لن يكون سهلاً إحصاء تلك الجوائز التي «حصدها» مصرف لبنان خلال فترة الحاكم رياض سلامة. ولن يكون سهلاً أيضاً العثور على ورقة رسمية تحدّد سياسات مصرف لبنان وتوجهاته والأهداف المنوي تحقيقها بعمقها الاقتصادي والاجتماعي. طوال السنوات التي قضاها سلامة في منصبه لغاية اليوم كانت هذه السياسة والتوجهات سائدة بقوّة النظام السياسي الذي لم يكن يسائل أو يحاسب أو حتى يواجه. كان تثبيت سعر صرف الليرة أمراً من الثوابت التي لم يكن يجب النقاش فيها. لا سلامة ولا غيره صارح اللبنانيين بالهدف من هذا التثبيت وبكلفته ولا بالأدوات التي تسخّر من أجله ولا بالأهداف الثانوية... كل ما نعلمه هو أن هذه السياسة وصلت اليوم إلى مرحلة «الانهيار»، وأن كلّ المصارف المركزية حول العالم تكشف عن سياساتها وتوجهاتها علناً، إلّا في لبنان حيث السلطة السياسية تتآمر وتتواطأ مع السلطة النقدية من أجل إبقاء السياسات والتوجهات «مستترة». حتى في عزّ الانهيار لا أحد يعلم ما هي توجهات مصرف لبنان لإدارة الأزمة. بدلاً من الصراخ الذي يُسمع كل أربعاء في جلسات المجلس المركزي عن غياب الحكومة عن إدارة الأزمة، فليتجرأ سلامة أو أيّ من نوابه على الكشف عن توجهات المصرف وعن أدوات مواجهة الانهيار




التواصل مع العموم: شفافية
عندما تنفصل السياسة النقدية عن باقي السياسات وتتسلّح باستقلاليتها التامّة حتى عن السلطة السياسية، تغيب الشفافية عن أدائها، وتصبح وجهتها مجهولة، فيما يتصدّر أولوياتها التفرّد بقيادة السياسات المالية والاقتصادية والهيمنة عليها. لذا، لا يُحبَّذ أن تحظى السياسة النقدية بهامش واسع من الاستقلالية من دون أن تقوم بالحدّ الأدنى من الأداء العلميّ المستند إلى البحث والتخطيط. في العادة تكون توجّهات السياسات النقدية واضحة بغاياتها، ومفهومة من الجمهور ومُقنعة للأسواق المالية وللقطاعات الاقتصادية. هذا هو المسار الذي ترسمه المصارف المركزية حول العالم: وضع الأهداف، تحديد الأدوات، وآليات التنفيذ. في لبنان القصّة مختلفة، لأنّ مصرف لبنان يميل إلى هيمنة السياسات النقدية على باقي السياسات ضمن أهداف متعدّدة ليست محصورة بالأمور الاقتصادية بل قد تشمل أموراً سياسية أيضاً.
منذ منتصف التسعينيات بدأت تتعمّم فكرة تواصل المصارف المركزية مع عامة الشعب. الدافع وراء هذه الفكرة يتعلّق بميل المصارف المركزية إلى الحفاظ على شفافية في عملها ليكون واضحاً ومفهوماً من قِبل السلطة السياسية والأسواق. إذ إن الشفافية ترتبط بشكل وثيق بالحفاظ على استقلالية البنك المركزي. هذا الاتّجاه بدأت تسلكه الأنظمة السياسية منذ الثمانينيات نظراً لكون السلطة النقدية غير منتخَبة، بل هي معيّنة من قِبل السلطة السياسية التي تحدّد للبنك المركزي أهدافاً عريضة انطلاقاً من رؤيتها لمعدّلات البطالة والتضخّم في الاقتصاد.
وفي المقابل سعَت هذه الأنظمة لضمان أن تكون السلطة النقدية شفّافة في عملها واختياراتها فتتحمّل مسؤولية أفعالها في حالتَي النجاح أو الفشل.

