وضعت الحكومة في ورقتها الإصلاحية تصوراً عاماً لإعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي بشقيه، مصرف لبنان والمصارف التجارية بسبب الخسائر الضخمة التي تكبدوها. في ما خص مصرف لبنان، قدّرت الورقة خسائره بنحو 177 تريليون ليرة لبنانية ناجمة عن العمليات التي نفّذها على مدى العقود الثلاثة الماضية (خسائر ناتجة من تثبيت سعر صرف الليرة، وتمويل عجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات، والقروض المدعومة، وتمويل عمليات الدمج المصرفي، والهندسات المالية وغيرها التي تم تقديرها بنحو 66 تريليون ليرة)، وباقي الخسارة ناجمة عن شطب حيازة مصرف لبنان من سندات الخزينة بالليرة وبالدولار. وأوردت الورقة أن هذه الخسارة ستتم تغطيتها كما يلي:

- شطب رأسمال مصرف لبنان البالغ 6 تريليونات ليرة.
- تغطية 36 تريليون ليرة من خلال إعادة تقييم مطلوبات مصرف لبنان.
- شطب 121 تريليون ليرة من مطلوبات مصرف لبنان للمصارف.
- يبقى 14 تريليون ليرة تمثّل رأسمال سلبياً. مع الإشارة إلى أن هذه البيانات هي لنيسان 2020.
في المقابل أودعت المصارف التجارية لدى مصرف لبنان (حتى نهاية شهر أيار 2020) ما يعادل 174.5 تريليون ليرة (بالليرة أو بالدولار). وبالتالي، فإنّ أيّ شطب لمطلوبات مصرف لبنان، سيتحول تلقائياً إلى خسائر للمصارف، وهو ما ذكرته الخطة صراحة. كما تضيف الخطة تقديرات للخسائر الأخرى للقطاع المصرفي تتمثل أساساً بشطب جزء من حيازات المصارف لسندات الخزينة بالليرة وبالدولار، بالإضافة إلى خسائر في محافظها التسليفية، قدّرتها بنسبة 30%.
في المحصّلة، يبلغ مجمل خسائر المصارف التجارية من هذه المصادر الثلاثة – بحسب ورقة الحكومة – نحو 186 تريليون ليرة. مع الإشارة إلى أنه حتى لو تحقّقت جميع هذه الخسائر والتي تفوق إجمالي رأسمال القطاع المصرفي بستّة أضعاف، لا يُمكن الاستنتاج أن جميع المصارف ستصل إلى حدّ الإفلاس، بل يتوقف ذلك على حجم سندات الخزينة وشهادات الإيداع التي تحملها في ميزانيتها من جهة، وحجم رأسمالها من جهة أخرى.



بالنسبة إلى تعرض المصارف للدين السيادي (بشقَّيه الحكومي ومصرف لبنان)، هو يختلف بشكل كبير بينها. فضمن ما يُسمى بمجموعة ألفا، تتراوح نسبة تركّز الدين السيادي من مجمل الموجودات بين 36.5% لدى بنك البحر المتوسط و4.2% لدى بنك الاعتماد المصرفي، وهو ما يُظهر التفاوت الكبير في الخسائر الناجمة عن شطب مطلوبات مصرف لبنان وسندات الخزينة على المصارف. وفي حال تم شطب سندات الخزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان، سيؤدّي ذلك إلى شطب 36.5% من موجودات بنك البحر المتوسط، و34.2% من موجودات انتركونتيننتال بنك، و31.8% من موجودات فرست ناشيونال بنك، و28.4% من موجودات بنك بيروت والبلاد العربية، و26.3% من موجودات بنك بيروت، و26.1% من موجودات البنك اللبناني السويسري، و25.3% من موجودات فرنسبنك، و22.4% من موجودات بنك عودة، و22.2% من موجودات الاعتماد اللبناني، و18.9% من موجودات البنك اللبناني الفرنسي، و18% من موجودات بنك سوسيتيه جنرال، و16.8% من موجودات بنك بيبلوس، و11.9% من موجودات بنك لبنان والخليج، و9.2% من موجودات بنك لبنان والمهجر، و7.5% من موجودات بنك سرادار، و4.2% من موجودات بنك الاعتماد المصرفي.
وحتى لو افترضنا أن لدى الحكومة ومصرف لبنان القدرة والرغبة في تسديد سندات الخزينة وشهادات الإيداع بالليرة عبر عمليات الطبع، إلّا أنه لا إمكانية لتسديد الدين بالدولار، ما يؤدّي إلى انخفاض نسبة شطب الموجودات إلى 21.9% لدى فرست ناشيونال بنك، و18.6% لدى بنك البحر المتوسط، و15.8% لدى انتركونتيننتال بنك، و15.2% لدى بنك بيروت، و14.1% لدى البنك اللبناني السويسري، و12.1% لدى سوسيته جنرال، و11.8% لدى بنك عودة، و11.3% لدى بنك بيروت والبلاد العربية، و9.7% لدى البنك اللبناني الفرنسي، و9.4% لدى فرنسبنك، و9% لدى الاعتماد اللبناني، و8.7% لدى بنك بيبلوس، و6.1% لدى بنك سرادار، و5.8% لدى بنك لبنان والخليج، و3.7% لدى بنك لبنان والمهجر، و2.3% لدى الاعتماد المصرفي.
تدلّ هذه الأرقام على الفرق الكبير في توزيع الخسائر الناجمة عن إعادة هيكلة الدين العام ومطلوبات مصرف لبنان الواردة في خطة الحكومة على المصارف. وفي حين يمكن لعدد من المصارف استعياب تلك الخسائر، فإنّ عدداً آخر لن يتمكّن من ذلك، وسوف يكون مصيره التصفية أو الاستحواذ من قِبل مصرف آخر.




بحسب خطة الحكومة، فإنه ضمن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، يتوجّب إجراء عمليات دمج أو استحواذ بين المصارف اللبنانية نفسها، أو مع مصارف أجنبية، سواء من تلقاء نفسها أو قسرياً. لكن الخطة ظلّت ضمن العموميات ولم توضح بأيّ شكل من الأشكال معايير البقاء، أو معايير فرض عمليات الدمج أو الاستحواذ، أو حتى معايير التصفية. لذا، سنضع سيناريوين (جدول1 و2) للخسائر الناجمة عن عمليات شطب سندات الخزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان وخسائر محافظ الائتمان، وما يمكن أن يؤدّيا إليه من تآكل في رساميل مصارف مجموعة ألفا، وبالتالي قدرتها على الاستمرار. لا يمكن اعتبار مخرجات السيناريوين دليلاً قاطعاً على إمكانية استمرار المصارف من عدمها، إلّا أنه يمكن الاستدلال بها لرسم صورة عما يمكن أن تؤدّي إليه قرارات إعادة هيكلة المصرف.
في السيناريو الأول، نفترض قيام الحكومة بشطب جميع مبالغ سندات الخزينة وشهادات إيداع مصرف لبنان سواء كانت بالليرة أو بالدولار، كما نفترض أن تبلغ نسبة خسائر محفظة القروض 30%. أما السيناريو الثاني فهو أقل سوءاً لأنه يفترض شطب سندات الخزينة وشهادات مصرف لبنان بالدولار فقط (يمكن نظرياً على الأقل تسديد جميع مطلوبات الحكومة ومصرف لبنان بالليرة)، وأن تبلغ نسبة خسائر القروض 15% فقط، وذلك بناء على وجود ضمانات تغطي جزءاً من تلك القروض. مع الإشارة أيضاً، إلى أننا سنعتمد مقاربة الحكومة لأنها أقرب إلى المنطق حتى من وجهة نظر صندوق النقد الدولي الذي رفض مقاربة المصارف في احتساب الخسائر.
من الواضح أن عدداً من مصارف «ألفا» لن تستطيع الاستمرار بسبب قيمة الخسائر التي تفوق حقوق الملكية


رغم الفرق في نتائج السيناريوين، فمن الواضح أن عدداً من مصارف مجموعة ألفا لن تستطيع الاستمرار بسبب زيادة الخسائر عن حقوق الملكية فيها بشكل كبير، وبالتالي يجب أن يكون مصيرها الاستحواذ من مصرف محلّي أو أجنبي، أو ربما التصفية. في المقابل، فإن عدداً آخر من المصارف يمكنه الاستمرار عبر دعم محدود لرأسماله. وهكذا، يمكن لهذين السيناريوين أن يمثّلا نموذجاً لكيفية تعامل الخطة الإصلاحية مع المصارف، مع إمكانية إضافة معايير أخرى.
في الخلاصة، يجب أن تنطلق عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني بشكل جديّ وبأسرع وقت ممكن، لأن معظم المصارف تحوز حالياً رأسمالاً سلبياً. كما يجب وضع معايير واضحة لبقاء أو دمج أو تصفية هذه المصارف بمعزل عن مدى قبول أصحابها لأنهم أثبتوا عدم جدارتهم في إدارة مدخرات الناس بطريقة سليمة وخالفوا بديهيات العمل المصرفي وخصوصاً لجهة إدارة وتنويع الخاطر. فما هو النموذج المصرفي الذي اعتمده انتركونتيننتال بنك ليضع 54% من ودائعه لدى مقترض واحد هو الدولة اللبنانية؟ وبنك البحر المتوسط 53% من ودائعه؟ وفرست ناشيونال بنك 47% من ودائعه؟ وبنك بيروت والبلاد العربية 39% من ودائعه؟ وكل من فرنسبنك وبنك بيروت والبنك اللبناني السويسري نسبة 36% من ودائعها؟ وبنك عودة 34% من ودائعه؟ والاعتماد اللبناني 34% من ودائعه؟ وبنك سوسيتيه جنرال 27% من ودائعه؟