السيارات هي من أكثر علامات «وهم» النظام الاقتصادي اللبناني. اقتناؤها في الأساس «مفروض» على المواطنين بسبب غياب نقل عامّ فعّال ومُنظّم، فبات يُعدّ «طبيعياً» أن يملك سيارة كل فرد في عائلة مكوّنة من خمسة بالغين! هذا أمرٌ غير شائع في عددٍ من دول العالم، لا سيّما إذا كانت مساحة البلاد صغيرة كلبنان ويُمكن بتخطيط بسيط وصل مُدنها وقراها بواسطة النقل العام. غياب الدولة وعجزها عن تأمين هذا «الحقّ»، جرى تعويضه بـ«خدعة» جذّابة تكمن في إتاحة المجال لمختلف أبناء الطبقات الاجتماعية في اقتناء «سيّارة الأحلام» وتسهيل تمويل هذا «الترف» عبر قرض مصرفي. وهي خدعة أتت مع «منافع» سوّقتها المصارف: بطاقة دفع إلكتروني مجانية، بوليصة تأمين على الحياة مجانية، تسهيلات في الدفع...



المحرّك الأساسي لهذا النمط كان تثبيت سعر الصرف على 1507.5 ليرات وسطياً مقابل الدولار. سمح هذا التثبيت لموظف راتبه 1500 دولار، بتقسيط سيارة من إحدى الماركات الأوروبية وتاريخ صنع حديث. بمعنى آخر، إن تثبيت سعر الصرف كرّس نمطاً غرق فيه المستهلكون الذين لم يكتفوا بشراء سيارة لتغطية الحاجة الضرورية، بل لتغطية رفاههم أيضاً. كان هذا النمط يشمل شراء سيارات مستعملة وجديدة. فبحسب إحصاءات الجمارك اللبنانية، استورد لبنان بين مطلع 2017 ونهاية تموز 2020 نحو 216408 سيارات جديدة ومستعملة بقيمة إجمالية تبلغ 3.3 مليار دولار. أما قطع الغيار المُرتبطة بعربات النقل، فكانت تتراوح قيمتها سنوياً بين 230 و260 مليون دولار أميركي. عائدات تجارة السيارات للخزينة العامة كانت أيضاً مرتفعة، وبلغت 1085 مليار ليرة في عام 2018، إلّا أن التراجع في الاستيراد والمبيعات انعكس أيضاً على الرسوم (رسوم الاستيراد، التسجيل، السير، القيادة) التي سجّلت في عام 2019 نحو 755 مليار ليرة، أي تراجعت بنسبة 30.4%. كذلك هناك خسائر في الوظائف ستفرض على شركات استيراد السيارات الجديدة إعادة هيكلة بنيتها وخفض عدد الأجراء فيها إلى أقل من 10 آلاف عامل حالياً.
منذ صيف عام 2019، ومع بدء التبدّلات في سعر الصرف وتدنّي قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار، أُجبر المُجتمع على تبديل سلوكياته والتخلّي عن «الامتيازات» المُزيفة: استيراد السيارات واحد منها. هذه السوق معرّضة للانكماش إلى الحدّ الأقصى انسجاماً مع تراجع المبيعات الناتج من انهيار القدرة الشرائية للمداخيل. في البدء، حاول قطاع السيارات المستوردة أن «يتعايش» مع التطورات المالية والنقدية بالبيع عبر «الشيكات المصرفية بالدولار»، لكن قيمة الدولارات المصدرة بالشيكات المصرفية بدأت تنخفض (سعر الدولار الصادر بواسطة الشيك يساوي 37% من سعر الدولار الورقي (الحقيقي). وفي ظلّ حاجة المستوردين إلى الدولارات الحقيقية لتمويل استيراد السيارات، أوقفوا بيع السيارات بالشيكات.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

استمرّت هذه الحال منذ مطلع 2020 ولغاية 4 آب حين انفجر مرفأ بيروت. مفاعيل الانفجار على الاقتصاد، قضت على ما تبقّى من القطاع. فقد بلغ التضخّم التراكمي للأسعار 120% في نهاية آب، وارتفعت نسبة الفقر المدقع إلى 22% بعدما كانت 10%، وبات 45% من المقيمين في لبنان تحت خط الفقر. لذا، من هي الفئة التي لديها اليوم ترف امتلاك سيارة جديدة أو حتى تبديل سيارتها القديمة بأخرى مستعملة من دون إضافة أكلاف «ما بعد البيع» من تبديل زيت ودواليب وزجاج وغيره التي باتت تُحسب كلفتها بحسب سعر الدولار في السوق الموازية، أو يُشترط الدفع بالدولار الأميركي نقداً.
يقول المدير العام، ورئيس مجلس إدارة شركة «رسامني يونس» للسيارات (Rymco) فايز رسامني إنّ البداية «بخفض المصاريف إلى الحدّ الأدنى. هذا الوضع لن يتغيّر قبل خمس سنوات، أو إلى حين حصول تغيّرات ما. لن يكون بمقدور أحد أن يدفع الدولار نقداً لشراء سيارة، فيما هو غير قادر على تأمين الأكل والشرب وربّما غير قادر على تبديل زجاج منزله الذي تكسّر في انفجار المرفأ». التركيز سيكون على «خدمات ما بعد البيع، لأنّ أصحاب السيارات المستعملة لن يتوقفوا عن الحفاظ على سياراتهم».
العديد من الوكالات توقّفت عن استيراد السيارات الجديدة، وهي تشترط تلقّي المبلغ نقداً بالدولار قبل أن تبدأ معاملات الشحن. رئيس جمعية مستوردي السيارات الجديدة في لبنان، ورئيس مجلس إدارة شركة «إيمبكس»، سمير حمصي يقول لـ«الأخبار» إنّ كل واحد من وكلاء الاستيراد «يُحاول الاستمرار باللحم الحي. نحن في الشركة ما زلنا نقبل الدفع بالشيك المصرفي».
سوق السيارات معرّضة للانكماش إلى الحدّ الأقصى انسجاماً مع تراجع المبيعات الناتج من انهيار القدرة الشرائية للمداخيل


في الواقع، إن الشركات التي لا تزال تقبل الدفع بواسطة الشيك رفعت أسعار السيارات بشكل يتناسب مع كلفة استيرادها بالدولارات الحقيقية، أما مسألة الاستمرار في قبول الدفع بواسطة الشيك فهو أمر يتعلّق بكل شركة وقدرتها على تسييل الشيكات أو تسديد ديونها المصرفية.
حُكي أيضاً عن أنّ وكالات أخرى نقلت أعمالها من لبنان، باحثةً عن التوسّع خارجاً. يعتقد فايز رسامني أنّه «لن يكون سهلاً أن تتمكّن الوكالات اللبنانية من تطوير نفسها في البلدان الأخرى، بسبب تراجع الأسواق عالمياً نتيجة انتشار كوفيد - 19 وانعكاساته على الأسواق». كما يُقلّل من أهمية ما يشاع عن قيام بعض الوكالات بإعادة شحن سياراتها إلى الخارج لبيعها في أسواق أخرى. «لا يحق لنا أن نبيع في سوق ثانية وإلا يُسحب منّا الترخيص. الأمر ليس سهلاً. إلا إذا كانت العملية تتم بالتنسيق مع المصنع».
إذاً، هل ستؤدّي هذه الأزمة إلى بيع وكالات أو اندماجها؟ يُجيب رسامني: «مُمكن أن يعمد البعض إلى ذلك لكن لا أحد يقبل أن يخرج من السوق. أما بالنسبة إلى سمير حمصي، «فلا يُمكن التكهّن، لا يوجد خطّة حتى الآن. كلّ واحد يُحاول أن يؤمّن استمراريته». ويضيف مستشار «جمعية مستوردي السيارات الجديدة»، سليم سعد أنه «في السنة التي اندلعت فيها الحرب، دخل إلى لبنان 4200 سيارة. كانت أموالنا موجودة لدى المصارف»، مُشيراً إلى «عدم قدرتنا على فتح اعتمادات لدى المصارف بالدولار، حتى نقدر على أن نستورد البضائع. تواصلنا مع مصرف لبنان أكثر من مرّة، ليساعدنا أقلّه باستيراد قطع الغيار، من دون جواب».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا