تتعرّض المياه العربية العابرة للحدود، والداخلية أيضاً، إلى عمليات «سطو» موصوفة أقدمت عليها دول مشاركة في أحواض الأنهر الدولية. من أبرز هذه العمليات: السطو على مياه الفرات، السطو على مياه النيل والسطو على مياه الليطاني.

■ ■ ■

سطت تركيا على مياه الفرات على حساب حصّة سوريا والعراق منها، متجاوزة بذلك الأعراف الدولية بشأن الأنهر العابرة للحدود، والتي تشير إلى أنه يحقّ لكل دولة الحصول على حصّتها من مياه النهر، بشرط مراعاة المبادئ الآتية:
- الاستخدام المنصف والعادل.
- ألا تتسبّب بإلحاق الضرر بسائر الدول المشاركة في الحوض.
- الإخطار المسبق لدول الحوض قبل إقدامها على تنفيذ أي مشروع على النهر.
ففي أواخر القرن الماضي، نفّذت تركيا مشروعاً مائياً ضخماً عُرف بمشروع الـGAP الذي أنشأ على نهرَي دجلة والفرات 22 سدّاً مائياً، من بينها سدّ أتاتورك بسعة 48 مليار متر مكعب، إضافة إلى 19محطة توليد طاقة كهربائية. وتقدّر القدرة التخزينية لهذا المشروع بنحو 100 مليار متر مكعب، ما يعني أن تركيا استولت على 80% من طاقة تصريف الفرات، و20%من طاقة تصريف دجلة. وبذلك فإن كمية المياه التي تعبر الحدود التركية لا تتجاوز 13 مليار متر مكعب وهي كمية لا تكفي لسدّ حاجات العراق وحده من المياه، مقابل 28 مليار متر مكعب كانت تعبر الحدود قبل تنفيذ المشروع التركي.
■ ■ ■

تتجلّى عملية السطو الثانية على مياه النيل، بإقدام إثيوبيا أخيراً ( 2011 - 2019) على بناء أربعة سدود مائية كبرى سعتها الإجمالية تصل إلى 150 مليار متر مكعب. أكبر هذه السدود، سدّ الألفية، الذي عُرف باسم سدّ النهضة. «تبتلع» هذه السدود كامل طاقة تصريف النيل الأزرق - أحد روافد النيل الأساسية.
أقيم هذا السدّ الضخم على مقربة من الحدود مع السودان ولا يبعد عنها سوى مسافة تمتدّ بين 20 كيلومتراً أو 30 كيلومتراً فقط. هذا الأمر يسمح لإثيوبيا بالتحكّم في تصريف مياه النيل بالكامل. من بين ضحايا عملية السطو هذه، قطران عربيان هما :مصر، والسودان اللذان يأويان أكثر من 40% من سكان الوطن العربي.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لا مجال للتذكير بأنّ مصر تعتمد على النيل بنسبة 90% من حاجاتها للمياه، وتشتهر تاريخياً بين دول الحوض العشر بأنها الأقدم والأعرق في استخدام مياه النهر.
من أهم الآثار السلبية التي يلحقها سدّ النهضة ببلدَي الحوض السفلي (مصر والسودان)، وخصوصاً مصر باعتبارها بلد المصبّ:
- انخفاض حصّة البلدين من مياه النهر، ولا سيما حصّة مصر المقدّرة بنحو 55 مليار متر مكعب سنوياً، والتي يتوقع أن تنخفض بنحو 20 مليار متر مكعب خلال فترة تعبئة السدود. سيكون لهذا الانخفاض الملحوظ أثر سلبي واسع على توليد الطاقة في السدّ العالي، وأثر مماثل على إنتاج المحاصيل الزراعية في مصر وخصوصاً إنتاج المحاصيل المخصّصة للغذاء.
- تكمن أهمّ مخاطر سدّ النهضة في النتائج الكارثية التي قد تحصل في حال انهياره لأيّ سبب من الأسباب، مثل هزّة أرضية أو ارتفاع منسوب المياه في النيل. ففي حالات الفيضانات التي تحصل في أعقاب تصاعد وتيرة هطول الأمطار وما ينتج منها من سيول، لا قدرة للسدّ على استيعابها. إذا حصل ذلك، فإن كارثة حتمية ستؤدي إلى تدمير وانهيار سدود السودان الأربعة وارتفاع مستويات المياه في مجرى النيل إلى درجة غير مسبوقة ستجرف بطريقها مدينة الخرطوم وبقية القرى والتجمعات السكنية القائمة على النيل، وصولاً إلى السدّ العالي الذي تبلغ سعته 125 مليار متر مكعب، وطاقة تهريب المياه منه تقدّر بنحو 23 مليار مكعب، أي أن كميّة المياه المتدفّقة من سدّ النهضة وسدود السودان ستصبّ فوق مخزون السدّ العالي، ما سيؤدي إلى انهياره وتدميره.
المياه المجمّعة من هذه السدود كلّها، ستؤدي إلى تدمير جميع المنشآت القائمة على امتداد المسافة بين أسوان والمصبّ، بما في ذلك مدينة القاهرة نفسها.
■ ■ ■

إن مسلسل التعدّي على المياه العربية الذي حصل حتى الآن، سلب العرب المقيمين بين نهرَي الفرات والنيل حقّهم التاريخي بمياه النهرين. هذا الحقّ الذي أكدته حضارة وادي النيل، وحضارة بلاد ما بين النهرين، منذ آلاف السنين. لكنّ عمليتَي السطو الأخيرتين على مياه النيل والفرات، ألحقتا ضرراً فادحاً بنصف سكان الوطن العربي، وهما لن تكونا آخر الأطماع الخارجية بالمياه العربية. فمسلسل التعدّي سبق ذلك بكثير. فعند نشوء الكيان الصهيوني في عام 1948، أطلقت إسرائيل شعارها الشهير: حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل. كما رفعت شعاراً آخر عنوانه: كلما شنّت إسرائيل حرباً على العرب، عليها أن تحقق مكسباً على «جبهة المياه».
فأثناء اغتصاب فلسطين عام 1948، وسّع الكيان حدوده التي رسمها التقسيم لتلامس منابع المياه على الحدود الشرقية والشمالية، وأقامت مستعمراتها الأولى (كيبوتز موشاف) على شواطئ طبريا، ومنابع بانياس والدان والحاصباني. وعند تراجعه بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، ثبت الكيان الإسرائيلي أقداماً على البحر الأحمر. وخلال الفترة (1954 - 1964) نفّذت إسرائيل، من دون حرب، عملية السطو الكبرى على الروافد العليا لنهر الأردن والتي عُدّت بمثابة السطو الأول على المياه العربية، وبموجبها استولت اسرائيل على ثلثي مياه النهر الذي تتراوح طاقة تصريفه بين 1100 - 1200 مليون متر مكعب.
لاحقاً، أطلق الكيان الصهيوني مشروع تحويل روافد نهر الأردن: الناقل القطري (طبريا - النقب). يتضمن هذا المشروع مجموعة خطوات: ضخّ مياه الروافد من قعر بحيرة طبريا (212 م) إلى محطة الطابغة (44 م)، ثم تُنقل بأنابيب اسمنتية إلى خزان البطوف ومنه تضخّ إلى قناة مكشوفة تخترق سهل بيان ومرج ابن عامر عبر أنفاق وأنابيب تقترب من السهل الساحلي لتلتقي مع مشروع العوجا (البركون) لتصل عبر خطين إلى صحراء النقب.
عملية السطو الأولى على مياه الأردن، حققت المكاسب الآتية:
- استيعاب نحو مليوني مهاجر يهودي جديد في صحراء النقب، ما أتاح مضاعفة عدد سكان إسرائيل.
- ريّ مساحة 30 ألف هكتار في صحراء النقب، وفي أراض مستصلحة جديدة.
- تأمين مياه الشفة والخدمة المنزلية والصناعية للقادمين الجدد.
أما في حرب حزيران عام 1967، فقد استولت إسرائيل على خزان المياه الجوفي الذي يختزنه جبل الشيخ ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا. كذلك استولت على منابع الأردن في هضبة الجولان، واقتربت كثيراً من مجرى نهر اليرموك الذي يرفد الأردن أسفل بحيرة طبريا. ثم استولت على ما تبقى من مياه الضفة بعد احتلالها بالكامل.
الأطماع بالمياه العربيّة تبدأ من تركيا وتمرّ بإثيوبيا، وصولاً إلى إسرائيل التي استعملت القوّة للحصول على ما تريده أو المفاوضات


