عندما أعلنت الصين أن فيروس «كورونا» أصبح في مرحلة الانتشار الوبائي، تعرّض العالم لصدمة. لم تكن اجتماعية أو صحيّة، بل اقتصاديّة لم تظهر عوارضها في أسواق المال (التي يحرص معظم الاقتصاديين على تتبع حركتها لتشخيص الوضع الاقتصادي) بل ظهرت في القدرة على تأمين السلع في الأسواق الاستهلاكيّة. فجأة خرجت شركات عالمية عملاقة، في كل القطاعات الإنتاجية تقريباً، لتعلن عدم قدرتها على تغطية حاجات الأسواق بسبب إجراءات الإغلاق التي اتخذتها الدولة الصينيّة للحدّ من انتشار الفيروس.

يقدّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن انخفاض الإنتاج في الصين بلغ 2% حتى نهاية شباط وأدّى إلى خسائر في سلاسل القيمة على امتداد العالم تُقدّر بنحو 50 مليار دولار (سلسلة القيمة هي مراحل إضافة القيمة إلى القيمة الأساسيّة للسلع المستخدمة في عمليات الإنتاج). ويوضح التقرير أن أكثر القطاعات المتضرّرة حول العالم هي صناعات السيارات والآلات الدقيقة والإلكترونيات ومعدّات الاتصالات، وأن هذه الخسائر قد تتفاقم إذا تحوّل «كورونا» إلى وباء عالمي (التقرير نُشر قبل إعلانه جائحة عالمية) أو لم تجد الشركات مصادر أخرى من خارج الصين (تركيز التقرير على هذه القطاعات متصل بتشخيصه للخسائر من ناحية القيمة المضافة التي لا يمكن مقارنتها بالخسائر المتواضعة لقطاعات إنتاج السلع الاستهلاكية الرخيصة).
تراجع التصنيع VS طريق العودة
وسط هذه التقديرات ثمة أمر جوهري: كيف تجد بديلاً من الصناعات الصينية؟
صعود الصين إلى موقع القوّة الصناعيّة الأولى في العالم له أسباب عدّة؛ خارجيّة تتعلّق بالسياسات الاقتصادية الداخليّة للدول الصناعيّة. وداخليّة تتمحور حول سياسات الصين بعد «الثورة الثقافيّة» التي استغلّت سياسات الدول الصناعيّة. تغلب الأسباب الخارجية على مسألة استبدال الصين لأن سياسات الدول الصناعية أدّت إلى تراجع قطاعات التصنيع في الدول الصناعيّة قبل الانفتاح العالميّ والذهاب إلى العولمة بعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ السابق. هذا التراجع يُشار إليه بـ«تراجع التصنيع» (Deindustrialization). هذه العملية بدأت في الولايات المتحدة في نهاية الستينات ولم تكن عمليّة عضويّة طبيعيّة نتيجة عوامل تنموية حتمية للاقتصادات المتطوّرة، كما يحاول الكثير من الباحثين الاقتصاديين تصويرها. لعلّ أفضل من قارب عملية تراجع التصنيع في الولايات المتحدة هما باري بلوستون وبينيت هاريسون في ثلاثة كتب نُشرت بين أعوام 1982 و2000، هي: «عملية تراجع التصنيع في أمريكا» و«الانعطاف العظيم» و«الازدهار المتنامي». في هذه الكتب يشرح الباحثان أسباب لجوء الولايات المتحدة إلى عملية التخفيف من التصنيع باعتبارها ناتجة من انخفاض الإنتاجيّة وهوامش الربح من التصنيع في الستينيات، ومن طبيعة الشركات التي انتهجت سياسة نشر المصانع على بقع جغرافيّة واسعة. هذه الطبيعة ساعدت الشركات في رفع «سرعة نقل رأس المال»، أي أصبح بإمكانها نقل التصنيع من موقع جغرافيّ إلى آخر بحسب قدرتها على التحكّم بأكلاف الإنتاج، وخصوصاً كلفة اليد العاملة وتعقيدات وجود نقابات. هذا الانتقال كان يتمّ داخل البلاد بداية، إلّا أنه سرعان ما تحوّل إلى مصانع أجنبيّة. لاحقاً عملت التحالفات بين النخب الاقتصادية والسياسية على تسهيل هذه العملية خلال إدارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، فأصبحت علاقة الإنتاج بين الشركات الأميركية وأذرعها وشركائها في الخارج علاقة طرديّة بدلاً من أن تكون جاذبة؛ علاقة تستبدل الصناعة في أميركا بدلاً من أن تكملها. وساعد تطوّر التكنولوجيا في تسريع هذه العمليّة، فأصبح التواصل بين المراكز المنتشرة جغرافياً أسهل، وفي المراحل التالية أصبحت مركزاً للاستثمار عالي الربحيّة.
وقد ساهمت عملية «تراجع التصنيع» في توسيع هوّة الدخل بين الطبقات الاجتماعية في الولايات المتحدة، فانخفضت فاتورة الأجور بشكل كبير في القطاعات الصناعية. واستحوذ الاقتطاع من الوظائف (صرف العمال) على النصيب الأكبر من هذا الخفض، فيما أُجبر من بقي في وظيفته، على التخلّي عن المكتسبات التي حصّلها عمّال هذه القطاعات على مرّ العقود تحت تهديد نقل التصنيع ووظائفهم إلى الخارج.
وفي الثمانينات تحوّل الاقتصاد الأميركي إلى «اقتصاد الخدمات الجديد»، فأصبح أكبر عدد من الوظائف يُخلق في قطاع الخدمات. ولكن هذا القطاع كان يخلق وظائف لا تحتاج إلى مهارات وبأجور متدنّية وبأعداد هائلة، وعدد قليل من الوظائف ذات الأجور العالية التي تحتاج إلى معرفة ومهارات (كالمبرمجين مثلاً). هذا الواقع أنتج طبقة ضخمة من العمال ذوي الدخل المتدنّي، وطبقة صغيرة جداً من العمال ذوي الأجور المرتفعة، بينما اختفت تقريباً الطبقة الوسطى التي أنتجها قطاع التصنيع في البلاد.
واليوم هذا الواقع أصبح أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة فضلاً عن سيادته في عدد كبير من الدول الصناعيّة الغربيّة أيضاً. فقد سيطرت على سوق العمل الوظائف متدنية الأجر في القطاعات الخدماتيّة، بينما يفاخر السياسيون بأنّ نسب البطالة منخفضة. وفي الحقيقة هي منخفضة على حساب تدمير الطبقة الوسطى وزيادة الانقسامات والفرز الطبقي في المجتمع.

يستحيل إحياء قطاعات صناعيّة محليّة من دون الأخذ في الاعتبار أن التفكيك الممنهج الذي جرى لبناها التحتيّة غير قابل للإلغاء والعودة إلى ما كان قد مضى بكبسة


في هذا الإطار بات يستحيل إحياء قطاعات صناعيّة محليّة من دون الأخذ في الاعتبار أن التفكيك الممنهج الذي جرى لبناها التحتيّة غير قابل للإلغاء والعودة إلى ما كان قد مضى بكبسة زر. إعادة إحياء هذه القطاعات يحتاج إلى بنى تحتية اقتصادية وخدماتية واجتماعيّة كانت قد فُكّكت على مدى عقود، وبناؤها من جديد يحتاج إلى سياسات تتحدّى رأس المال وتحدّ من سرعة انتقاله عبر الجغرافيا، وتجبره على إعادة الاستثمار في هذه القطاعات. أي أن استبدال القدرات التصنيعيّة الصينيّة بأخرى محلّية يحتاج إلى نسف السياسات الاقتصادية والمالية التي أنتجت الاقتصادات الليبراليّة الغربيّة القائمة اليوم. وهذا أمر من شبه المستحيل أن تقوم به دول أثبتت في الأسابيع الأخيرة أنها أضعف من أن تواجه النخب الاقتصادية فيها وتذهب إلى إقفال عام لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد كما حصل في الصين.

النموذج اللبناني والخيارات القادمة
في لبنان تبدو تعقيدات المشهد الاقتصاديّ مضاعفة. فبالإضافة إلى الإفلاس، نعاني منذ زمن بعيد من انزياح سوق العمل نحو خلق وظائف ذات أجور متدنّية في قطاعات خدماتية. رغم أن هذا الأمر كان قائماً قبل الحرب الأهليّة، إلّا أنّ الحرب والسياسات التي اتُّبعت مع وصول الرئيس رفيق الحريري إلى الحكم عام 1992، حطّمت ما تبقى من قطاعات إنتاجية وصناعية قليلة كانت صامدة بوجه الحرب، وحوّلت وظائف قطاعات الخدمات إلى وظائف ذات أجور متدنّية، بسبب الدولرة الشديدة للاقتصاد. وعندما نتحدّث عن الهجرة، لا يجب إغفال أن الوظائف ذات الأجور المتدنية هي التي حطّمت الطبقة الوسطى اللبنانية وساهمت في تهجير كلّ من طمح إلى أن ينتمي إليها.
نحن اليوم في قلب مشهد عاصف، قد ينتج منه تغيير نموذج الاقتصاد اللبناني. يجب ألّا تضيع من بين أيدينا فرصة اعتماد سياسات تسهم في إنتاج بنى تحتية اقتصادية وخدماتيّة واجتماعيّة تشكّل المرتكز الأساسي لبناء صناعات تساهم في إصلاح سوق العمل وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى. فاللبنانيون عانوا بشكل مباشر من سياسات التدمير الممنهج لهذه الطبقة الوسطى، ويجب أن يضغطوا ويرفعوا الصوت عالياً لفرض نموذج اقتصادي يتيح لهم الطموح بأن يجري تصحيح البناء الاجتماعي والتكوين الطبقي. لا يستقيم أي تصحيح إلّا بأن تأخذ الطبقة الوسطى دورها الطبيعي في التركيبة الاجتماعية، وعندها يمكن حماية البلد من نزيف الهجرة ونضمن للشباب فرص عمل محترمة تناسب تحصيلهم العلمي. لا يجب أن نتوهّم أنّنا قد نصنّع على مستوى الصين، كمّاً أو نوعاً، ولكن من حقّ لبنان الأمل بنموذج يعيد التوازن وألّا تكون الإنتاجية المحلية في خدمة نخبة اقتصادية أسهمت في الوصول إلى الانهيار الاقتصادي، وألا نسمح لبناة النموذج المنهار إيهامنا بأن الهجرة ستضع عائلاتنا ضمن صفوف الطبقة الوسطى.