لم ينقطع الجدل بشأن تحديد الخسائر وتوزيعها في رحلة هبوطنا نحو قاع الأزمة، وهو نقاش مهمّ لتحديد وجهة السير في رحلة الصعود منها إذا كان هناك صعود قريب. وللخسائر وجهان تقنيّ واقتصاديّ؛ ولتوزيعها وجه إضافي يمثّله الصراع السياسي بين المعنيين بتحمّل الأعباء والذي يُراد له أن ينتهي بغالب ومغلوب.

المنطلقات التقنية ما زالت طاغية على النقاش مع أنّ الصناعة المصرفية في لبنان كشفت عن ضآلة إلمامها بتحليل المخاطر وإدارتها لها، على نحو لا يليق بمزاعمنا عن فرادة القطاع المصرفي وعراقته. لقد كان البحث عن الربح السريع والفوري هو السمة التي غلبت على عمل العديد من المصارف والكثير من المصرفيين، وحتى في ذلك كانت تقنيات تقدير الأرباح مبسّطة أو مُتلاعباً بها، وقائمة في جميع الأحوال على إهمال مصالح المودعين.
وهذا مردّه استطراداً إلى خلل مقصود أو غير مقصود في تحديد نسب المخاطر، التي بتغيرها صعوداً أو هبوطاً، تزداد أو تقلّ متطلبات رأس المال والمؤونات والاحتياطيات الإضافية، وتتغير نسب الأرباح المصرّح عنها. فلو أُخذت المخاطر تلك منذ البداية على محمل الجدّ، كان على المصارف أن تحمل من تلقاء نفسها ومن دون انتظار التعاميم والقرارات، مؤونات كافية، في مقابل توظيفاتها في سندات اليوروبوندز وسندات الخزينة ولدى مصرف لبنان، بل إنّ ما عدّته المصارف منذ عام 2015 على الأقل أرباحاً هي في واقع الحال تسويات دفترية تخفي خسائر محققة.
ومن نافل القول أن نشير هنا إلى إهمال البعد الاقتصادي في تحليل الأزمة وانعكاسها على القطاع المالي، وهذه مهمّة البنك المركزي بالدرجة الأولى، الذي كان عليه أن يأخذ في حسبانه الانكشاف الاقتصادي Economic exposures لميزانيته وميزانية القطاع المصرفي وخصوصاً تجاه التقلّب المحتمَل في التدفقات المالية من الخارج.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

هناك إذاً أكثر من وجهة نظر واحدة بخصوص خسائر القطاع المالي حتى ضمن المقاربة التقليدية التي اعتمدتها السلطة النقدية في هذا المجال، لكن تقدير حصّة الدولة من الخسائر تبدو أكثر سهولة لأنها ببساطة تساوي تماماً، أو تقريباً، القيمة الفعلية للديون المستحقة التي امتنعت عن تسديدها، زائداً المستحقات المتأخرة. ويبدو موقع الدولة في الأزمة أقوى من غيرها، لقدرتها على تغيير قواعد اللعبة من أساسها من خلال تعديل الأطر المحاسبية المستخدمة والسياسات ذات الصلة بها.
وسنلاحظ هنا أنّ المصرف المركزي قادر على تحمّل التبعات والخسائر على المدى القصير فيما تنجح الحكومات بذلك على المدى الطويل. نظرياً، لا تحوز السلطة النقدية حقوقاً سيادية مماثلة لتلك التي تمتلكها السلطة المالية رغم ما تتمتع به من مزايا متأتية من حقها الاحتكاري بخلق الأموال وحصانتها من الإفلاس. لكن مشكلة المصارف المركزية تكمن في ما تعدّ إحدى نقاط قوتها، أي قدرتها على استيعاب الخسائر و«إخفائها» أطول مدة ممكنة، ففي لحظة ما تصبح الأصول الصافية السلبية في ميزانيتها أكبر من مجموع التدفقات المالية المخصومة التي يمكن أن تحصل عليها في المستقبل. وفي هذه الحالة، وهي بالتحديد حالة لبنان، تنتقل المعالجة من المجال النقدي ببعده المحاسبي «السهل» إلى مجال آخر ذي أبعاد مالية واقتصادية متشابكة. فللهروب من وضع كهذا لا تجد المصارف المركزية أمامها إلّا تخفيف رقابتها على التضخم أو الحصول على أموال طازجة من خلال إدخال تعديلات على السياسة التجارية، أو باللجوء إلى دافعي الضرائب.