الفعالية: أهداف واستراتيجية
وإضافة إلى الشفافية، يرسم البنك المركزي أهدافاً أخرى في إطار علاقاته مع الأسواق المالية. فهو يريد أن تكون لديه زيادة في فعالية السياسات النقدية، وهذا الأمر لا يحصل من خلال إعلام الشعب بالقرارات التي يُصدرها، بل أيضاً من خلال شرحها وتوضيح المتوخّى منها.
في هذا الإطار يشير الباحث الاقتصادي مارفين غودفريد إلى الآتي: «جاعلاً نفسه أكثر قابلية للتنبؤ للأسواق، إن البنك المركزي يحرص على ضمان أن تكون ردود فعل السوق على السياسة النقدية أكثر قابلية لتنبؤاته. وهذا يؤدّي إلى قيام البنك بعمل أفضل يتناسب مع دوره في إدارة الاقتصاد». وفي وقت يفقد فيه الغرض من إجراء السياسات النقدية عبر المفاجأة، يمكن تنسيق ردود فعل السلوك الاقتصادي، على صدمات الاقتصاد، مع المسار الذي يراه البنك المركزي مناسباً، وذلك من خلال التحكّم بتوقّعات الأسواق حول الأهداف المرجوّة من هذه السياسات.
يمكن القول في هذا المجال إن زيادة التواصل من قِبل البنك مع السوق تخفّف من الانقسامات حول الإشارات التي تحملها تصرفاته، ما يجعل سلوك الأسواق يتماشى مع أهداف سياساته النقدية.
ويمكن أن يكون التواصل على شكل إفصاح البنك المركزي عن أهدافه واستراتيجيته، ما يُسهم في المساعدة على تحديد حالة استقرار الاقتصاد (steady state)، وهي الحالة التي يميل إليها تلقائياً بعد تلاشي آثار الصدمات الاقتصادية. أما إعلان الاستراتيجية، فيكون لتوضيح الطريقة التي تعمل من خلالها السياسات النقدية خارج حالات استقرار الأسواق، وهي تحدّد كيف تكون استجابة هذه السياسات للصدمات من أجل تسهيل انتقال الاقتصاد إلى حالة الاستقرار. وبهذا يجعل التواصل عملية التعديل الاقتصادي أسرع وأقل إيلاماً، خصوصاً عندما تتّضح المبادئ التي تقوم عليها استراتيجية البنك.
مارفين غودفريد: إن البنك المركزيّ يحرص على ضمان أن تكون ردود فعل الأسواق على السياسة النقدية أكثر قابلية لتنبؤاته


هناك أدلة متزايدة في الأبحاث تدعم فكرة أن شفافية وضع الأهداف الكميّة والتواصل حول الاستراتيجيات تعزّز فعالية السياسة النقدية، خصوصاً عندما تكون الأهداف كميّة مثل تحديد نسبة التضخم. فمثلاً يؤكّد بحث لـ«اندرو ليفين» وآخرين (صدر في عام 2004)، وآخر لـ«دافيد جونسون» (صدر في عام 2002)، أنه بنتيجة تحديد استقرار الأسعار (price stability) وإعلان النسبة المطلوبة للتضخّم، تنخفض التوقعات حولهما في السوق لتكون متناسقة مع ما يطمح إليه المصرف المركزي.

المسار اللبناني مجهول
في لبنان، ليس هناك مسار واضح عن الاتجاه الذي ستسلكه السياسات النقدية. فمصرف لبنان لا يقوم بأيّ تواصل علنيّ مع الأسواق باستثناء اللقاءات الشخصية، واللقاءات مع التكتلات التي يستعملها كأدوات لتحقيق سياساته مثل جمعية المصارف. غالبية هذه اللقاءات تندرج في إطار غير عام، ولا تصدر عنها معلومات رسمية، وهي تتمحور حول آليات وقنوات تبادل المصالح والمنافع بين مصرف لبنان وباقي الأطراف. لذا لا يتعلّق الأمر برسم سياسات والدفاع عنها في مواجهة أصحاب القوّة في النظام، ولا ينحصر الأمر بالتعاميم التي تصدرها السلطة النقدية، والتي يجب أن تستند إلى سياسات وتوجهات واضحة. سلوك مصرف لبنان في الأزمة يعدّ من أبرز الدلائل على هذا الأمر. فهو اليوم، بات يترك التصريحات المتعلّقة بسياساته النقدية لزواره. آخرهم كان جمعية المودعين المنشأة حديثاً التي زارته ونقلت عنه أن هناك 10 مليارات دولار مخزنة في المنازل «ما يستوجب وضع آلية تنظيمية جديدة لإعادة الثقة بالمصارف ومن ضمنها إعداد لمشروع عملة لبنانية رقمية، خلال سنة 2021، تساعد على تطبيق SYSTEM CASHLESS ما يتيح تحريك سوق النقد محلياً وخارجياً». إذاً، هل هذه هي توجهات سلامة لإدارة الإفلاس؟

هناك أدلة متزايدة في الأبحاث تدعم فكرة أن شفافية وضع الأهداف الكميّة والتواصل حول الاستراتيجيات تعزّز فعالية السياسة النقدية


أما التعاميم التي يصدرها مصرف لبنان، فغالبيتها تكون غير واضحة وتحتاج إلى «فك شيفرة» لفهم ما بين أسطرها. وباستثناء ذلك، تنعدم آلية التواصل مع الجمهور وحتى مع السلطات السياسية (باستثناء بعض الدعوات إلى مجلس النواب التي لم تتمخض عن شيء سوى عن دفعه إلى تبرير ما يقوم به بدلاً من مساءلته). فهو لا يُصدر إعلانات سنوية عن أهدافه لجهة تحقيق نسب تضخم معينة وتوفير الوظائف، ولا يوضح استراتيجياته للوصول إلى هذه الأهداف. وحتى إنه لا يصدر شرحاً للتعاميم، للإشارة إلى ما يحاول الوصول إليه من خلالها، ولا يقدّم تقييماً للوضع الاقتصادي في البلد، بل غالباً ما كان يكتفي بتصريحات تتحوّل إلى لازمة يتم تردادها من ورائه ببغائياً مثل «الليرة بخير»، «لا داعي للهلع»، «سنحافظ على الاستقرار»... كل هذه العبارات التي سمعناها في السنوات الماضية توجب اليوم العودة إلى المساءلة التي تمارسها السلطة السياسية التي عيّنت السلطة النقدية وأتاحت لها هذا الكمّ من الاستقلالية بلا محاسبة.



تواقيع

الفدرالي الأميركي: استقرار الأسعار
في 27 آب الماضي، أصدر الاحتياطي الفدرالي الأميركي بياناً يحدّد فيه أهدافه وما تحقق منها خلال الفترة الماضية. وجاء فيه الآتي: «تلتزم اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة التزاماً راسخاً بالوفاء بتفويضها القانوني من الكونغرس لتعزيز الحدّ الأقصى من فرص العمل، الأسعار المستقرة، وأسعار الفائدة المعتدلة طويلة الأجل. وتؤكد اللجنة مجدداً حكمها بأن التضخّم بمعدل 2% الذي يُقاس بالتغيّر السنوي في مؤشّر الأسعار لنفقات الاستهلاك الشخصي، هو الأكثر تطابقاً، على المدى الطويل، مع التفويض القانوني للاحتياطي الفيدرالي. وترى اللجنة أن توقّعات التضخّم على المدى الطويل والمثبتة عند 2% تعزّز استقرار الأسعار وتعديل معدلات الفائدة طويلة الأجل وتسهّل قدرة اللجنة على تعزيز الحدّ الأقصى من فرص العمل في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية الكبيرة».

المركزي الأوروبي: العمالة الكاملة
يكشف البنك المركزي الأوروبي عن سياساته في منطقة اليورو، وهذه بعضها: «الحفاظ على استقرار الأسعار هو الهدف الأساسي لنظام اليورو والسياسة النقدية الموحّدة المسؤول عنها هذا النظام. وهذا منصوص عليه في معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، المادة 127. من دون المساس بهدف استقرار الأسعار، يجب على نظام اليورو أيضاً دعم السياسات الاقتصادية العامة في الاتحاد بهدف المساهمة في تحقيق أهدافه. وتشمل هذه الأهداف، من جملة أمور أخرى، العمالة الكاملة (full employment) والنمو الاقتصادي المتوازن. وتحدد المعاهدة تسلسلاً هرمياً واضحاً لأهداف النظام الأوروبي. يعطي أهمية قصوى لاستقرار الأسعار. كما توضح المعاهدة أن ضمان استقرار الأسعار هو أهم مساهمة يمكن أن تقدّمها السياسة النقدية لتحقيق بيئة اقتصادية مواتية ومستوى عالٍ من التوظيف».

بنك إنكلترا: هذه هي الأهداف والأدوات
«هدف سياستنا النقدية هو الحفاظ على استقرار الأسعار في المملكة المتحدة. مع مراعاة ذلك، فإننا ندعم السياسة الاقتصادية للحكومة، بما فيها أهدافها المتعلقة بالنموّ والتوظيف. وقد وضعنا السياسة النقدية لتحقيق هدف الحكومة المتمثل في إبقاء التضخم عند 2%. تقرر لجنة السياسة النقدية (MPC) أي سياسات يجب تطبيقها للوصول إلى هذا الهدف. وللحفاظ على الاستقرار النقدي، نحتاج إلى التأثير على الظروف النقدية. وهذا يشمل، على سبيل المثال، مستوى أسعار السلع والخدمات وتوافر الائتمان. تقوم لجنة السياسة النقدية بهذا الأمر حالياً بطريقتين رئيسيتين. أولاً، تحدد معدلات فائدة المصارف (وتتخذ خطوات لضمان تمرير هذه المعدلات إلى الأسر والشركات). ثانياً، تستخدم شراء الأصول، المعروف أيضاً باسم التيسير الكمي (Quantitative Easing)».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا