في 19 آذار الماضي، نشر برانكو ميلانوفيتش (اقتصادي صربي - أميركي، متخصّص في التنمية واللامساواة، وشغل سابقاً موقع الاقتصادي الرئيسي في قسم الأبحاث في البنك الدولي) في «فورين أفيرز» مقالاً يُحذّر فيه من أنّ «خطر الوباء (فيروس «كوفيد - 19») الحقيقي هو الانهيار الاجتماعي، وبالتالي ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي - وربّما الوحيد - للسياسة الاقتصادية اليوم هو منع هذا الانهيار (...) يجب على المجتمعات المُتقدمة ألّا تسمح لثروات الأسواق المالية بإخفاء حقيقة أنّ الدور الأهمّ هو الحفاظ على قوة الروابط الاجتماعية».


هذا المعنى ورد أيضاً في تقرير لصندوق النقد الدولي نُشر في نيسان الماضي بعنوان «مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى»، مؤشر الاضطرابات الاجتماعية المعلَنة في الأخبار (يقيس نسبة المقالات الصادرة في أهم المصادر الإخبارية التي ترتبط المصطلحات الأساسية الواردة فيها بالاحتجاجات والمظاهرات وغير ذلك من أشكال الاضطرابات الاجتماعية). يكشف المؤشر عن ارتفاع ملحوظ في احتمال حصول اضطرابات اجتماعية في لبنان والسودان. في لبنان تحديداً، سجّل المؤشر أعلى مستوى له في 2020 مقارنةً بالسنوات العشر الأخيرة. ومن محفّزات هذه الاضطرابات التحديات المتعلقة بالصدمات التي ضربت العرض والطلب بسبب انتشار وباء كوفيد - 19، إلّا أنه «يعكس أيضاً التعثّر في سداد الدين السيادي في لبنان والآثار الناجمة عن تباطؤ النمو لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين والبلدان التي تشكّل مصدراً لتحويلات المغتربين».

370

مليون دولار هو المبلغ الذي رصده صندوق النقد الدولي للاستثمارات الهاربة من الاستثمار في السندات والأسهم في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان


والثابت بالنسبة إلى التقرير أن «جائحة كوفيد - 19 تشكّل تهديداً واضحاً للبلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان. فإلى جانب الآثار الإنسانية الكبيرة المحتملة، سيؤدّي التأثير الاقتصادي طويل الأمد للأزمة - بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة التي بلغت 9.5% في المتوسط لعام 2019 - إلى تفاقم مستويات البطالة المرتفعة بالفعل في كثير من البلدان. ورغم ما يتيحه تراجع أسعار النفط من دعم إلى حدّ ما على المدى القريب، قد تزداد المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية بسبب ضعف النشاط المحلّي الذي يتفاقم في ظلّ تراجع مستويات الثقة ومواطن الضعف الناتجة عن الدين العام في بعض البلدان».
إذاً، ستُظهر النتائج زيادة في البطالة، وتراجعاً في تحويلات المغتربين والنشاطات المحرّكة للاقتصاد مثل السياحة، وضغطاً أكبر على البنية التحتية للنظام الصحي. هذه الصدمات ستفرض قيوداً شديدة على التجارة وعلى الائتمان الممنوح لقطاع السياحة ما يؤثّر على الإنتاج المحلي. «رغم انخفاض العجز، فإنه قد يصعب تمويله في ظلّ الانعكاس الحادّ غير المسبوق في مسار تدفقات استثمارات الحافظة في الأسواق الصاعدة ما من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الضغوط على الاحتياطات الأجنبية وعلى أسعار الصرف».

نشأة الاضطرابات
التقرير لا يتحدّث بصفة خاصة عن لبنان، لكنه بدا كأنه يصف الحالة اللبنانية على هذا النحو عندما أشار إلى أن التوقّف المفاجئ في التدفقات الرأسمالية الوافدة «سيؤدّي إلى انقطاع الاستثمارات، ويفرض ضغوطاً على ميزان المدفوعات، وتعديل أسعار الصرف على نحو مُربك، لا سيّما في البلدان ذات الهوامش الوقائية المحدودة والأسس الضعيفة». ففي هذا السياق، لبنان يشكّل جزءاً أساسياً من التقرير بعدما توقفت التدفقات الرأسمالية من الخارج وباتت احتياطات العملات الأجنبية محدودة في مواجهة عجز تجاري هائل وطلب محلي على العملة الأجنبية وضعف التصدير... في مثل هذه الظروف تنشأ الاضطرابات الاجتماعية، أي في ظلّ أزمة اقتصادية ــ مالية ــ نقدية، وتداعيات انتشار عالمي لفيروس مكتشف حديثاً. أصلاً لا يحتاج لبنان إلى محفّزات كبيرة لحصول الاضطرابات في ظلّ هشاشة بنيته السياسية ــ الاقتصادية ــ المجتمعية.

%-2.8

هو معدّل النموّ المتوقّع لدول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في عام 2020، بعدما كانت التوقّعات تشير إلى أنه سيكون 1.2%، أي أقلّ من المعدلات المسجّلة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وأزمة أسعار النفط في عام 2015


في مواجهة هذه الأزمات، أقرّ مجلس النواب اللبناني، في 22 أيار الماضي، قانون فتح اعتماد بقيمة 1200 مليار ليرة لدعم شبكة الأمان الاجتماعي ولإقراض القطاعات الزراعية والصناعية والحرفيين. قبلها بفترة، أُقّر توزيع المساعدات المالية على نحو 180 ألف عائلة لبنانية. هاتان الخطوتان تصنّفان بأنهما «خجولتان» ولا ترتقيان إلى حجم المشكلة التي بدأت قبل أشهر مع انهيار سعر صرف الليرة المثبت مقابل الدولار منذ 1994 على سعر 1507.5 ليرات وسطياً، وتضخّم الأسعار بشكل كبير وفقدان الأجور أكثر من نصف قدراتها الشرائية. فبحسب المستشار في التنمية ومكافحة الفقر أديب نعمة إنّ «هذه الخطوات جيّدة ولكنّها لا تكفي لحماية الناس. استفادة 100 ألف عائلة من المساعدات، يعني استهداف 9% فقط من عدد الأسر الفقيرة، في وقت يُنهاز عددها الـ50% تقريباً»، مُتأسّفاً لعدم وجود «معالجة لمُسبّبات الأزمة وخطة لحماية الفئات الاجتماعية».
تقرير الصندوق يُشير إلى أنّه «في حالة عدم وجود شبكات أمان اجتماعية كافية، سيتعيّن توسيع نطاق البرامج الاجتماعية أيضاً لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر». لا يكتفي التقرير بذلك، بل يقترح توزيع الأموال على الأسر ودعم الأجور والتخفيف الضريبي المؤقت على الأسر محدودة الدخل والمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة… في هذا المجال تحديداً، يعتقد الصندوق أن توفير برامج المساعدات الاجتماعي يُعدّ استراتيجياً، لأنّ «التأثير الاجتماعي طويل الأمد للأزمة - بما في ذلك ارتفاع معدّلات البطالة التي بلغت 9.5% في المتوسط عام 2019 - أدى إلى تفاقم مستويات البطالة المرتفعة بالفعل في كثير من البلدان»، وقد يترافق ذلك مع ارتفاع مؤشّر الاضطرابات الاجتماعية (غير واضح في التقرير كيف احتُسبت النتيجة وأي عوامل أُخذت في عين الاعتبار)، الذي سجّل في لبنان أعلى مستوى له سنة 2020 مقارنةً بالسنوات السابقة.

في لبنان تعثّر الدين السيادي وجائحة كوفيد 19 ترفع احتمالات حصول اضطرابات اجتماعية


لُبّ الموضوع في لبنان: كيف ستتمّ حماية الفئات الشعبية من تردّي الأوضاع الاقتصادية؟ كيف ستُرفع قدرات المجتمع بعدما تراجعت القيمة الشرائية وفَقَد إمكانية الاستمرار وفق نظام المعيشة القديم؟ فبسبب انفلات سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتضخّم أسعار السلع والخدمات، وصرف أجراء، عمد لبنانيون ينتمون إلى الطبقات الوسطى والفقيرة إلى تعديل نمط حياتهم والتخلّي عن الكثير من السلع أو استبدالها بأخرى أرخص. تُرجم ذلك بتقلّص الاستيراد بنسبة 31% بين تشرين الثاني 2019 ونهاية آذار 2020، مقارنةً بالفترة نفسها من عامي 2019-2018.

من يقدّم الحماية الاجتماعية؟
يقول أحد الخبراء الاقتصاديين إنّ التركيبة القائمة في لبنان «فرضت في السابق على اللبنانيين نظام معيشة بغير رضاهم: الاستدانة، الاتّكال على التحويلات من الخارج، ودائع غير المقيمين. أصبح واضحاً اليوم أنّه لم يعد بإمكان بنية المجتمع أن تعيش بأكثر من قدراتها». إلّا أنّ ذلك لا يعني «التكيّف» والعيش حسب المقدّرات الموجودة حالياً، «بل العمل على تطويرها ورفع قدرات المجتمع». في هذه الحالة، يُصبح السؤال حول كيفية تطوير مستوى حياة اللبنانيين، وهل هو قابل للتطبيق؟ يُجيب الخبير بأنّ «العملية مُعقّدة جدّاً وتمتدّ على فترات طويلة زمنياً». البداية من إطلاق «اقتصاد فعّال يؤمّن قدرة الناس على العيش بمستوى أعلى». ماذا يعني ذلك؟ «خلق نمط اقتصادي يولّد الوظائف مرتفعة الأجور، يُحفّز الإبداع والابتكار والإنتاج».


في السياق نفسه، يطرح مدير المركز اللبناني للدراسات، سامي عطالله «حلّ مسألة الاقتصاد وإعادة النظر به حتّى يُصبح مُنتجاً. نحن خسرنا على مدى العشرين سنة المقبلة جيلاً كاملاً. أعداد المغادرين سترتفع، ما سيُضعف رأس المال البشري، وبالتالي تنحصر دورة العمل بالوظائف الصغيرة». هذه المسألة يصفها عطالله بالـ«بنيوية»، ولكن لم يصل «النقاش الرسمي بعد إلى الجذور. هناك تهميش للمجتمع وتفقيرٌ له، يجب اتّخاذ إجراءات وحسم كيف سيكون العلاج، وعلى مستوى أي قطاعات والمدة الزمنية».
من الأمور التي يطرحها عطالله، «تمويل قطاعات الصحّة، وتأمين المجتمعات في وجه التضحيات التي ستُقدّمها». يرى أنّ المفاوضات الحقيقية مع صندوق النقد الدولي يجب أن تتمحور حول «تحسين الشروط المطلوبة لنتمكّن من بناء مجتمع جديد يحمي الفئات المُهمشة. فنقول للوفد مثلاً إنّنا لن نرفع الضريبة على القيمة المُضافة، بل سنفرض ضريبة على الثروة، ولن نقبل بخصخصة قطاع الكهرباء بل سنُقوّي إنتاجية الكهرباء».
نحن بحاجة في البداية إلى سلطة تستمدّ شرعيتها من الناس. الدولة غير موجودة


قد لا تكون هذه المقترحات كافية لأنه برأي نعمة يجب أن تشمل خطوات «لحماية العمّال إذا لم نكن قادرين على توزيع العينات النقدية لكلّ الأسر الفقيرة. اليوم هناك فئات وسطى فقدت دخلها بشكل كامل، أو جزءاً منه». كما أنّه ليس صعباً «تأهيل المدرسة الرسمية وتعزيزها»، وبالتزامن تجب المباشرة بخطّة إصلاح زراعي «هناك مئات المبادرات على المستوى الفردي ومن قِبل الجمعيات، لماذا تتركها الدولة على هذا المستوى؟».
«قبل كل التفاصيل نحن بحاجة في البداية إلى سلطة تستمدّ شرعيتها من الناس. الدولة غير موجودة، مع مَن نتكلّم عن تأمين الحماية الاجتماعية؟» وفق الأمين العام لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» شربل نحاس. قناعته أن تكوين مجتمع متماسك «واقتصاد ذي مناعة» يتطلب مساراً ضرورياً متّصلاً بتعديل أسس النظام الاقتصادي ليتركّز حول «العمل المُنظّم»، والانتقال من تصدير اليد العاملة والشباب إلى بناء «اقتصاد مُقتدر».



قيود وإجراءات مكلفة
كيف تعاملت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان مع الجائحة وانعكاساتها؟ يشير تقرير صندوق النقد الدولي «مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى»، إلى أن الدول سارعت إلى إعلان حالة الطوارئ وفرض قيود على السفر المحلي والدولي بدرجات متفاوتة، إلى جانب إغلاق المدارس وخفض ساعات العمل (ما عدا جيبوتي ولبنان)، وحظر التجمّعات. كذلك باشر عدد من البلدان في زيادة النفقات المرتبطة بالصحّة بكلفة إجمالية بلغت 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. كذلك خصصت بعض البلدان تحويلات نقدية ودعماً مباشراً للأُسر (مصر والمغرب وباكستان وتونس) عبر برامج الحماية الاجتماعية القائمة، بينما نفّذت بلدان أخرى تحويلات نقدية إلى العاطلين من العمل وأصحاب الأعمال الحرة (مصر وباكستان وتونس)، أو مساعدات مالية للشركات المتضررة في قطاعَي السياحة والتصدير (مصر والأردن) أو إعفاءات ضريبية أو تأجيل سداد الضريبة... في المجمل يتوقع الصندوق أن تكون استجابة هذه الدول لمواجهة الجائحة مكلفة على ميزانياتها لتزيد العجز بمتوسط 1.5% من إجمالي الناتج المحلي (أكثر من 2% في مصر والمغرب، و0.2% في السودان حيث لا يتوافر حيّز مالي أوسع للتصرف).



أنقر على الرسم البياني لتكبيره

عندما تنحسر الجائحة، سيكون الحيّز المتاح أمام السياسات قد تقلّص بشكل أكبر في البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكتسان، وأصبحت السياسات البديلة محدودة. ويرجّح أن تؤدّي الصدمة الحالية (صدمة العرض والطلب) إلى إضعاف الأسس الاقتصادية وزيادة مَواطن الضعف الناجمة عن الدين العام والخارجي. وقد يصل الأمر إلى مواجهة بعض البلدان عدداً متزايداً من الصدمات المرتبطة بأحوال الطقس بسبب تغيّر المناخ كما لوحظ بالفعل. واستعادة النمو في هذه البيئة قد تتطلب توفير تمويل يتجاوز مستويات التمويل المتوخى حالياً لعام 2021 والبالغ 170 مليار دولار، ما يعني زيادة الاحتياجات التمويلية الكبيرة بالفعل التي تواجهها بعض الحكومات (مثل مصر ولبنان وباكستان..) ومن ثم سيتعيّن معايرة السياسات لتيسير التعافي واستعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي على المدى المتوسط. وفي ظل هذه البيئة المليئة بالتحديات يتعيّن توفير الدعم اللازم، بما في ذلك من المجتمع الدولي.