المشكلة لدينا أعمق من ذلك، فنادراً ما نجد انحرافاً في الميزانية كالذي رأيناه في ميزانية مصرف لبنان، التي تقلّ فيها الأصول الخارجية بالعملات والذهب، عن 30% من الموجودات، فيما استحوذت ودائع المصارف التجارية لديه واستثماراتها فيه على نحو %75 من مطلوباته. وبهذا قُلب هرمه المالي رأساً على عقب. وللمقارنة لا تقل الموجودات الخارجية عن %70 من مجموع موجودات المصارف المركزية في معظم الدول: 98% في سويسرا، أكثر من الثلثين في دول الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا MENA، و85% و%65 على التوالي في الأردن وتونس، وأكثر من %55 في دولتين مرّتا بأزمات نقدية هما مصر وتركيا.
ومن هذه الثغرة ولد «الدولار اللبناني» وهو قنبلة تضخم هائل مكبوتة، وجبل سيولة متراكم من شأن استمراره في الذوبان أن يُغرق الاقتصاد والمجتمع بطوفانه. ولنتصوّر أن فجوة الصرف الأجنبي تحوّلت إلى سيولة في خمس سنوات أو عشر سنوات، كما يخطط بعضهم هروباً من إيجاد حلول واقعية وعادلة للأزمة، فهذا يعني تضاعف الكتلة النقدية «صفر» M0 (النقود في التداول) مرّات عدة إن لم نقل عشرات المرات ومعها أسعار الصرف.

الانطلاق من الحلقة الأخيرة للأزمة
لذا، إن تتبع المسؤوليات عن الأزمة يجب أن يبدأ من حلقتها الأخيرة، وأن يستند تحديدها إلى طبيعة العلاقة بين المستفيدين والمتضررين ومدى تكافؤ هذه العلاقة. فبؤرة مشكلة الخسائر تتركز حالياً في علاقة المودعين بالمصارف، وهي في جوهرها علاقة تعاقدية غير متكافئة، وزادها اختلالاً تقاعس المؤسسات المعنية عن القيام بواجباتها. وفيما تحظى المصارف، رغم دورها في الأزمة بمقعد «معترف به» على طاولة النقاش بشأن المخارج والحلول، وتجد لآرائها آذاناً صاغية، لا مكان للمودعين على هذه الطاولة وليس هناك من يمثّل مصالحهم التي تساوي أضعافاً مضاعفة من مصالح المصارف، مع الأخذ في الاعتبار الفرق بين حجم ودائعهم المقدّرة بـأكثر من 140 مليار دولار أميركي ورساميل المصارف التي لا تزيد على 20 مليار دولار.
بخلاف ذلك، اتّسمت العلاقة بين الدولة (الحكومة والمصرف المركزي) والمصارف بقدر كبير من التكافؤ والندية من النواحي التقنية والسياسية والواقعية. بل كانت راجحة في كثير من الأحيان لمصلحة المصارف. لم يغرّر أحد بأحد، ذهبت المصارف بملء إرادتها نحو تركيز توظيفاتها لدى الحكومة تارة وعند المصرف المركزي تارة أخرى، كما استفادت من التسهيلات التي أعطاها لها هذا الأخير لتعزيز انتشارها في الخارج، ثم من الدعم الذي وفّره لها لتغطية خسائرها التي تكبدتها في عدد من دول المنطقة. وتدل العلاقة التناسبية بين زيادة توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان وتراجع اكتتاباتها في سندات الخزينة، على استقلالية قرارها. وقد أبدت المصارف قدرة فائقة على المساومة، وخصوصاً في تحديد معدلات الفائدة التي كانت في معظم الأحيان أعلى من معدلاتها الطبيعية.
يختلف الأمر بالنسبة إلى المودعين، فمن حقهم أن يطالبوا المصارف بودائعهم، ومن واجبها أن تستجيب. لا يمكن التذرّع بعدم مراعاة المودع للخطر (صغار المودعين ومتوسطيهم تحديداً). الوساطة المصرفية والمالية إنما وجدت أصلاً للوكالة عن المودع في تقييم المخاطر ولجمها، وخفض كلفة المعلومات ذات الصلة وتقليل تكاليفه. بل إنّ سبب وجود المؤسسات المالية يكمن في تجنيب الأسر والمودعين ضمناً الخسائر أو الأكلاف التي يمكن أن تترتب عليهم في عالم خالٍ من الوساطة المصرفية. وعلى عكس ذلك، كانت أكلاف الوساطة المالية ومخاطرها تزداد في لبنان على نحو مطّرد ومتناسب مع زيادة حجم القطاع المصرفي الذي لم يقُم بدور الوساطة ولم يمارس دوره بصفته وكيلاً عن المودعين في توظيف أموالهم وخفض المخاطر وتوفير السيولة.
باختصار، تتحمل المصارف مسؤولية تقنية ومعنوية عن الأزمة تفوق ما يتحمله الآخرون، وذلك من أموالها الخاصة ومن الرساميل الإضافية التي عليها أن تكوّنها مجدداً، وبصرف النظر عما سيفعله غيرها. ولا تقف مسؤوليتها عند حدود الودائع، بل تتعداها إلى وجوب المساهمة أيضاً في تأمين عملات أجنبية تغطي جزءاً من عجز ميزان المدفوعات في السنوات الخمس المقبلة. لماذا هي مسؤولة عن ذلك أيضاً؟ لأنها سهّلت هروب الأموال في ذروة الأزمة على نحو تمييزي، ولأنها فضّلت أيضاً المكاسب السهلة والعالية التي تصبّ خارج دورة الإنتاج على المكاسب التي كان يمكن أن تأتي من داخلها، وهذا كان سبباً رئيسياً لتنامي العجز في الحساب الجاري طوال عقدين من الزمن، وتسبب في استنزاف تدريجي وخطير للموجودات الخارجية.

التخلي عن أصول الدولة
لكن ماذا عن ديون الدولة ومعها التزامات المصرف المركزي؟ يمكن مقاربة هذه الديون والالتزامات على نحو مختلف مقارنة بالمصارف، من خلال مزيج من الإجراءات السيادية كالامتناع عن الدفع، وفرض ضريبة على الثروة، والإجراءات الاقتصادية مثل تصحيح عجز الميزان التجاري وميزان الحساب الجاري، والتي يسهم نجاحها في زيادة قيمة الأصول والقيم غير القابلة للتداول وتحسين جاذبيتها بالنسبة إلى غير المقيمين، وهذا من شأنه فتح الطريق من جديد أمام تدفّق الأموال من الخارج.
يبقى طرح تخلّي الدولة عما تملكه من أصول إنتاجية، لمصلحة مصرف لبنان وضمناً للمصارف التجارية. سنتجاوز هنا أخطاء تقنية مقصودة مثل تضخيم ديون المصرف المركزي على الدولة لجعلها موازية لأصول الدولة من خلال اعتماد سعر صرف مخفّض، وإذا تجاوزنا أيضاً النقاش المبدئي بشأن ما إذا كان جائزاً تخلّي الدولة عن أصولها ولا سيما في لحظة كهذه، ولمصلحة من سيكون ذلك (لأقل من ألف مودع؟) وما انعكاسات ذلك على ملاءة البلد وعلى قدرته على تحمل الصدمات في المستقبل وعلى الوصول إلى التعافي الدائم؟ وبماذا يختلف بيع أصول الدولة الاستثمارية ومؤسساتها المربحة عن بيع الذهب؟ وما تبعات ذلك على مصالح المستهلكين والمنتجين ودور الدولة؟
تتحمّل المصارف مسؤولية تقنية ومعنوية عن الأزمة تفوق ما يتحمّله الآخرون، وذلك من أموالها الخاصة ومن الرساميل الإضافية التي عليها أن تكوّنها مجدّداً، وبصرف النظر عما سيفعله غيرها. ولا تقف مسؤوليتها عند حدود الودائع، بل تتعدّاها إلى وجوب المساهمة أيضاً في تأمين عملات أجنبية تغطي جزءاً من عجز ميزان المدفوعات في السنوات الخمس المقبلة


إذا تجاهلنا هذه الأسئلة كلها، فهل يمكننا أن نغضّ الطرف عن أن نقل ملكية أصول الدولة في الداخل من يد إلى يد لا يعود على الاقتصاد و لا على المودعين بأي نفع، بل يغذّي آمالاً ضعيفة باستعادة الثقة وتحريك دورة التدفقات مجدداً من دون ضمانات جدية بحصول ذلك.
بمعنى آخر، إنّ أصول الدولة المكوّنة من مرافق ومؤسسات ذات طابع تجاري وعقارات وأملاك متنوعة، هي بمثابة أصول غير قابلة للتبادل الدولي، وستظلّ كذلك ما دام لبنان غارقاً في أزمته ولم يتعافَ بعد. وبذلك يشبه وضعها وضع ما سُمي بـ«الدولار اللبناني»، وأقصى ما سيحصل عليه المودع في مقابل تلك الأصول إذا تخلّت الدولة عنها للقطاع المصرفي، هو مزيد من الليرات اللبنانية. فسواء كانت أصول المصارف المقابلة لمطلوباتها احتياطات إضافية لدى مصرف لبنان، أو اكتتابات في شهادات الإيداع لديه، أو في سندات اليوروبوندز الحكومية، أو كانت أصولاً عقارية أو مرافق ومؤسسات وشركات مملوكة من الدولة، فإنها غير قابلة للتسييل إلّا في مقابل أصول محلية مماثلة لها، ولا يمكن الاستفادة منها للحصول على تدفقات بالعملات الأجنبية من الخارج. علماً بأن حركة أسعار الأصول المذكورة متماثلة في ظروف الأزمة الراهنة في حالتَي الصعود والهبوط.
في المحصّلة، إن النقاش بشأن حجم الخسائر وتوزيعها ليس تقنيا وقانونياً وأخلاقياً فحسب، بل ينطوي على أبعاد اقتصادية طويلة المدى لا يمكن إغفالها. فالانطلاق من نقطة بدء صحيحة في تحمل الخسائر، لا يحدّد فقط الرابحين والخاسرين، أو إذا شئت، الخاسرين والأقل خسارة، بل يقودنا إما نحو تحريك عجلة الاقتصاد وتسريع وتيرة الشفاء والنهوض، أو نحو الاكتفاء بانفراجات مؤقتة وقصيرة الأمد وضعيفة الفعالية سرعان ما تختفي تحت وطأة أزمة جديدة. وحينها تكون مديونيتنا الخارجية قد تضاعفت، وفقدت الدولة آخر ما تملكه من أصول قابلة للبيع، إلّا إذا نُظر إلى موقع لبنان الجيوسياسي على أنه مصدر جديد للريوع، وثروة قابلة للتسييل في المزاد الإقليمي المفتوح على مقايضات مريرة بين السيادة والغذاء!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا