى الجديدة بين الصين والولايات المتحدة»، في استعراض هذه التحديات. فالصين محاصرة جغرافياً من الولايات المتحدة، التي لا تزال قوة مهيمنة في المحيط الهادئ، بالإضافة إلى أنّها لا تزال قادرة على التحكم بالممرات التجارية الأساسية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. وفي محيطها المباشر الصين مقيّدة في الجنوب بمضيق ملقّا ودول «الآسيان»، وفي الشمال من قبل اليابان وكوريا الجنوبية (مضيق كوريا / تسوشيما)، وفي الشرق من قبل تايوان.
يمكن تقسيم هذه القيود إلى ثلاثة أقواس:
- الأول هو قوس اليابان - كوريا الجنوبية - دييغو غارسيا، الذي يتميز بقواعد العمليات الأميركية (والبريطانية) الأمامية.
- الثاني هو القوس من غوام إلى أستراليا.
- الثالث هو القوس من جزر هاواي - ميدواي - أليوشيان إلى ألاسكا.
هذه الأقواس لا تشكّل تهديداً أمنياً مباشراً فحسب، ولكنّها - والأهم ربما - تشكّل تهديداً دائماً على تجارة الصين. فمثلاً، تمرّ 25% من الصادرات الصينية و 15% من وارداتها عبر مضيق ملقّا، وكذلك 75% من وارداتها من الطاقة. أمّا تجارة الصين إلى شرق المحيط الهادئ فيجب أن تمرّ في الممرات المائية الواقعة تحت سيطرة اليابان وكوريا الجنوبية. علماً بأن 90% من الصادرات الصينية تُشحن في البحر.

تفكيك الأقواس
لذا، ترى الصين أن حماية مصالحها الجيو - اقتصادية، والجيو - استراتيجية، تتطلّب تعزيز أمنها البحري في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، بحسب دي سويلاند. لذا تسعى الصين أولاً إلى بناء قوّتها البحرية بما يمكّنها من الدفاع عن نفسها وتأمين الممرات المائية الأساسية لتجارتها. وبالتالي، تُظهر الصين رغبتها في خلق قدرة للتدخل في المحيط الهادئ وما وراءه، حيث الهدف هو أن تصبح البحرية الصينية عالمية بحلول 2040-2050.
وتسعى ثانياً إلى استغلال المجال الجغرافيّ والتفاوتات المالية والثغرات في المنظومة العالمية لمصلحتها. وتتبع الصين «إستراتيجية السلحفاة» (أي أن تكون قوية في البرّ والبحر)، بالإضافة إلى السعي إلى السيطرة على المناطق المطلة على مجالها البحري، وإعادة إنتاج طرق الحرير التقليدية (واحد إلى الشرق الأوسط وأوروبا وروسيا من خلال آسيا الوسطى وواحد إلى جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا عبر التبت وميانمار ولاوس وكمبوديا وتايلاند) وإنشاء طريق حرير بحري (من بحر الصين الشرقي إلى المحيط الهندي).
ومنذ عام 2010، أدرجت بكين بحر الصين الجنوبي وممرات الاتصال البحرية كمصالح وطنية أساسية. ورغم أنه يُنظر إلى الصين على أنها قوّة بريّة أوراسية في المقام الأول، إلا أنها تاريخياً قوة بحرية أيضاً. فالصين تشتمل على خط ساحلي بحري يبلغ طوله 18000 كيلومتر، وتطالب بالسلطة على مساحة 4 ملايين كيلومتر مربع من المياه البحرية. باختصار، ما تهدف إليه الصين، وبدأنا نشهد بداياته في العقد الأخير، هو إعادة تشكيل تاريخية طويلة للمناطق المطلة على المحيطين الهندي والهادئ وللسواحل الآسيوية حيث تكون المعركة لرسم خريطة جيوسياسية جديدة للمنطقة.
الصين هي القوة البحرية الثانية في العالم وأسواقها هي الأكبر حجماً بعد أميركا وأصبحت «مصنع العالم»


وتقدم الصين استراتيجيتها من خلال تقديم تجربة رحلات «تشنغ خه» (1403-1433) كنقطة مرجعية، لإضفاء الشرعية على تطوير البحرية الصينية. فيعيد الصينيون التذكير بهذه الرحلات بشكل مستمر، للإشارة إلى أن الصين كانت دائماً قوّة بحرية مسالمة وليست إمبريالية أو عدوانية. بالنسبة إلى الصين، الهيمنة على بيئتها البحرية المباشرة على مدى قرون عديدة - من خلال نظام الجزية - ضمنت التطور السلمي للمنطقة. وعليه تقدّم الصين مساعيها على شكل مشروع يضمن التطور السلمي الجماعي للمنطقة، تكون هي المركز فيه. علماً بأن الصين لا تزال تصنّف نفسها دولة نامية، لذا تصف نموذج التنمية الخارجية الذي تروّج له بنموذج تنمية «جنوبي - جنوبي».

ما بين اتقاقيتين
من هذا المنطلق يمكن فهم السعي الأميركي الحثيث لإتمام اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» منذ بداية المفاوضات حولها عام 2008 حتى وصول دونالد ترامب إلى سدة رئاسة الولايات المتحدة. فبرغم أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بالتفوّق العسكري في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، إلاّ أن الجهود الصينية في العقود الثلاثة الماضية أكسبتها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً واضحاً في المنطقة. لذا، كان لزاماً محاصرتها اقتصادياً وعزلها عن المحيط الحيوي الذي لا يمكن لها إتمام تجارتها إلّا من خلاله. ويشرح جيفري ويلسون، في بحثه «صفقات التجارة الإقليمية الضخمة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ»، أن اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» مبنية على أساس تحرير التجارة على نموذج منظمة التجارة العالمية، الذي يفرض أكلافاً باهظة على البلدان النامية. وعليه، يُرجح أن تكون فجوات التنمية داخل المنطقة حاسمة، حيث ستتمتع الدول الأكثر ثراءً (مثل أستراليا واليابان وكوريا وسنغافورة) بقدرة أكبر على تحرير التجارة على هذا النموذج مقارنة بالدول النامية في «الآسيان». لذا كانت دول «الآسيان» تتردّد في المضي قدماً، بينما كانت الولايات المتحدة مطمئنة بأن الصين لن تدخل هذه الاتفاقية، وبهذا ستُعزل عن محيطها.
وفي المقابل بدأت المفاوضات حول اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» في عام 2011، بمبادرة من دول «الآسيان». وفي سبيل المقارنة، يشرح ويلسون أن هذه الاتفاقية تعطي دول «الآسيان» دور «المحور» الذي ستدور حوله ترتيبات التجارة الحرة المتعدّدة الأطراف. وبهذا تكون دول «الآسيان» - وهي بالمناسبة الأقل نمواً بين الدول الموقّعة - العمود الفقري للنزعة الإقليمية لاقتصادات الدول الأعضاء في الاتفاق، بما يتناسب مع موقع «الآسيان» في التجارة الإقليمية اليوم. ويعود هذا إلى بنود الاتفاقية التي لا تفرض الكثير من المعايير الموحدة، ولا تشترط الحدّ من الدعم الحكومي للقطاعات التي ستتحرّر تجارتها. بينما في المقابل ستقوّض اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» الموقع المركزي الذي تحتله دول «الآسيان» رغم جاذبية هذه الاتفاقية لها من الناحية الاقتصادية البحتة (بسبب وجود الولايات المتحدة وسوقها فيها).
وفي الحقيقة، إن الحماسة الصينية لاتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» كانت ضعيفة بداية، وخصوصاً أن الضغط الأميركي لدفع دول «الآسيان» باتجاه الانضمام إلى اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» كان سيجعل من الاتفاقية الأولى غير ذات جدوى. ولكن قرار ترامب بإيقاف العمل باتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» قلّص من منفعتها الاقتصادية في ظل غياب الأسواق الأميركية. وهذا فتح الباب أمام الصين للاستفادة من حجم سوقها لإقناع الدول المفاوضة على اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» بتقديم تنازلات تحفظ الموقع الصيني في منظومة التجارة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتفتح الباب لتطوير هذا الموقع وتعزيزه في المستقبل ضمن أطر تجعل فك ارتباط هذه الاقتصادات شبه مستحيل وعالي الكلفة. علماً بأن الهدف الأول للولايات المتحدة من اتفاقية «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» كان فكّ ارتباط اقتصادات ضفتَي المحيط الهادئ عن الاقتصاد الصيني. وفي هذا السياق، إن أحد أهم بنود اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» هو البند الذي يحدّد قوانين بلد المنشأ. فهذا البند يقدّم قوانينَ فضفاضة لتحديد دولة المنشأ، فيمكن لدولة عضو في الاتفاقية أن تعتبر منتجاً مصنّعاً محليّاً حتى ولو كانت نسبة محتوياته المصنّعة محليّاً أقل من 50% (40% أدنى مستوى مسموح به). وهذا سيصعّب عزل الصين ويقدّم حلولاً لتنويع سلاسل التوريد من وإلى الصين عبر الدول الموقّعة على الاتفاقية، ولا سيما دول «الآسيان». وهذا البند، بالإضافة إلى البنود التي تسهّل الشحن والتوثيق وتحرّر الكثير من السلع من القيود الجمركية، ستُسهم في ربط اقتصادات الدول الأعضاء بالاقتصاد الصيني الأقوى والأقدر على استيعابها. وفي المقابل، محاولة عزل هذه الكتلة التجارية عن الولايات المتحدة والغرب مكلفة، فالدول الموقّعة على اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» تحتوي على 30% من سكان العالم و30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (26.2 تريليون دولار) في عام 2020.

عوامل النجاح
في الإطار العام تخدم اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» النطاق الأوسع للاستراتجية الصينية لتفكيك الأقواس التي تحاصرها وتشكّل تهديداً على مشروعها لتسيّد منظومة عالمية في شرق آسيا. فالارتباط الذي ستخلقه هذه الاتفاقية بين اقتصادات الدول الأعضاء سيتمدد ليصبح نفوذاً سياسياً ستعمل الصين على ترجمته مع الوقت لطرد الولايات المتحدة من شواطئ شرق آسيا والمحيط الهندي. ويبقى أن تستغل الصين بشكل صحيح العوامل المتعدّدة التي تعطيها التفوّق في المنطقة حتى تتمكن من تحقيق ذلك. وأهمّها أنّ للصين عمقاً بريّاً أوراسيّاً يعطيها فضاءً جغرافياً واسعاً؛ وأنّها أصبحت القوة البحرية الثانية في العالم؛ وأنّ الأسواق الصينية هي الثانية من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة، ما يجعل عزلها (بالأخص عن محيطها) مكلفاً جداً، بينما أصبحت الصين «مصنع العالم». وربما أهمّ عامل هو تركيز الصين على اكتساب النفوذ في الدول النامية عن طريق التنمية عبر ما تسميه نموذجَ «جنوبي - جنوبي» حيث المنفعة متبادلة. بالنسبة إلى الصين، النجاح ليس نتيجة استراتيجية قصيرة الأمد، بل نتيجة إجراءات متعدّدة في خدمة إستراتيجية كبرى واحدة، والتركيز أكثر على إستراتيجيات العلاقات وأقل على إستراتيجيات المواجهة، أي أن النصر لا يترجم نفسه من خلال هيمنة لا جدال فيها، ولكن من خلال تقسيم مؤاتٍ لمجالات النفوذ، هدفه النهائي تسيّد منظومة محورها شواطئ المحيط الهندي وغرب المحيط الهادئ.