في ظل التداعيات الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا في العالم، ضاعت أخبار الحرب التجارية الصينية الأميركية وتطوّرها ومدى انعكاسها على سلاسل القيمة العالمية ومستقبل التكنولوجيا. أخذت هذه الحرب أبعاداً متعدّدة، من أبرزها العقوبات على قطاع التكنولوجيا الصيني. ففي أيار الماضي أصدرت وزارة التجارة الأميركية قراراً يقضي بإجبار كل الشركات التي تستعمل تكنولوجيا أميركية في صناعة أشباه الموصلات (semiconductors) بالحصول على ترخيص من الوزارة قبل تصدير منتجاتها إلى شركة «هواوي» الصينية. وتُعدّ أشباه الموصلات، عنصراً أساسياً في تصنيع الشرائح الإلكترونية، ما يعني أن الهدف الأساسي هو منع «هواوي» من الحصول على أحدث الشرائح أو حتى تصنيعها، علماً بأن مورّدي «هواوي» تمكنوا سابقاً من التحايل على قرارات أميركية مماثلة.

العقوبات الذكية
لا شكّ في أن العقوبات على «هواوي» تشي بأن المستهدف هو قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الصيني بأكمله، أي أن المعنيّ الأول هو الدولة الصينية نظراً إلى احتمال تمدّد العقوبات نحو كل القطاع. وهذه العقوبات ليست جديدة، بل بدأت في عام 2018 بهدف واضح: وقف تمدّد الصين في قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. قد يكون الحلّ بأن تبدأ الصين في تصنيع شرائحها الخاصة، إلا أن هذا الأمر ليس مهمة سهلة على الإطلاق، وليس مضمون النتائج أيضاً. ففي حال شرعت الصين في تنفيذ هذه المهمة، يفترض بها إنشاء خطوط إنتاج شرائح خاصة بها خالية من التكنولوجيا الأميركية، أو من تكنولوجيا الدول التي تدور في الفلك الأميركي. هنا صعوبة المهمّة. فالمسألة الأكثر صعوبة تتعلق باستبدال نظام الحفر فوق البنفسجي الشديد (EUV) الذي تنتجه شركة ASML الهولندية المستخدم لنحت الشرائح، وهي الشركة التي التزمت بالحظر على هواوي منذ عام 2019. الصين تعمل على تطوير نظام كهذا، وهذا أمر لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، فضلاً عن أن كلفته لن تكون منخفضة. في المقابل، تصنيع هذا المنتج محلياً، يمنح الصين والشركات الصينية مزيداً من السيطرة على سلاسل الإنتاج والقدرة على تطوير شرائح حديثة من دون الحاجة إلى تكنولوجيا أميركية لتحديث خطوط الإنتاج القائمة حالياً.


غير أنه حتى لو تمكنت الصين من حلّ مشكلة الآلات، ستبقى لديها مشكلة من نوع آخر، إذ أن تصنيع رقائق أحدث وتطوير هذه العملية، يحتاج إلى أدوات «EDA» (أدوات أتمتة التصميم الإلكتروني) الخاصة بها. وسوق هذه الأدوات التي يمكن تقسيمها إلى خمس فئات فرعية رئيسَة: التصميم، المحاكاة، التحقّق، إعداد التصنيع، والسلامة الوظيفية، تهيمن عليها ثلاث شركات أميركية. ورغم أنه يتردّد بأن «هواوي» تعمل على تطوير مجموعة أدوات «EDA» خاصة بها، لكن ليس واضحاً مدى تقدمها في هذه المهمة. فأدوات الـ«EDA» هي أدوات برمجية مستخدمة لتصميم الدوائر المتكاملة ولوحات الدوائر المطبوعة، وهي أدوات مطلوبة لتأدية مهامّ مختلفة في إطار تصميم شرائح أشباه الموصلات والتحقق منها وتصحيحها. هذا أمر معقّد ولا يمكن القيام به يدوياً، فالتصميمات الحديثة يمكن أن تحتوي على عشرات المليارات من الترانزستورات.
حتى إذا تمكنت الصين من حلّ هذه العقد واللحاق بالتكنولوجيا الغربية، فإن طريق إنتاج شرائح صينية خالصة لن يصبح معبّداً أمام شركاتها. فالأمر يتطلب خطوة أساسية وجوهرية تتعلق باختيار ما يُسمّى «معماريات الشرائح». خطوة كهذه قد تغيّر شكل التواصل والتكامل التكنولوجيين نظراً إلى كون المعماريات ستفرض مساراً محدداً على خطوط الإنتاج التكنولوجي في الصين. الأمر يعود إلى طبيعة هذه المعماريات الضرورية لتصنيع وحدة المعالجة المركزية (CPU). هذه العملية تكون مبنية على اختيار مجموعة تعليمات معمارية (ISA)، من مهامّها توفير الأوامر للمعالج وربط البرنامج بالمعدات. لكن المشكلة أنه قد لا تعمل البرامج المصمّمة من أجل معمارية محدّدة على أخرى مختلفة من دون برامج محاكاة.
صحيح أن الصين، منذ وصول الرئيس «شي» إلى سدّة الحكم، ركّزت على تطوير سياسة الصنع بدلاً من الشراء، لكنها اعتمدت على شراء ملكيات فكرية في مجال معماريات الشرائح، وغالبية الملكيات مسجّلة على أسماء شركات تستخدم أدوات «EDA» أميركية. فعلى سبيل المثال، إن شركة ARM البريطانية المنشأ، لا تستطيع الاستمرار في بيع حقوق ملكياتها الفكرية لـ«هواوي» بسبب استخدام أدوات «EDA» أميركية في تصميم معمارياتها. وتتعقّد المشكلة أكثر بالنظر إلى فئات المعماريات. فهناك «معماريات CISC الأسرع«، و«معماريات RISC الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة». تقليدياً، إن تصنيع الخوادم يتطلب أداء CISC نظراً إلى سرعته. أما بالنسبة إلى عملية تصنيع هاتف، يمكن الاكتفاء بـ RISC. هنا مكمن المشكلة الصينية. فالعالم يتجه إلى تصنيع الشرائح بالاعتماد على معماريات RISC المحمية بمعظمها بملكيات فكرية عبر Arm وMIPS، بينما RISC-V هي معمارية ذات مصدر مفتوح (ليس عليها ملكية فكرية) ولا تزال محدودة الانتشار.
التشعّب التكنولوجي
إذاً، ما الذي يدفع في اتجاه اعتبار خطوة صينية من نوع تصنيع المعماريات قد تغيّر شكل التواصل والتكامل التكنولوجيين في العالم؟ الإجابة تكمن في الآتي: إن اختيار النواة والمعمارية اللتين سيستعملهما المصنّع سيلزم وحدة المعالجة المركزية بنظام خاص بالمعمارية، يشمل الأدوات والتطبيقات والبرامج الوسيطة المتوافقة. لذا، قد يكون صعباً التبديل إذا كان فريق التطوير قد اعتاد بالفعل على «نظام» (أو بيئة) معيّنة. وفي ظل استمرار الحظر الحالي والمتوقّع مستقبلاً على قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الصيني، ستجد الصين نفسها مضطرة لاستخدام معماريات RISC-V المحدودة الانتشار وذات «النظام» المحدود. ما يعني أن التكنولوجيا الصينية ستكون غير قادرة على الاندماج مع التكنولوجيا الغربية من دون برامج محاكاة (والتي قد تكون تستخدم تكنولوجيا أميركية وتكون خاضعة للحظر أيضاً).
معظم الخبراء المطّلعين على مسار تطوّر قطاعات التكنولوجيا الصينية والمتتبّعين لمسار العقوبات والحظر الأميركيين، يعتقدون أن الانقسام التكنولوجي يمكن أن يخلق منصات منفصلة للاتصالات وأنظمة التكنولوجيا العالية التقنية الأخرى، ما يعزّز هذا الاحتمال، هو رد الفعل الصيني على العقوبات الأميركية. ويرى شيانجين وو في دراسة بعنوان «التكنولوجيا والقوة والمنافسة الاستراتيجية غير المنضبطة بين القوى العظمى بين الصين والولايات المتحدة»، أن هناك قلقاً متنامياً بسبب رد الفعل الصيني الذي تبلور من خلال خطة «المعايير الصينية 2035» التي تهدف إلى التأثير في عمل الجيل التالي من تكنولوجيا الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى الذكاء الاصطناعي. وهذا سيشكّل إطار التطوير لمستقبل هذه التكنولوجيا. ويعتقد وو أن السياسة والأيديولوجيا استبدلتا التفكير الإيجابي، بينما تدفع الولايات المتحدة في اتجاه وقف اندفاعة الصين في الابتكار التكنولوجي عبر تقسيم سلاسل القيمة العالمية لأهداف أمنية، فضلاً عن تفاقم المفاهيم الخاطئة المتبادلة بين الحكومتين والمجتمعات الصينية والأميركية.
العالم سيكون أمام خيارين: المضي في استعمال تكنولوجيا غربية محورها الابتكار الأميركي وبكلفة مرتفعة أو استعمال تكنولوجيا الابتكار الصيني الرخيصة وغير القادرة على الاندماج مع المنظومات الغربية بلا إذن أميركي


عملياً، ما تقوم به الولايات المتحدة هو وضع دول وشعوب العالم مجتمعة بين خيارين:
- المضي في استعمال تكنولوجيا غربية محورها الابتكار الأميركي وبكلفة مرتفعة قد تنجم عن ردّ الفعل الصيني الذي سيصل في النهاية إلى طرد الشركات الغربية من جنّة التصنيع الرخيص والعالي المستوى في الصين (يشرح عامر محسن المزايا غير القابلة للاستنساخ لنموذج التصنيع في الصين وللتحديات الجمّة أمام نقل إنتاج الشركات الغربية إلى خارجها).
- اختيار استعمال تكنولوجيا شرقية محورها الابتكار الصيني، وهي لن تكون قادرة على الاندماج مع منظومات التكنولوجيا الغربية من دون إذن أميركي، لكنها في الوقت نفسه رخيصة وتناسب قدرات شعوب العالم ذات الدخل المتوسط والمتدنّي. هذا الخيار هو ضمن اتجاه أميركي أوسع أصبح واضح المعالم لتخيير العالم بين الولايات المتحدة والصين. بين البقاء في جنّة الدولار ومنظومة الاقتصاد العالمي، أو الخروج منها وتحمّل الأكلاف المادية والأمنية للذهاب إلى المعسكر الآخر بعدما اختفى اللون الرمادي من القاموس الأميركي. هذه السياسة الأميركية ازدادت سعاراً بعد تبعات انتشار فيروس كورونا. فالصين كانت الأسرع في الخروج منها، واقتصادها من أول الاقتصادات التي بدأت بالتعافي وبنسب أعلى من المتوقّع. وفي انتظار تبلور نتيجة الجهود الصينية للّحاق بالتكنولوجيا الغربية سيشهد العالم تبعات حرب أميركيّة شديدة الوطأة تدفع الدول بعيداً عن الصين. وفي حال نجحت الصين في ردم الهوّة التكنولوجية، ستبدأ منظومة الاقتصاد العالمي بالتشظي مع ظهور منصتين تكنولوجيتين (غربية وشرقية)، تفرض كل واحدة منهما سلاسل قيمة خاصة بها تدفع نحو التموضع بوضوح ضمن منظومة من دون أخرى.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا