زاد الدين العام للولايات المتحدة في أثناء وباء كورونا بمقدار غير معقول: 4,5 تريليون دولار (4500 مليار دولار). قبل عام واحد كان سقف الدين بحدود 22 تريليون دولار، إلا أنه ارتفع إلى 26,5 تريليوناً (26500 مليار دولار). والحال أن هذه المليارات صارت تتسرّب بسرعة.

مع ذلك، لم يكن أكبر مالكي السندات الحكومية الأميركية، أي اليابان والصين، هما من موّل هذه الزيادة في الديون. بل على العكس عملت هاتان الدولتان على خفض حصّتهما من الديون الأميركية، وخصوصاً الصين.
كانت هناك زيادة بسيطة في حيازات الدول الأخرى من السندات الأميركية، علماً بأن بعضها يعدّ «ملاذاً» للشركات الأميركية، مثل أيرلندا ولوكسمبورغ وجزر كايمان وبلجيكا. أما الأجزاء الرئيسَة من الديون الجديدة فهي مرتبطة بطباعة النقود في الاحتياطي الفيدرالي، فضلاً عن شراء الصناديق والمصارف والشركات في داخل الولايات المتحدة.


من الواضح أن هذا المسار سيؤدي في النهاية إلى انهيار. فالصين وروسيا قلّلتا بشكل كبير من استخدامهما للدولار الأميركي في تعاملهما التجاري خلال العامين الأخيرين. وبعدما كان استخدامهما للدولار يغطي 90% من معاملاتهما عام 2015، ظل ينخفض حتى لم يبلغ في عام 2020 سوى 46%، وقد يصبح الطريق إلى نسبة الصفر في المئة قصيراً جداً.
في عام 2018 كتب الخبير الاقتصادي الفنلندي جون هيليفيغ، مقالة تستند إلى دراسة قامت بها مجموعة أوارا الروسية التي استنتجت الآتي:
في عام 2024 سيصل الدين الأميركي إلى 140% من الناتج المحلي الإجمالي، وسيبلغ صافي الزيادة في الدين ما بين 10 آلاف – 15 ألف مليار دولار من عام 2019 إلى عام 2024. ووصولاً حتى عام 2028 تكون الولايات المتحدة قد أنفقت 1,5 تريليون دولار على مدفوعات الفوائد، أي نحو 25% من كامل الميزانية.
لم يحصل أي نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي الأميركي منذ عام 2007، فنمو الدين العام قد فاق النمو في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي خلال معظم السنوات منذ عام 2007. غير أن الحسابات الأميركية مليئة بالتلاعب بالأرقام. إن كلفة الحروب تخلق عجزاً كبيراً، وتزيد النفقات الاجتماعية بشدّة فتجعل من المستحيل تحقيق خفض حقيقي في النفقات.
يظن كثير من الأميركيين أن معاشاتهم التقاعدية هي نوع من العقود بينهم وبين الدولة. لكن الوضع ليس هكذا. فالمفروض من حيث المبدأ - نظرياً - أن تتم تغطية المعاشات التقاعدية والتكاليف الصحية عن طريق إنشاء الصناديق. المشكلة هي أنها، في واقع الأمر، بلا تغطية في أي صندوق! إنه نقص هائل في التغطية، يقدّره مكتب الميزانية الحكومي بـ 46,7 تريليون دولار (المصدر: التقرير المالي للحكومة الأميركية لعام 2017).
وفقاً لتقديرات مجموعة أوارا، سوف تلتهم الفوائد، والمعاشات التقاعدية، وأكلاف الصحة، سويةً 59% من الميزانية الاتحادية في عام 2028. أما انفجار الديون عام 2020، والزيادة المتطرفة في البطالة بسبب وباء كورونا، فسوف يفوقان حتى توقعات هيليفيغ القاتمة. فبحسب إحصائيات حكومة الظل، كان المعدل الحقيقي للبطالة في الولايات المتحدة في تموز هذا العام 30%.
في عام 2018 ازدادت نفقات الفائدة إلى 7% من ميزانية الدولة، وهي بحد ذاتها نسبة كبيرة جداً، أما لو كان هيليفيك على حقّ ونفقات الفائدة اليوم قد وصلت الى 25%، فالوضع نفسه يخبرنا بأنه ليس وضعاً مستداماً أبداً.

* بول ستيغان هو أحد أبرز المحللين الجيوسياسيين في النرويج واسكندنافيا
ترجمة سمير طاهر