من نافل القول الإشارة إلى أنّ البدائل تضيق مع مرور الوقت، ومع ذلك هناك خطوات جوهريّة وسريعة يمكن القيام بها من دون انتظار مصير المباحثات الحالية، كوضع خطّة محكمة لإدارة السيولة خلال المرحلة الانتقالية التي سيستغرقها الإنقاذ، تتضمن تحديداً دقيقاً لموجودات مصرف لبنان والقطاع المالي بالعملات الأجنبية والأصول الخارجية القابلة للتسييل، واتخاذ إجراءات عدة لاستقطاب الأرصدة النقدية المخزّنة في المنازل لتعزيز السيولة القابلة للاستخدام، وإيجاد تقسيم عادل وكفوء للنزر اليسير من الأموال الآتية من الخارج للجم السوق السوداء، والاستمرار في سياسة أسعار الصرف المتعددة، لكن مع تنظيمها بحسب وجوه الاستخدام من خلال وحدة متخصّصة في مصرف لبنان، واتخاذ الإجراءات الآيلة إلى ضبط استيراد السلع والخدمات خلال السنوات الثلاث المقبلة بحيث لا يتعدى نصف متوسط قيمته في السنوات الخمس الماضية، ويتساوى مع مرور الوقت مع التصدير.


داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

أما بالنسبة إلى المصارف، فالمطلوب هو التدقيق خلال مدّة زمنية قصيرة في أوضاعها للتمييز بين المصارف المليئة وغير المليئة، تمهيداً لعزل القسم المصاب من القطاع المصرفي، وتمكين أقسامه غير المصابة بعد إعادة الهيكلة من القيام بدورها في استقطاب الأموال من الخارج وتعزيز السيولة المحلية. على أن تلتزم المصارف، في كل الأحوال، بزيادة رساميلها وتعزيز سيولتها بالعملات بقيم سنوية متفق عليها. ويمكن الانطلاق في إعادة هيكلة القطاع المصرفي من رفع حصّة مصارف التمويل المتوسط والطويل الأجل (أو بنك التنمية) إلى ما لا يقل عن 30% من حجم القطاع المصرفي (بشراكة من الدولة والقطاع الخاص والمصارف العربية والدولية والمتخصصة). فضلاً عن إجراءات أخرى معروفة كالمباشرة في استرداد الأموال «المنهوبة» و«المشبوهة» التي ما زالت مودعة في الداخل، وفرض ضرائب ثروة لمرّة واحدة على المستفيدين من المال العام بقيم مبالغ بها، وغيرها من إجراءات سهلة التطبيق لكنها تحتاج إلى حزم سياسي.

من الأحادية إلى تنويع الخيارات
إن الاعتراف بفشل «الخيار الغربي» الذي هيمن على الاقتصاد منذ بداية التسعينيات وكان سبب أزماتنا المتشابكة، هو نقطة الانطلاق في استراتيجية الخروج من أسر الصندوق والقروض الخارجية في المستقبل. لكن الاعتراف المذكور لا يعني القطع مع الغرب واقتصاداته والتكنولوجيا والمعارف التي يتفوّق فيها، بل يهدف إلى الإفلات من الأحادية إلى رحاب تنويع الخيارات الاقتصادية الذي يعزّز قدرتنا على إدارة الأزمة ثم تخطّيها وصولًا إلى النهوض مجدداً.
ينطوي الخيار الغربي، بالتعريف، على حزمة من الشروط المفروضة على المنضوين فيه، ومن بينها على سبيل المثال: تضييق الخيارات وإغلاق الباب أمام دخول شركاء عالميين آخرين، تقييد تبادل المعرفة التكنولوجية، ضبط قنوات التمويل وفق الروزنامة الاقتصادية للعواصم الكبرى، الوقوف في وجه أي محاولة جديّة للتعاون بين الدول المتجاورة في إقليم واحد إذا لم يكن الغرب طرفاً فيه، تغليب المنافسة على الشراكة، التركيز على التدفّقات النقدية وليس على الاستثمارات، وإحلال الأسواق المالية محل التعاون الدولي في مجال التمويل ضمن رؤية غير مناصرة للتنمية.
وإلى جانب ذلك تضع الدول الغربية علاقاتها الاقتصادية مع دول الجنوب، داخل شبكة متداخلة من الإجراءات والقواعد والقوانين المتشددة، المرتبطة بموقع الولايات المتحدة الأميركية المعقّد والمرتبك في السياسات الدولية. فهذه الأخيرة تعاني من فجوة متّسعة بين قوتها التكنولوجية والعسكرية ومكانتها السياسية والاقتصادية. فجوة تحاول إغلاقها بالترغيب والترهيب والعقوبات وتقييد التجارة الدولية، بل عبر التلويح باستعمال القوّة العارية في كثير من الأحيان. إن تنويع الخيارات هو أيضاً إجراء استباقي واحترازي تجاه التحول في السياسية الأميركية، التي صار التحدّي الصيني هاجسها الأكبر، ومن غير المستبعد أن تنصرف واشنطن مع مرور الوقت للتعامل مع هذا التحدي، فتخلّف وراءها فراغات اقتصادية وسياسية وعسكرية متزامنة وفي مناطق عدة، بما فيها العالم العربي وغرب آسيا.
في المقابل، إنّ تنويع الخيارات، أو ما صار يعرف بالتوجه شرقاً، ينطوي على قدر أكبر من النديّة، والاعتماد المتبادل بين أطراف لديها مساحة وافرة من المصالح الاقتصادية المشتركة التي يمكن عزلها عن تضارب المصالح السياسية، وهذا يشكل استجابة متوازنة لتحولات النظام الدولي الذي يفقد أحاديته ويميل أكثر فأكثر إلى تعددية يدور رحاها حول قوى إقليمية صاعدة. إنّ التوازن والحياد المسؤول هما الصفة الغالبة على النهج الاقتصادي للدولة الآسيوية الصاعدة، وهذا ما يحتاج إليه بلدنا صغير. فالالتزام بمبدأ الفصل بين المصالح الاقتصادية المشتركة والتقلبات السياسية والهوياتية، هو الذي يحول دون وقوع لبنان تحت سيف الابتزاز، المتصل بانحيازه التقليدي إلى الغرب اقتصادياً (بعدما كان اقتصادياً وسياسياً) على نحو أفقده المناورة وأوقعه في فخ المديونيّة وحرمه من فرص كثيرة واعدة.
استراتيجية الخروج تقتضي منّا توفير تمويل ذي طابع تنموي واستثماري بعيد الأمد (لا يقتصر على البنى التحتية)، واتفاقيات متوازنة ومتنوّعة ومتكافئة وواسعة الأفق، وعلاقات تجارية تخدم الرفاهية والتنمية في آن، ومن دون ذلك لا يمكننا استعادة توازن الميزان التجاري والحساب الجاري


والخيار الشرقي ليس جغرافي الطابع فحسب، بل ينطوي أيضاً على رصيد من الخبرات التنموية التي تجاوزت الاستقطاب العبثي بين النيوليبرالية ونقائضها، إلى مقاربات تنموية نظرية أثبتت نجاحاً لا جدال فيه، وهو أيضاً مساحة للتنوع السياسي والثقافي والأيديولوجي والجيوسياسي. فعلى سبيل المثال، تقيم الصين شبكات تبادل واستثمار مع بلدان متعددة الولاءات والتوجهات. من هذا المنظار، لا بأس بأن تشمل شراكاتنا معاً سورية ومصر ودول الخليج والعراق..، ولا مانع، كمثال أيضاً، من نسج صلات في الوقت نفسه مع إيران في مجال الطاقة والتكنولوجيا الجديدة والوسيطة والبنى التحتية، ومع تركيا في الاستثمار والسلع الاستهلاكية وفي نطاق عمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومع اليابان في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصين في الاستثمارات الكبرى، ومع البرازيل وفنزويلا وروسيا وغيرها في مجالات استثمارية وتبادلية عدة...

الدبلوماسية الاقتصادية
صحيح أن ما نعانيه الآن هو أزمة سيولة وأننا بحاجة ماسة إلى تدفقات مالية فورية، لكن استراتيجية الخروج تقتضي منّا توفير تمويل ذي طابع تنموي واستثماري بعيد الأمد (لا يقتصر على البنى التحتية)، واتفاقيات متوازنة ومتنوعة ومتكافئة وواسعة الأفق، وعلاقات تجارية تخدم الرفاهية والتنمية في آن، ومن دون ذلك لا يمكننا استعادة توازن الميزان التجاري والحساب الجاري، أو على الأقل العودة إلى ما كنا عليه قبل الحرب الأهلية، حيث كان حسابنا الجاري متوازناً تقريباً، مع عجز في الميزان التجاري لا يتعدى الـ 7% من الناتج، وصادرات سلعية كانت تغطي على الأقل نصف مستورداتنا. ولا ينبغي أن نغفل هنا أنّ أزماتنا المالية والنقدية والاقتصادية نمت في أحضان الخيار الغربي الذي كان مسؤولًا أيضاً عن اضمحلال قدرتنا التنافسية تجاه الخارج، كخسارة ثلث صادراتنا إلى الاتحاد الأوروبي بعد سريان اتفاقية الشراكة معه.
وفي المقابل تظهر مقارنة أولية أنّ إمكانات التبادل الكامنة بين لبنان ودول الشرق يمكن أن تغطي ثلاثة أرباع تجارتنا الخارجية، وأن تؤدي، إذا أحسنّا صنعاً، دوراً في استنهاض طاقات الاقتصاد المعطلة، علماً بأنّ تجارتنا مع دول الشرق العربية وغير العربية لامست في العام الماضي 40% من مجموع مبادلاتنا الخارجية، 35% من مجموع الواردات و60% من مجموع الصادرات.
إنّ الاستفادة من تنويع الخيارات في الإنقاذ والنهوض وإعادة بناء الاقتصاد، تتطلب دبلوماسية اقتصادية ناشطة تضع على رأس أولوياتها استكشاف الأسواق وفتح الأبواب الموصدة وزيادة مفاعيل شراكاتنا التجارية ومراقبة نتائجها، وفي سياق الإنقاذ يمكن التفاوض مع الدول والتجمعات الإقليمية التي يفوق استيرادنا منها قيمة محددة لعقد اتفاقيات تبادل مؤقتة بالعملات المحلية مع خطوط ائتمان طويلة لتسوية الفوارق بين واردات لبنان وصادراته منها (بحسب إحصاءات عام 2019 نستورد من 35 دولة ما يفوق الـ 100 مليون دولار أميركي سنوياً، ومن 15 دولة أكثر من نصف مليار دولار، ومن 7 دول ما يزيد على مليار دولار). وبموازاة ذلك يجب العمل على خفض فاتورتنا النفطية من خلال اتفاقيات طويلة الأمد بفوائد مخفّضة وفترات سماح تشمل على الأقل السنوات الثلاث المقبلة.
عموماً، الخروج من النفق يحتاج إلى إجراءات فوريّة وعميقة مدعومة بتحالفات واسعة تشمل فاعلين ليس فقط في المجتمع السياسي والإدارة العامة، بل في القطاع الخاص أيضاً، الذي لا يمكنه الانخراط في هذه السيرورة من دون كسر طابعه الاحتكاري الذي يجعله، بالتعريف، عقبة في وجه الإصلاحات، وبذلك تكون إعادة هيكلة الاقتصاد هي الوجه الآخر لبناء السياسة، والعكس بالعكس.