يختلف الاستثمار بالسلع جذرياً عن مثيله بالسندات والأسهم. فهو يُشكّل تنويعاً للمحافظ المالية لتخفيف المخاطر، إلا أنه يحتاج إلى إطار تحليلي خاص لمعرفة توجهات السوق التي يُحدّدها وأنماطها. لكن بما يهمّ المستهلكين حول العالم، فإنّ الاختلاف الأساسي مرتبط بالانعكاس المباشر على مداخيلهم. فهناك سلع أساسية مثل القمح والسكر والنفط والألمنيوم، تلعب دوراً مباشراً في النشاط الاقتصادي والمعيشي. لا بل إنّ أيّ تذبذب في أسعارها، يُترجم سريعاً، ربما خلال أقل من أسبوع، في ميزانيات الأسر أو حتى في مستقبل أبنائها. فعلى سبيل المثال، أدّت موجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية بين 2010 و2011، إلى سحب أكثر من 8 ملايين نسمة نحو الفقر. اليوم، وفي ظل كوفيد -19 والسياسات الحمائية المثيرة للجدل التي بدأت تترسخ في السياسات الخارجية للدول حتى قبل انتشار الوباء، ثمة هواجس مماثلة عن مستقبل سوق السلع في المدى المتوسط.


التأثير الدائم للوباء
تعرّضت أسواق السلع لصدمة لا مثيل لها بسبب وباء كوفيد-19. «في المدى القصير، قد تؤدّي الاضطرابات التي تلحق بسلاسل العرض، إضافة إلى ضعف الطلب، إلى اختلالات في الاستهلاك والإنتاج، وتُهدّد الأمن الغذائي» يُحذّر البنك الدولي في تقريره الأخير عن أسواق السلع. «أما في المدى الطويل، فقد يكون للوباء تأثير دائم على العرض والطلب على السلع، وبالتالي على مصدّريها ومستهلكيها». فعلى سبيل المثال، تشهد سوق العمل تحوّلات هيكلية في اتجاه الاعتماد المتزايد على نموذج العمل عن بُعد، ما يُخفض الطلب على النفط بنسبة كبيرة. كذلك، إن الاعتماد على سلاسل الإنتاج المحليّة، بعدما أثبت الوباء أن النزعات القومية في المجتمعات المتضرّرة هي التي تسود في الأحوال الطارئة، قد يكون له تأثير دائم على تشكيلات سلاسل الإنتاج والطلب على السلع المرتبطة بها.
ما يُمكن ترقّبه من أزمة سوق السلع الأخيرة، هو تأثيرها على سوق النفط تحديداً. فهذه السلعة، تبقى الوحيدة المقوننة لجهة العرض من مجموعة منتجين يُحددون مستوى المعروض والتوزيع تماشياً مع ما تفرضه المعطيات الجيوسياسية، الاقتصادية والاستراتيجية. إنها مجموعة «أوبك +» التي تضمّ إلى الفريق التقليدي من منتجي النفط بقيادة السعودية عشرة بلدان أخرى منتجة للنفط على رأسها روسيا؛ وهي مجموعة ذات قدرة هائلة في سوق الطاقة العالمي وعلى الصعيد السياسي طبعاً، وتُسيطر على أكثر من 50% من إنتاج النفط في العالم وعلى 90% من احتياطاته المؤكدة.


لكن رغم الثبات النسبي والقدرة على التحول اللذين أبدتهما هذه المنظمة أخيراً، وتحديداً عبر الاتفاق على خفض الإنتاج، ورغم السطوة السياسية الكبيرة التي تتمتع بها على الصعيد العالمي، إلّا أن «أوبك +» قد يكون لها مصير مماثل لما تعرّضت له التجمعات العالمية التي هدفت للسيطرة على أسواق مثل القهوة والقصدير والمطاط؛ جميعها في خبر كان. فالمنظمة معرّضة لنفس عوامل الانهيار الداخلي التي سيطرت على مثيلاتها في مجالات مختلفة، وهي تقوم على اتفاقيات الإنتاج التي تضغط الدول عبرها على الإبقاء على الأسعار مرتفعة وفي الوقت نفسه تشجيع المنتجين الجدد على الدخول إلى السوق.
النفط إذاً تنتظره تحوّلات دراماتيكية تضرب صميم السوق لناحية توفر التكنولوجيات الجديدة وأساليب إنتاج واستخدام الطاقة البديلة، وأيضاً من جانب انكفاء الطلب عموماً مع تحول الناس إلى واقع جديد من العمل والإنتاج، وبالتالي التنقل واستخدام المرافق العامة. حالياً، التقديرات هي أن معدل سعر البرميل سيكون 35 دولاراً في عام 2020 و42 دولاراً في العام المقبل. مستويات الأسعار هذه قد تشكل خبراً جيداً للبلدان النامية المستوردة للنفط، إلّا أنها قد تعقّد آليات انتقال مفاعيل التدني في الأسعار على ميزانيات المستهلكين بسبب أنظمة فرض الضرائب والرسوم.
ولكن ماذا عن السلع الأخرى، وأبرزها السلع الغذائية والمعادن الثمينة وغيرها؟
الذهب والمعادن: موجة ثانية؟
لطالما شكّل الذهب ملجأً للمستثمرين من عواصف السوق. العاصفة الأخيرة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها، إذ رفعت سعر المعدن الأصفر بنسبة 13% منذ انطلاقة العام الحالي. غير أن فورة الذهب واتجاه أسعاره الصعودي، لا يزالان في بدايتهما مع انتهاء الموجة الأولى من كوفيد -19.


فما يُمكن توقعه، هو وتيرة متسارعة من الارتفاع في ظلّ تراجع أسعار الفوائد في العالم الصناعي لتحفيز النموّ. لذا، يتوقع مصرف «غولدمان ساكس» أن يصل سعر أونصة الذهب إلى 2000 دولار خلال سنة، مقارنة مع توقعات سابقة بأن يكون سعر الأونصة أقلّ بقيمة 200 دولار.
وفي دراسة تحليلية، يقول خبراء المصرف إن «الطلب على الاستثمار في الذهب ينحو إلى الصعود خلال المراحل الأولى من التعافي الاقتصادي، مدفوعاً بالخشية من التراجع المستمر في قيمة (الاستثمارات الأخرى) وبأسعار الفوائد المنخفضة». برأيهم «سنرى بالتوازي مع ذلك ارتفاعاً في الطلب الاستهلاكي على الذهب في العالم النامي مع تخفيف إجراءات الإقفال والدولار الضعيف»، وخصوصاً بعد انخفاض سعر العملة الأميركية بنسبة 6% أمام سلّة من العملات منذ آذار الماضي.
الأمر سيان بالنسبة إلى المعادن الأخرى غير الثمينة. لكن في هذه الحالة، فالمرجّح أن تكون الصين هي المسبّب الرئيسي كونها الأكثر شهرة عالمياً في مجال المعادن والسلع، لدرجة أنها تستحوذ على كلّ إنتاج الحديد المصدّر عبر البحر في العالم. كذلك بالنسبة إلى المطاط. والتقديرات حالياً لأسعار المعادن، وهي بطبيعة الحال مرتبطة بحركة المجتمعات في مواجهة «كوفيد 19»، تشير إلى ارتفاع مرتقب في الاسعار بنعهاية هذا العام وبداية 2020.

إقفال الحدود والعزل، لحجب الغذاء
لعلّ أكثر ما يؤثر على الفئات الهشّة حول العالم، أي الفقراء وذوو الدخل المحدود في البلدان النامية، هي أسعار السلع الغذائية وفقاً لمؤشرات التداول التي تتحول في وضع كهذا، إلى مراهنة بلقمة العيش. ورغم أن أسعار السلع الزراعية الغذائية ستبقى ثابتة نسبياً في عام 2020، نظراً لأنها غير حسّاسة على مستويات النشاط الاقتصادي وذلك رغم وصول مستويات الإنتاج والتخزين لبعض أهم السلع الأساسية إلى مستويات عليا تارخية، إلّا أن التحذيرات مستمرّة من تأثّر الأمن الغذائي للعديد من البلدان نتيجة ممارسات مثيرة للجدل مثل حظر الصادرات عبر إقفال الحدود، وأيضاً نتيجة سعي بعض الدول إلى مراكمة احتياطاتها من الغذاء على نحو هائل عبر تسريع وتيرة الاستيراد.
ما تُنفقه العائلة المتوسطة في البلدان النامية على الغذاء يُعادل 60% من مدخولها الإجمالي


ويُمكن التوصل إلى بعض النتائج والتوقعات بالاستناد إلى التجربة التي سجلها العالم خلال أزمة أسعار الغذاء عامي 2010 و2011. يُقدر حالياً أن سياسة الانعزال التي اعتمدتها دول على نحو منفرد قد تكون وحدها مسؤولة عن ارتفاع بنسبة 40% في سعر القمح وعن ربع الارتفاع المسجل في سعر الأرز.
بنهاية الأمر، إن ما تُنفقه العائلة المتوسطة في البدان النامية على الغذاء يُعادل 60% من مدخولها الإجمالي، مع الإشارة إلى أن أكثر من ثلث الإنفاق الاستهلاكي على الغذاء متركز في مجال الأغذية الأساسية مثل القمح والخضار. وهذه السلع معرّضة أكثر من غيرها لتذبذبات السوق، وذلك مقارنة مع الإنتاج الغذائي المحلي.
إزاء هذا الوضع، يدعو البنك الدولي، الحكومات، إلى استبدال سياسات التدخل في السوق والحمايات القومية باعتماد مقاربات عملية تلطّف تأثير ارتفاع الأسعار على العائلات، مثل الدعم النقدي المباشر وتحويلات المواد الغذائية والدعم وبرامج التغذية في المدارس. لكن هل الحكومات المعنية مستعدّة لتنفيذ سياسات كهذه والانكفاء عن المواجهة في ظلّ الإغراء الذي تؤمنه حلبات الحروب التجارية؟