وعندما اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 أطلقت على هذه العملية اسم «عملية الليطاني» كدلالة واضحة على أطماعها، ثم نفذت اجتياحاً ثانياً في عام 1982 لتنفيذ عملية السطو الثانية. قضت هذه العملية بجرّ مياه الليطاني بواسطة الجاذبية من نقطة تقع أسفل جسر الخردلي (240 م) عبر نفق أرضي طوله من 8 إلى 10 كلم، وصولاً إلى جسر بنات يعقوب (160 م) لتلتقي بمياه الحاصباني، على أن تجري المياه في قناة مكشوفة لتبلغ محطة الطابغة على الطرف الغربي لطبريّا التي تمثّل نقطة انطلاق مشروع الناقل القطري (طبريا - النقب).
وحرص الإسرائيليون على أمرين: منع المياه المحوّلة من دخول بحيرة طبريّا لتلافي أكلاف الضخ، وعدم اختلاطها بمياه البحيرة التي تشكو من مشكلة التملح. ولتشغيل منشآت مشروع التحويل، بقي على إسرائيل أن تضيف إليها جداراً (batardeau) ينشأ في عرض النهر تحت جسر الخردلي. المقاومة (الوطنية والإسلامية) منعتها من تحقيق هذه الخطوة خلال عشرين عاماً ونيف من احتلالها، علماً بأنها احتفظت بنقاط أمنية عند انسحابها عام 1985 في تلال (السويدا، وطهرة، وعلي الطاهر) شمالي النهر، لحراسة مواقع التحويل.

■ ■ ■

إلى جانب عمليات السطو المنفذة، هناك أخرى غير منفذة تحاول إسرائيل الحصول عليها بالمفاوضات. فالكيان يطمح الى الحصول على مياه إضافية عبر مشروع «ترعة السلام» الذي أطلقه الرئيس أنور السادات إثناء زيارته لحيفا في عام 1979 ليمدّ إسرائيل بمياه من النيل. المشروع يتضمّن نقل مياه النيل من فتحة تحت قناة السويس عبر قساطل تخترق صحراء سيناء، لتصل إلى شبكات الريّ في صحراء النقب ومنها إلى المناطق السكنية في إسرائيل. ولتغطية «مكرمته» ادّعى السادات أنّ المياه ستخصّص، بالدرجة الأولى، لسكان المستعمرات في الضفة الذين سيُنقَلون إلى مزارع جديدة تقام في النقب.
إن مشروع «ترعة السلام» سيزوّد إسرائيل بكمية من مياه النيل تقدر بنحو 850 مليون متر مكعب، وهي كافية لاستدعاء ثلاثة ملايين يهودي جديد إلى أرض فلسطين.
كذلك هناك مشروع أنابيب السلام الذي ينقل نحو ملياري متر مكعب من مياه (دجلة والفرات) انطلاقاً من مشروع الغاب التركي عبر خطّين متوازيين: خطّ غربي يمرّ في سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، وخط غربي آخر، أُطلق عليه اسم خط الخليج. وقد تعهّد العرب بتمويل هذا المشروع الذي تبلغ كلفته نحو 25 مليار دولار، بينما تحلم إسرائيل بالحصول على حصّة من هذا المشروع باعتبار أنها على علاقة جيدة ببلد المنشأ (تركيا) وبمعظم الدول المموّلة والمستفيدة من مياه المشروع، سواء الأردن أو المملكة العربية السعودية والدول المطبّعة حديثاً (البحرين والإمارات العربية المتحدة).
إذا حصلت إسرائيل على مياه إضافية من «ترعة السلام» أو من «أنابيب السلام» تستطيع الادعاء بأنّها حقّقت شعارها الشهير: «حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل». وإذا غفر العرب لإسرائيل سطوتها الأولى على مياه نهر الأردن، وهو النهر الذي اغتسل بمياهه أولياؤهم، وبعض أنبيائهم، ودفنوا على ضفتَيه خيرة قادة فتوحاتهم، فإنّ المقاومة في لبنان لن تسمح لإسرائيل بأن تنفذ عمليّة السطو على مياه الليطاني، لا بالحرب، ولا عن طريق المفاوضات.

* مهندس زراعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا