في 22 أيلول الماضي وقّعت إيطاليا، اليونان، مصر، إسرائيل وقبرص، ميثاق منتدى شرق المتوسط للغاز. الأردن والسلطة الفلسطينية حضرتا بعض اجتماعات هذا المنتدى، فيما طلبت فرنسا الانضمام إليه كعضو، والولايات المتحدة الانضمام كمراقب. تأسيس المنتدى جاء ضمن استراتيجية أبرز الدول المنتجة والمستهلكة والمستثمرة في الغاز في شرق المتوسط، لكن رغم أن تركيا استهلكت 43.2 مليار متر مكعب من هذه المادة في عام 2019، أي إنها من أبرز المستهلكين في المنطقة، لكنها لم تنضمّ إلى هذا المحور، بل عملت على خطوط موازية ضمن استراتيجية قضت بأن تكون مع ليبيا وقبرص التركية على الضفّة المقابلة بهدف مدّ خطوط النقل إلى أوروبا عبر أراضيها التي تجمع بين أوروبا وآسيا. وجاءت الترجمة العملية لأحد مخطّطاتها في تدشين خطّ أنابيب (تورك ستريم) الذي تبلغ طاقته الاستيعابية السنوية نحو 31.5 مليار متر مكعب لنقل الغاز الروسي عبر تركيا نحو أوروبا لتغذية تركيا واليونان والنمسا وسواها.




رقعة الصراع واسعة جداً. فالأنابيب الروسية التي يخطّط لها أن تصل إلى شمال أوروبا، وتحديداً إلى ألمانيا، أثارت سخطاً أميركياً. فمنذ أسابيع انطلقت المرحلة الأخيرة من مدّ خط «السيل الشمالي-2» الذي ينقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا عبر خطّين من الأنابيب تحت بحر البلطيق، لكن سرعان ما لاحت بوادر معركة بين برلين وواشنطن بعدما هدّدت هذه الأخيرة بفرض عقوبات جديدة على كلّ من يشترك في تنفيذه.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى السيطرة على «حنفية» الغاز في المتوسط. هي لا ترغب في السيطرة على عمليات التوزيع والنقل فضلاً عن كونها غير منتجة أصلاً للغاز الطبيعي، بل تسعى إلى السيطرة على المنابع عبر شركات الاستخراج، وأبرزها «شيفرون» التي اشترت «نوبل اينرجي» والتي تلعب دوراً كبيراً في مجال استخراج الغاز في منطقة شرق المتوسط.

مصر: نقطة انطلاق؟
في هذا السياق، اتّفق المنتدى على أن تكون مصر هي المركز المحوري لتصدير غاز منطقة شرق المتوسط. فمن جهة لديها اتفاق سلام مع الكيان الإسرائيلي ولديها الموقع الجغرافي الملائم وبنية تحتية جاهزة. هذه الأمور مفقودة عند باقي الدول ذات الثروة الغازية في المنطقة. فمصر لديها شبكة أنابيب مترامية ومجهّزة لنقل الغاز إلى العديد من دول الجوار، بالإضافة إلى معملَي تسييل للغاز على أراضيها، فضلاً عن كونها منتجة للغاز منذ تسعينيات القرن الماضي، واكتشفت المزيد من الحقول في السنوات الماضية وآخرها كان حقل زهر الضخم الذي يقدّر حجمه بنحو 850 مليار متر مكعب، ما يضعها في الصدارة بين الدول الراغبة في أن تكون نقطة انطلاق وتوزيع غاز المتوسط. ففيما تطلّ مصر على البحرَين الأحمر والأبيض المتوسط ما يجعلها قادرة على تصدير الغاز شرقاً وغرباً، هي تتّصل أيضاً مع الكيان الإسرائيلي بأنبوب عسقلان - عريش الذي يبلغ طوله 90 كلم والذي أُعيد تشغيله عام 2019 وفقاً لاتفاق ثنائي بعدما أوقفته مصر لأسباب أمنية. تقدّر قيمة الاتفاق بنحو 19.5 مليار دولار، وهو ينصّ على أن تستورد مصر 85.3 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي على مدى السنوات الـ15 المقبلة. كذلك، فإنّ مصر تتّصل بالأردن وسوريا ولبنان من خلال الخط العربي لنقل الغاز، وهو أنبوب يبلغ طوله نحو 1200 كلم ولديه قدرة استيعابية لضخّ نحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

وإلى جانب ذلك، لدى مصر خطّ سومد الداخلي الذي يمكن أن ينقل الغاز المسيّل، وهو يمتدّ من خليج قناة السويس على البحر الأحمر إلى شاطئ الاسكندرية على البحر المتوسط. عبر هذا الأخير يمكن نقل الغاز السائل من مصنعَي تسييل الغاز الطبيعي الموجودين في محافظتي دمياط والبحيرة. يمتلك هذان المصنعان قدرة استيعابية لتسييل 17 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز (نحو 13 مليون طن غاز مسيّل)، أي إنه يمكن استعمال هذين المصنعين لتصدير الغاز المسيل عبر البحر المتوسط أو عبر البحر الأحمر من خلال خط سومد. أمّا الاستثمارات الأجنبية في الغاز المصري، فهي أساسية أيضاً في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، تستحوذ شركة «يونيون فينوسا غاز» الإيطالية - الإسبانية، على غالبية ملكية مصنع تسييل دمياط الذي تصل قدرته على تسييل أكثر من 7 مليارات متر مكعب من الغاز (5 ملايين طن غاز مسيّل) سنوياً. وهذا الأمر يشكّل حافزاً لإيطاليا (وهي جزء من منتدى شرق المتوسط للغاز) لتزكية مصر كمركز محور للغاز في المنطقة.

طموح تركيا: «غاز ترانزيت»
لا يتوقّف الطموح التركي عند دور الوسيط بين روسيا وأوروبا، بل يشمل الاستحواذ على حصّة كبيرة من شبكات النقل التي تمرّ عبر أراضيها ما يضمن حصولها على إمدادات كافية من الغاز. أصلاً تركيا دخلت كلاعب أساسي في مجال الغاز في منطقة شرق المتوسط، عبر عدّة نوافذ أوّلها كان الاتفاق مع حكومة طرابلس في ليبيا على «التشارك» في استكشاف المياه الإقليمية الليبية لمعرفة ما إذا كانت تحتوي على الغاز الطبيعي، ثم بدأت باستكشاف المياه الإقليمية المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، ما أثار مشاكل حادّة مع الاتحاد الأوروبي الذي اعتبر عملها هذا غير قانوني. كما أنها حاولت التواصل مع إسرائيل لإنشاء خطّ نقل للغاز من الكيان يمرّ عبرها إلى أوروبا، إلّا أنها فشلت في ذلك إذ تبيّن أن المصالح الإسرائيلية - المصرية - القبرصية - الإيطالية تمرّ عبر المنتدى الذي أسّسته هذه الدول في إطار هدف تحويل مصر إلى مركز محوريّ للتوزيع والنقل.

بالأرقام

250.2
دولار للألف متر مكعب هو السعر المتداول لعقود كانون الأول للغاز المسيّل بحسب مؤشر كوريا واليابان
79.64
دولار للألف متر مكعب هو السعر المتداول لعقود كانون الأول للغاز الطبيعي في روسيا
102.52
دولار للألف متر مكعب هو السعر المتداول لعقود كانون الأول للغاز الطبيعي بحسب مؤشر هنري هاب لأميركا الشمالية


استراتيجية تركيا ترمي إلى تحقيق طموحها بأن تكون معبر «ترانزيت» للغاز الطبيعي إلى أوروبا استناداً إلى موقعها الجغرافي بين الدول الأوروبية وبين آسيا الوسطى ودول القوقاز والشرق الأوسط، أي نقل الغاز من مصادر عدّة إلى السوق الأوروبية.
وكانت تركيا قد حظيت بدور منذ أكثر من عقد، وتحديداً بعدما برزت المشكلة الروسية - الأوكرانية عام 2006 التي تجدّدت عام 2009. حينها قرّر الاتحاد الأوروبي تخفيف الاعتماد على روسيا لاستيراد الغاز الطبيعي، ما خلق فكرة إنشاء خطَّي «تاب» و«تاناب» لنقل الغاز من أذربيجان إلى تركيا (عبر خط تاناب) ثم إلى السوق الأوروبية (عبر خط تاب). كما كان مخططاً لهذين الخطين أن ينقلا الغاز الطبيعي من منطقة الشرق الأوسط (من ضمنها شرق المتوسط) إلى أوروبا. وتصل القدرة الاستيعابية لهذين الخطين إلى 16 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، علماً بأن تركيا تستفيد من ستة مليارات متر مكعب فيما يتم نقل العشرة مليارات الأخرى إلى أوروبا.
وتطرح تركيا خطَّي «تاناب» و«تاب» كوسيلة لإيصال غاز شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية لضمان أن يكون وصول الغاز الطبيعي من هذه المنطقة إلى أوروبا عبرها حصراً، ما يعزّز أوراق القوّة السياسية التي تمتلكها. إضافةً إلى ذلك، تريد تركيا، وهي مستهلك كبير للغاز، أن تضمن الحصول على مصدر الطاقة هذا من السوق الجديدة التي ظهرت أخيراً (أي سوق شرق المتوسط)، وإذا كانت هي صلة الوصل بين هذه السوق وأوروبا ستتمكّن من الحصول عليه بكلفة أقل.

«شيفرون» على الخطّ الإسرائيلي
لم تفلح محاولات الكيان الإسرائيلي في بيع الغاز بعد رغم اكتشاف عدد من الحقول فيها كميات كبيرة غير مستخرجة. آخر محاولاتها كانت مع شهر كانون الثاني حين وقّعت اتفاقاً مع اليونان وقبرص لإنشاء خطّ شرق المتوسط. هو خطّ بحري يمتدّ عبر المياه الفلسطينية إلى المياه القبرصية مروراً باليونان ثم إلى إيطاليا (التي تعدّ أحد أكبر المستهلكين) ومنها إلى السوق الأوروبية. يلحظ المشروع الذي تقدّر كلفته بين 6 مليارات و7 مليارات دولار، نقل 10 مليارات متر مكعب من فلسطين المحتلة وقبرص إلى أوروبا، ويبلغ طوله 1870 كلم. لكن العقبة التي وقفت في وجه هذا المشروع هي التمويل، إذ تُمني الدول الثلاث نفسها بالحصول على التمويل من الاتحاد الأوروبي الذي كان بالفعل قد وضع المشروع تحت تصنيف «مشروع ذو مصلحة مشتركة». لكن هذا التمويل تعارض مع تعهد بنك الاستثمارات الأوروبي (التابع للاتحاد) عام 2019 بتوقيف تمويله لمشاريع الوقود الأحفوري بحلول عام 2021، ما شكّل عقبة كبيرة أمام مشروع خطّ شرق المتوسط.
على الخطّ الإسرائيلي ظهرت «شيفرون». هي شركة أميركية ضخمة استحوذت في تموز الماضي على شركة «نوبل إنرجي». وقد قدرت صفقة الاستحواذ هذه بقيمة 5 مليارات دولار، وهو سعر يعتبره خبراء الأسواق المالية بخساً مقابل الأرباح المحتملة من سوق الغاز في شرق المتوسط. لكن هذه الشركة عانت من خسائر فادحة في الربع الأول من السنة الحالية، بسبب الأزمة الناتجة من جائحة كورونا. و«شيفرون» تملك حقوق الحفر في كلّ حقول الغاز في المياه الفلسطينية، كما أنها تملك حقوق الحفر بالتشارك مع شركة «ديليك» الإسرائيلية في حقل «افرودايت» في قبرص. إضافة إلى ذلك، تملك «نوبل» بالتشارك مع «ديليك» أيضاً، 39% من خطّ نقل الغاز بين مصر وفلسطين المحتلة.
تقدر قيمة «شيفرون» السوقية بنحو 160 مليار دولار مقارنة مع 4.1 مليارات دولار لـ«نوبل»، ما يعني أن قوّة «شيفرون» المالية تتيح لها تكبّد خسارات كبيرة في حال أرادت الضغط على أي جهة في المنطقة في سياق مصالح استراتيجية اقتصادية أو سياسية. قدرتها على ممارسة هذا النوع من الضغوط نابعة من حجم وموقع الاستثمارات التي ورثتها من شركة «نوبل». ربما تكون مصر إحدى الأطراف المستهدفة من هذه الشركة عبر خط الغاز الذي تملك الشركة جزءاً منه، أو قبرص من خلال حقل الغاز التي تستثمر فيه، وحتى الاتحاد الأوروبي لإجباره على تمويل خطّ شرق المتوسط في حال احتاج الأمر إلى ضغط سياسي أميركي (تأثير «شيفرون» عند الإدارة الأميركية هو بالتأكيد أكبر من تأثير «نوبل» الصغيرة نسبياً).

لدى مصر اتفاق سلام مع الكيان الإسرائيلي ولديها الموقع الجغرافي الملائم وبنية تحتية جاهزة لتكون المركز المحوري لتصدير الغاز في المنطقة


لكن فيما تتحوّل «شيفرون» إلى أداة للضغط الأميركي - الإسرائيلي، هناك مصالح روسية مقابلة تتمركز حولها مجموعة استراتيجيات وخطط تؤجّج الصراع أيضاً. ففيما تتزاحم تركيا ومنتدى شرق المتوسط للغاز على تأسيس وتنفيذ خطوط النقل من المتوسط إلى أوروبا، سواء كانت مصر هي الموزّع الأساسي أم تركيا، فإن الكلمة الروسية الأخيرة قد تؤدي إلى تعطيل عمليات النقل للغاز المسيل من محطات التسييل المصرية بالسفن عبر قناة السويس. فالخطط الروسية - الإيرانية تأمل بأن يتم نقل الغاز عبر الأراضي العراقية والسورية انطلاقاً من بحر قزوين، وهذا الأمر يتكامل مع استثمارات روزنفط في الاستثمار بخزانات النفط في طرابلس شمال لبنان، فضلاً عن أن «غازبروم» هي شريك مهم بالنسبة إلى عدد من الشركات العالمية العاملة في مجال الاستخراج من أذربيجان إلى تركمانستان ووصولاً إلى شركات أميركية كبرى أيضاً.

لبنان: الحلقة الهشّة
كلّ الخطط تعتمد على التموضع السياسي لكلّ بلد، بل هي تعيد صياغة هذا التموضع أيضاً. لكن لبنان يعدّ لاعباً صغيراً في سوق الغاز في المنطقة ولاعباً سياسياً أكبر في المنطقة. حتى الآن لم يكشف عن وجود حقول ضخمة في مياهه الإقليمية، وكلّ ما يقال عن أرقام ليس أكثر من تقديرات. على أمل أن تثبت حقيقة وجود كميات تجارية يمكن استثمارها، وفي خضم الصراع الإقليمي والدولي على إنتاج وتصدير الغاز، على الدولة اللبنانية أن تنظر إلى الخيارات المتاحة أمامها لتصدير إنتاجها من الغاز والطرق التي ستتبعها لهذه الغاية.
هناك عدة احتمالات، أولها أن يتم بيع الغاز لمصر، ونقله عبر خط الغاز العربي القائم، ليجري تسييله هناك ويُعاد تصديره إلى أسواق أخرى. وهذا الخيار قد تكون كلفته منخفضة، إذ إن البنية التحتية المطلوبة له موجودة ولا تحتاج إلى استثمارات كبيرة. كما يمكن بيع الغاز إلى سوريا ونقله من خلال خط الغاز العربي، والاتفاق مع تركيا لوصل هذا الخط بخطي التاناب والتاب للوصول إلى السوق الأوروبية، ما قد يفتح مجالاً للشركات الأوروبية للاستثمار في هذا القطاع.

تأخر لبنان كثيراً في التعامل مع ثروته الغازية ولم يشهد سوى محاولة يتيمة قامت بها «توتال» الفرنسية لاستكشاف الغاز في البلوك 4


لقد تأخر لبنان كثيراً في التعامل مع ثروته الغازية ولم يشهد سوى محاولة يتيمة قامت بها شركة «توتال» الفرنسية لاستكشاف الغاز في البلوك 4 الذي كان يعتدّ به. جاءت نتيجة الاستكشاف المعلنة أن الكميات الموجودة فيه غير تجارية وإن كان التقرير النهائي للشركة لم يصدر بعد. غير أن لبنان يخوض أيضاً معركة ترسيم حدوده البحرية مع فلسطين المحتلة في مفاوضات غير مباشرة مع وفد إسرائيلي بقيادة الأمم المتحدة وحضور أميركا كمراقب وحكم. والصراع صعب جداً لأنه يدور حول حقل غاز ضخم في ظل أطماع إسرائيلية شرسة وسط أزمة اقتصادية ونقدية ومشاكل سياسية معقّدة ومتشابكة مع أزمات المنطقة وتموضع الأفرقاء السياسيين المحليين ضمن هذه الأزمات. وبالإضافة إلى ذلك، على الدولة اللبنانية أن تدرس مسألة انضمامها لأيّ «منتدى غاز»، أو أيّ «محور»، في هذه المنطقة، لأن تموضعها قد يعني وجوداً مباشراً مع ممثلي الكيان الإسرائيلي على الطاولة نفسها.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا