مع ارتفاع سعر صرف الدولار وتدهور القوّة الشرائية للمداخيل، بدأت معاناة اللبنانيّين من غلاء أسعار الاستهلاك ومن ضمنها كلفة التنقّل التي تضاعفت منذ سنة إلى اليوم بعدما كانت تمثّل نحو 14% من مجمل إنفاق الأسر في لبنان. هذه الزيادة في الكلفة ظهرت مباشرة من خلال ارتفاع تسعيرات النقل، إلّا أنّها ظهرت بشكل غير مباشر في ارتفاع كلفة استعمال السيارة من خلال شراء كلفة قطع الغيار والصيانة.

ويُتوقّع أن تزداد هذه الكلفة أكثر، وربّما بشكل كارثي، ربطاً بما يتردّد عن توجّه قوى السلطة إلى رفع الدعم جزئياً أو كلياً عن أسعار المحروقات التي تُستورد بدولارات مدعومة السعر. وفي حال حصل ذلك، فإنّ كلفة التنقل، وخصوصاً باستخدام السيارة، سوف تصبح أعلى بكثير، علماً بأن الاستمرار في استعمال السيارة بالنمط نفسه سوف يدفع إلى تقليص النفقات على حساب نفقات أخرى أساسية مثل الطعام والتعليم والصحة وغيرها، وهو أمر لا يسهل على المقيمين في لبنان التعامل معه (راجع المقال السابق في ملحق رأس المال).
إذاً، ما العمل؟ لا يمكن تفادي هذه المشكلة سوى عبر تغيير نمط تنقّلنا من خلال تقليص استعمال السيارة والاستعاضة عنها ببدائل ووسائط أخرى، كالتنقّل سيراً على الأقدام أو عبر استعمال الدراجة الهوائية أو النقل المشترك. لكن، هل هذه البدائل متاحة في لبنان؟
حالياً أكثر من نصف تنقّلاتنا اليومية في لبنان هي لمسافة لا تزيد على خمسة كيلومترات، والجزء الأكبر منها هو ضمن المدن وخصوصاً بيروت الكبرى. هذا العامل يجب أن يعزّز خيار التنقل الليّن أي مشياً على الأقدام أو على الدراجة الهوائية ذات الكلفة والأثر البيئي الهامشيّ جداً مقارنة بالسيارة. إلّا أنه رغم ذلك، تبقى اليوم أقل من 7% من تنقّلاتنا على الأقدام مع غياب شبه تام للتنقل عبر الدراجة الهوائية.
يثير هذا الوضع السؤال الآتي: هل من الممكن تغيير هذا الواقع؟
طبعاً هو أمر ممكن، لا بل إنّه واجب أيضاً. صحيح أن تعزيز النقل الليّن في لبنان يحتاج لقرارات شخصية بتبنّيه، لكن الأهم أنه يتطلّب خطوات جديّة من البلديات والوزارات المعنيّة لتسهيله. المقصود بذلك، زيادة الأرصفة وإزالة التعدّيات عنها، إقامة خطوط عبور وإشارات للمشاة، تخصيص شوارع ومناطق للتنقّل اللين.
أما في ما يخصّ الدراجة الهوائية نفسها، فإنه يجب ترسيم مسارات مخصّصة لها بأسرع ما يمكن (نستطيع الاستفادة من تجارب الكورونا «بيست» التي أقيمت في العديد من المدن حول العالم بهدف تشجيع استعمال الدراجة الهوائية خلال جائحة كورونا). كما يجب أيضاً إقامة محطات لتأجير الدراجات (تشاركية) بأسعار مخفضة في المدن.
من الجدير التنويه ببلدية جبيل التي أقامت إحدى هذه المحطّات (ربما الوحيدة في لبنان) التي لا تزال تعمل حالياً خلافاً لمحطة بلدية بيروت التي أقيمت في 2017 (في وسط المدينة) مع مسار قصير جداً سرعان ما اختفى. وفي استبيان أُجري في عام 2018، تبيّن أن نصف اللبنانيين على استعداد لاستخدام الدراجة الهوائية في تنقلاتهم إذا تأمّنت البنى التحتية اللازمة. ومن ضمن هؤلاء ثلث التنقلات المقيّدة بين المنزل والعمل/الدراسة.
في الوضع الاقتصادي الحالي قد لا يكون شراء دراجة هوائية في متناول الجميع. لذا تجب الإشارة إلى أنّه مهما ارتفعت هذه الكلفة، فإنّ سعر شراء أو إصلاح دراجة هوائية يبقى قليلاً جداً مقارنة مع السيارة. لكن تستطيع الدولة أيضاً، وبهدف تسهيل انتشار هذه الوسيلة أن تقوم هي (عبر وزارة النقل أو البلديات) باستيراد دراجات هوائية وبيعها مباشرة للناس أو بإقرار دعم معيّن لكلفة شرائها (إعفاء من الجمرك، دعم مالي مباشر عبر قسائم...).
يُذكر أن هناك دراسة كاملة أُنجزت من أجل إنشاء خطوط التنقل اللين في بيروت منذ عام 2013، إلّا أنها للأسف لا تزال أسيرة الأدراج. ربما اليوم أكثر من أيّ وقت آخر، هو الوقت المناسب لإخراج هذه الدراسة والبدء بتطبيقها. خطوة كهذه تعدّ أساسية، كونها تشكّل حجر أساس لإرساء نظام نقل لين مدنيّ يخفف استعمال السيارة ويحول المدينة من حيّز عام مخصص للسيارة إلى حيّز عام مخصّص للناس.
أمّا بخصوص النقل المشترك فإن الفانات، الباصات، والسرفيسات تغطّي اليوم 40% من تنقلاتنا اليومية المقيّدة، وربع تنقلاتنا غير المقيّدة كالتنقلات بهدف الاستهلاك، التنزه، الزيارات... في بلد صغير كلبنان وبوجود عرض نقل مشترك يفوق بكثير الطلب عليه، من البديهيّ أن يتحوّل هذا النوع من النقل إلى بديل فعّال للسيارة. صحيح أن جودة الخدمة ليست بأفضل حال، غير أن زيادة استعماله ستكون عاملاً محفّزاً للمنافسة ولتشجيع مقدّمي خدمات النقل المشترك على تحسين نوعيته وجذب الاستثمارات إليه.
وكما النقل الليّن، فإنّ زيادة استخدام النقل العام يحتاج إلى قرار شخصي باختياره، لكن يحتاج أساساً إلى اتخاذ إجراءات أساسية من قبل الوزارات والبلديات لتسهيله: دعم جزئي أو كلّي للمحروقات المستعملة في النقل المشترك، وقطع الغيار، ورسوم الميكانيك، بهدف تخفيف كلفته التشغيلية، وبالتالي خفض كلفة استخدامه (المراقبة والتدقيق عاملان أساسيان لتجنّب الفساد في توزيع هذا الدعم).
ويجب إقامة مواقف للنقل المشترك على الطرقات ضمن نطاق كل بلدية، لتكون نقاط انطلاق ووصول، كما يجب إقامة محطّات وقوف لتسهيل ركوب ونزول الركاب، وإجراء جردة فورية وسريعة لمركبات النقل المشترك ومشغّليها بهدف تصفية المركبات المخالفة والمساعدة في توزيع الطلب بطريقة أكثر تكافؤاً على كل المناطق بهدف كسر احتكار بيروت التي تستحوذ وحدها على 75% من عرض النقل المشترك في لبنان.
إن تطوير النقل العام في لبنان كفيلٌ بخفض نسبة استعمال السيارة بنحو 40% مقابل ازدياد نسبة استعمال النقل المشترك بأكثر من الضعف في التنقلات اليومية وأكثر من 50% في التنقلات غير المقيّدة.
إن تحفيز استعمال النقل المشترك بشكله الحالي ضروري، لكنه ليس حلّاً مستداماً، إنما هو بديل آنيّ نستطيع الاستعانة به في انتظار إقامة نظام نقل عام مستدام مبني على شبكة قطار وباص تصل المدن ببعضها، وشبكتي باص وتراموي داخل المدن وخصوصاً بيروت. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، أُجري العديد من الدراسات لدرس إقامة شبكات نقل مشترك بمختلف المناطق، لكنها أيضاً بقيت أسيرة الأدراج.

نظام النقل الحالي يكلّفنا أكثر من نصف أوقات تنقّلاتنا في زحمة السير ويسبّب خسائر اقتصادية ومجتمعية تقدّر بنحو 7% من الناتج المحلي


من المفيد أيضاً، أن تترافق إجراءات تعزيز النقل الليّن والمشترك، بحملة دعائية توعوية تحفّز المقيمين على زيادة استخدام هذين النوعين من النقل عبر إظهار فوائدهما الشخصية، الصحية، المجتمعية، البيئية، وخصوصاً المالية والاقتصادية، مقابل التشجيع على خفض نسب استعمال السيارات الخاصة عبر تظهير كلفتها العالية.
بالإضافة إلى هذين الاقتراحين (النقل اللين والمشترك)، يجب العمل على زيادة نسب إشغال المركبات عبر تحفيز التنقل التشاركي (استخدام السيارة من قبل عدّة أشخاص في آن معاً). حالياً، لا تتعدى نسبة إشغال السيارات الخاصة 1.5 راكب في التنقلات المقيّدة و2.6 في التنقلات غير المقيدة (نسبة الإشغال في مركبات النقل العام لا تتعدّى نصف قدرتها الاستيعابية). أيضاً، يمكن تعزيز النقل التشاركي عبر تحفيز الشركات (خصوصاً المتوسطة والكبرى) على اعتماد وسائل نقل تشاركية (باصات) لنقل موظفيها بين مساكنهم وأماكن العمل (شركة طيران الشرق الأوسط كانت لها تجربة في هذا المجال).
في كلّ الأحوال، إن أيّ قرار أو خطوة بهدف تحسين نظام النقل على المدى القصير أو الطويل، لا يمكن أن يمرّ عبر نفس المنظومة الطائفية الحالية التي أوصلتنا اليوم إلى الأزمات التي نعيشها والتي يعدّ من أبرزها نظام النقل السيئ الذي تهيمن فيه السيارة على تنقلاتنا، ولا يقدّم حلولاً لأزمات السير سوى عبر إقامة وتوسيع الطرقات المعبدة. فقد أصبح لدينا شبكة طرقات ذات كثافة تتخطّى شبكات طرق دول أكثر تطوراً كفرنسا وألمانيا، لكن مع نوعية من الأسوأ في العالم. نظام النقل الحالي يكلّفنا أكثر من نصف أوقات تنقلاتنا في زحمة السير ويسبّب خسائر اقتصادية ومجتمعيّة تقدر بنحو 7% من الناتج المحلي (2015) بين كلفة زحمة السير، التلوّث، السلامة المرورية، عدا عن قلة المساواة المجتمعية. لذا، فإنّ الحلول الآنية والمؤقتة المقترحة على المدى القصير أو الحلول المستدامة على المدى الطويل، تستلزم قبل أيّ شيء وجوب وجود دولة قوية وعادلة ذات رؤية واضحة لكلّ المواضيع التي تمسّ حياتنا اليومية وأبرزها النقل.

* باحث متخصّص في أنظمة النقل وعادات التنقل

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا