منذ بداية عام 2020 وإحكام وباء كوفيد-19 سيطرته على المجتمعات قاطبة، تراهن حكومات العالم الصناعي على سياساتها المالية لتعزيز قدراتها في قطاع الرعاية الصحية وتأمين شيكات الإعانة للعمال والموظفين ولاحتواء موجات الإفلاس الواسعة. وقد رصدت الحكومات أكثر من 11 تريليون دولار لتنفيذ تلك السياسات. ورغم أن الاقتراض في هذا السبيل يتم في ظلّ معدلات فوائد منخفضة جداً، إلا أن تأثير ذلك على حجم الدين العالمي سيكون ملحوظاً في المدى المنظور، فمن المتوقع أن يتجاوز معدل الدين العام الكوني نسبة 100% من الناتج الإجمالي العالمي، وهو الأعلى تاريخياً.

تتصاعد تحذيرات الخبراء من هذا الوضع لارتداداته المستقبلية على استقرار أسواق المال وهامش المرونة للادّخار والاستثمار بين الأمم. وفي الوقت نفسه، ينبّه هؤلاء إلى مخاطر الانسحاب المبكر من سياسة الإنفاق هذه. «يُشير ميزان المخاطر الذي نعتمده إلى أن وقف الدعم المالي على نحو مبكر يُعدّ خطراً أكبر من مستويات الدين (العام) المرتفعة» وفقاً لمدير قسم الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي، فيتور غاسبار. لكن هل جميع البلدان سواسية في هذا النوع من التحليل؟ وما هي كلفة الوباء المضاعفة على الاقتصادات النامية والبلدان ذات الدخل المنخفض التي دخلت عصر الوباء الجديد موبوءةً بضعف إدارة المال العام أكان عبر الهدر أو الفساد أو عدم الكفاءة؟

مصارف العملات الصعبة
مع إعلان الإجراءات الطارئة لاحتواء تداعيات الوباء، وأساسها فرض الإقفال العام أو الجزئي لحركة المجتمعات البشرية من الشرق إلى الغرب، اعتمدت المصارف المركزية حول العالم إجراءات طارئة موازية على المستوى النقدي، تُعدّ مكمّلة لسياسات الدعم المالي. وعبر أدوات التسيير الكمّي ومعدلات الفوائد المرجعية - وعموماً إجراءات توسيع ميزانيتها العامة - خصّصت تلك المصارف ما يعادل 6 تريليونات دولار لشراء الأصول وضمان آليات تبادل العملات وثبات الصرف وفتح اعتمادات السيولة والائتمان.


نُفّذت هذه السياسات بعدما أنتج الوباء طلباً غير مسبوق تاريخياً على السيولة من قِبل المؤسسات المالية والشركات والأفراد حول العالم. غير أنه للمفارقة، بينما تنجح المصارف المركزية في البلدان الصناعية بتأمين السيولة بالعملات الصعبة عبر طباعة عملاتها الوطنية (التي يُمكن استخدامها مباشرة في التجارة الدولية أو مبادلتها بسهولة بعملات صعبة أخرى في هذا السبيل)، تجد البلدان النامية نفسها في عنق الزجاجة لتأمين السيولة. هكذا تنكشف أكثر وضعيتها الهشّة على مستوى الدين الخارجي الذي تضخم بنحو 9 تريليونات دولار في العقد الماضي، وخصوصاً أن أكثر من 75% من هذا الدين هو بالدولار الأميركي.
عملياً، تحتاج البلدان النامية إلى 2.5 تريليون دولار تقريباً لتمويل عجوزاتها لغاية السنة المقبلة. وهذه الوضعية تزداد صعوبة بسبب حركة رؤوس الأموال السلبية التي سجّلتها تلك البلدان منذ مطلع السنة الجارية. فبحسب البيانات، تبيّن أن نحو 100 مليار دولار من الرساميل فرّت من الأسواق الناشئة منذ ظهور الوباء ولغاية منتصف نيسان الماضي، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما سُجّل خلال الأزمة المالية العالمية بأكملها عام 2008. ويتوقع أن تستمرّ هذه الحركة السلبية حتى نهاية عام 2020.

إدمان الدولار تاريخياً
تاريخياً، اعتمدت البلدان النامية على تلك الرساميل وتدفقات السيولة بالعملات الصعبة وعلى الاتفاقات والمؤتمرات لتأمين احتياجاتها التمويلية والبقاء منفتحة على النظام المالي العالمي. هذا ما مكّن النظام من إحكام قبضته على مالية واقتصادات تلك البلدان، وأحياناً على توجهاتها السياسية. ومنذ بداية السبعينيات عاشت هذه البلدان أربع موجات من تضخّم الدين العام، آخرها بدأت عام 2010 تزامناً مع بدء الانتعاش الاقتصادي في البلدان الصناعية غداة الأزمة المالية والركود العظيم. وفي منتصف هذا العقد تعمّقت الأزمة مع التراجع الكبير في أسعار السلع وتحديداً النفط. كذلك، تتخذ هذه الموجة منحى أكثر خطورة في ظل وباء كوفيد-19، مع ازدياد التنافس على السيولة الصعبة.
بهذه الخلفية، يُمكن اعتماد منظور مختلف لقراءة التحذيرات من تضخّم المديونية العامة وفي الوقت نفسه، من مغبّة كبح الإنفاق العام والاقتراض لتأمينه. في الواقع، تقوم حجّة صندوق النقد الدولي، بوصفه من المؤسسات التي تُصنَّف الملاجئ الأخيرة للسيولة والإقراض، على تشجيع الاقتراض الحذر في إطار فرضية تفيد بأن معدلات الفوائد على الاستدانة قد ترتفع فجأة كما حدث في سوق السندات في آذار الماضي. لذا، يتعيّن على البلدان التي كانت تعاني من معدلات الدين المرتفعة والنمو المنخفض منذ ما قبل انتشار وباء كوفيد-19، أن تتلمّس خيارات صائبة للعودة إلى سكّة التوازن المالي والخروج تدريجياً من الاستدانة في المدى المتوسط عبر تعزيز الإيرادات وتحديداً من خلال تخفيف التهرب الضريبي وتعزيز الضرائب التصاعدية في بعض الأحيان.
اعتمدت البلدان النامية على تدفقات الرساميل بالعملات الصعبة لتأمين احتياجاتها التمويلية، ما أتاح للنظام المالي إحكام قبضته عليها


غير أن دعوات كهذه للبلدان الفقيرة والنامية، تبدو خارج سياقها التاريخي، إذ لا سبيل آخر لانعتاقها من هذه الدوامة الشرسة إلا عبر مقاربات مختلفة جذرياً تكسر نمط الارتهان السائد. اليوم، تعاني البلدان النامية والفقيرة مع الوباء على الصعيدين المالي والاقتصادي، وبالتالي اجتماعياً، في ما يبدو امتداداً لموجة معاناة زاحفة بدأت منذ الأزمة المالية العالمية والركود العظيم الذي ولّدته. عشيّة تلك الأزمة في عام 2007، كان الحساب الجاري في تلك البلدان - أي محصّلة التبادل مع الخارج - يُسجّل فائضاً يُعادل 3.7% من ناتجها المحلي الإجمالي، في مقابل عجز مواز بنسبة 0.86% في البلدان الصناعية. أما بعد عقد ونصف عقد، فقد تحوّل فائض البلدان النامية إلى عجز، وانقلبت الصورة في البلدان المتقدّمة إلى فوائض تبدو مستدامة. والقصّة نفسها تتكرر في قراءة بيانات حركة الإقراض والاقتراض الحكومي التي يبدو أن المجموعة الأولى وقعت في فخّها أيضاً، فقد تحوّلت وضعيتها من الإيجابي إلى السلبي خلال الفترة المدروسة.
تظهر المشكلة إذاً في نموذج الارتهان إلى السيولة بالعملات الصعبة التي يُعدّ الدولار الأميركي دعامته الأولى والولايات المتّحدة المستفيدة الأساسية منه. ويُصنّف وباء كوفيد-19 وضعاً استثنائياً يُعزز هذا النموذج القائم، إلا أنه يفرض أيضاً على البلدان النامية تحدّي الابتكار الاقتصادي للبقاء ضمن العولمة إنما استناداً إلى أوّليات غير استلابية تعزّز السياسات الوطنية. قد تتعقّد المعطيات السياسية لتحقيق تحوّل كهذا، إنما الاعتراف بأصل المشكلة هو بداية الطريق لمعالجتها أو التعايش مع نسخة ألطف منها.