يعلّمنا فيروس كوفيد -19 لماذا يجب أن تكون الرعاية الطبّية للجميع هي الحدّ الأدنى من المطالب وليس سقفها. بحسب أحد علماء الأوبئة، فإن هناك حاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية للقطاع الصحي بشكل جذري. عملياً، لم تكن الرعاية الطبية الشاملة لتنقذنا من هذه الكارثة، لكنها ستخفّف من وقعها.

الأزمة الصحية الناتجة عن انتشار كوفيد – 19 تذكرنا بأن الدافع الفردي هو ضرورة حيوية، لكنه ليس حلاً سحرياً لمشاكل الرعاية الصحية. فقد تبيّن أنه منذ فترة طويلة جرت تجزئة البنية التحتية للقطاع الصحي. كما كشفت عن مستوى سيطرة القطاع الخاص إلى ما هو أبعد من العيادات الخاصة (ليس مصادفة أن المؤتمر الصحافي الذي عقده ترامب حول مواجهة فيروس كورونا، شمل مديرين تنفيذيين من الشركات. إن الدعوات لإعادة إعمار البنية التحتية للنظام الصحي وتحريرها من قيود الرأسمالية يجب أن تكون مدويّة الآن مثل دعوات الرعاية الصحية للجميع.
العلاج في العيادات يركز على التفاعل بين الطبيب والمريض، لكن الصحة العامة تركّز على الوقاية والملاحقة ومنع الأوبئة بالمعنى الواسع. يجب أن ننتهز هذا الاختلاف. في ظل هذا الوباء، يمكن أن تصبح بروتوكولات الرعاية المعتادة قديمة ومتهالكة وتفتح حالة انعدام اليقين. هذه فرصة لإعادة النظر بكل هذه البنية (البيانات، المستشفيات، مقدمو الرعاية الصحية، شبكات الأمان، السكن) التي تجعل صحة الإنسان ممكنة أو مستحيلة.
عندما استند بايدن إلى أزمة إيطاليا (وفاة ثلاثة آلاف شخص «رغم» وجود لاعب واحد)، كان يطلب من الناخبين وقف ثورة الرعاية الصحية بحجّة وجود «الأزمة». هو لم يكن قلقاً بشأن البنية التحتية القائمة والتي تحتاج إلى وقت طويل لإصلاحها. لم يكن مهماً أن إنفاق إيطاليا على الصحة للفرد الواحد أقل بنحو 8 آلاف دولار من الولايات المتحدة وهي تتفوّق عليها في كل مؤشرات جودة الرعاية الصحية، القدرة على تحمّل الكلفة، الرساميل. بايدن يتجاهل وقائع الأزمة الحالية: النظام والبنية إما أنهما موجودان خلال الأزمة أو غير موجودين، ولا يمكن ببساطة إحياء هذا النظام أو تفعيله في أي لحظة.

إنفاق إيطاليا على الصحة للفرد الواحد أقل بنحو 8 آلاف دولار من الولايات المتحدة وهي تتفوّق عليها في كل مؤشرات جودة الرعاية الصحية


نظامنا الصحي غير منظّم إن لم يكن فوضوياً. إن مراقبة الأمراض مفكّكة في كل مستوى من مستويات الحكومة: المحلّة، المدينة، الولاية، الفدرالية. البيانات الصحية مثالاً. لماذا؟ في عصر «البيانات الضخمة»، لا يمكننا الولوج إلى البيانات الموحّدة عبر القطاعين العام والخاص، ما يتيح بسهولة لاختصاصيي الأوبئة فرصة دراسة الأنماط الناشئة للأمراض المعدية والمزمنة وتحديد عوامل الخطر المصنّفة حسب معايير مهمة مثل العمر، العرق، الجنس، العمالة، والموقع الجغرافي؟
بصرف النظر عن البيانات المتاحة للجمهور من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) والوكالات الحكومية الأخرى والبيانات من مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية (CMS) – فإن بيانات الرعاية الطبية مكلفة أيضاً للباحثين - غالبية بيانات الرعاية الصحية مملوكة الآن لشركات خاصة. إنها صناعة بمليارات الدولارات تتعامل في مرضنا وصحتنا. يجب تأميم هذه البيانات وحمايتها. نحن بحاجة إليها على جميع المستويات، للتنبؤ والفهم والتخفيف من أي مفاعيل قد تؤثّر على صحتنا.
اليوم نحن أمام جائحة. ما الذي يجب فعله الآن؟ كان كوفيد – 19 بمثابة درس في عدم الاستعداد لحالات الطوارئ، ويكشف ضعف التدريب المتبادل أو بناء القدرات في المستشفيات حيث يتمسكون بأقنعتهم الواقية الأخيرة، مع ندرة التهوية وترشيد استعمالات أسرّة العناية الفائقة. أطباء غرفة الطوارئ، الممرضون والفنيون، هم على الخط الأمامي وليس هناك ما يكفي منهم لإدارة هذه الحالة بأمان.
لقد عرفنا منذ فترة طويلة أن هناك نقصاً في أطباء الطوارئ والتعليم وأطباء الرعاية الأولية في هذا البلد، إذ أنه جرت إعاقة طلاب كلية الطب (غالباً يكونون مثقلين بالديون الطبية) في دخول هذه التخصّصات ذات الأجور المنخفضة نسبياً... يجب أن يكون «الفحص» أول مطالبنا الطارئة. يجب إعطاء الأولوية للرعاية الطبية العامة وفعّاليتها. وعندما تتم الموافقة على «فحص» كورونا من قبل إدارة الغذاء والدواء، يجب أن تكون هناك ضمانات لتوفير الفحوصات لأولئك الذين همّ في أمسّ الحاجة إليها. أنتوني فوسي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية ، على حق: على عكس كوريا الجنوبية، ليس لدينا هيكل متماسك لإجراء اختبار واسع النطاق. كإجراء أول، يمكننا البدء بالمطالبة أن تكون هذه الاختبارات مجانية ومتاحة للجميع، وليس فقط للمشاهير وشبكات بروكلين. يجب أن تكون الأولويات لمن هم أكثر عرضة للخطر، ولكن في مرحلة ما، ونظراً إلى الطبيعة غير المعروفة لهذا الفيروس، يجب أن نقترب قدر الإمكان من الاختبار الشامل.
ما هو العائق الأساسي لهذه الدعوة؟ الخصخصة. في مؤتمره الصحافي يوم الاثنين، أعلن ترامب أن 1.4 مليون اختبار ستكون متاحة بحلول الأسبوع المقبل، و5 ملايين خلال شهر واحد. هل ستتم دعوة أمازون أو ماكسون، الموزّعين الرئيسيين للوازم الصيدلانية في الولايات المتحدة وأصحاب شبكة توزيع واسعة في البلاد، للاستفادة من شبكتهم للصالح العام والمساعدة في توزيع هذه الاختبارات؟ كيف ومَن وبأي طريقة سنفرض نظام أزمة منسقة الاختبار؟
هذه كلها أسئلة سيكون على نظام الصحة العامة الإجابة عليها، وسيكون قادراً على التواصل مع الجمهور. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ليست لديها إجابات فقط، ويبدو أنه لا توجد محاولة لتطويرها أو تنفيذها الآن. بدلاً من ذلك، بعد مرور عدة أشهر، لا نزال نتعثّر وننزف وقتاً رغم الحاجة إلى استجابة سريعة.
كل قطاع في نظامنا الصحي متعثّر. نحو 29% من 46 مليوناً من كبار السن يعيشون بمفردهم، وهؤلاء هم الأكثر عرضة للفقر. مجتمعات بكاملها من كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً معزولة الآن بالإضافة إلى ضعف المناعة، هم الأكثر عرضة للوفاة إذا أصيبوا بالفيروس. حياتهم مهمّة مثل أي شخص آخر. وقد انتشرت مجموعات المساعدة في جميع أنحاء البلاد لدعم هذه الفئات وغيرها... الصحة العامة تفرض علينا إنشاء بنية تحتية تحشد مساعدات إضافية (أدوية ، غذاء ، رعاية) في وقت الطوارئ، بسرعة وأمان، لأي شخص يحتاج إليها. ومع ذلك، لم يكن هذا التفويض في مقدمة أولوياتنا الصحية. نظراً إلى الشيخوخة السكانية في هذا البلد، وعدم المساواة المستمرّة في توفير الرعاية، فهذا أمر غير معقول.
كشف فيروس «كورونا» عن فجوة أخرى في نظامنا الصحي؛ النقص في الأدوية. ستؤثّر القيود العالمية على السفر على جميع أنواع التجارة والخدمات اللوجستية التجارية - بغضّ النظر عن حظر السفر الذي فرضه ترامب. وباستثناء قطع غيار سيارات لاند روفر، فإن المواد الأولية لإنتاج الأدوية غير متاحة بشكل وافر. هناك بالفعل تقارير عن نفاد الأدوية المسكّنة من الصيدليات مثل الأسيتامينوفين. قد يلجأ المرضى والمعالجون إلى علاجات بديلة خارج العلامات التجارية من ضمنها الأدوية التي تستعمل لمرضى نقص المناعة (HIV).
أخيراً، غرّد رجل الأعمال الملياردير إلون ماسك، مشيراً إلى أن الكلوروكين (المستخدم للوقاية من الملاريا وعلاجها) يمكن استخدامه لعلاج كوفيد-19. هاتان الظاهرتان المترابطتان- زيادة الطلب وانخفاض العرض - سيكون لهما تأثير الدومينو على سلسلة إنتاج الأدوية الهشّة أصلاً، وستدفعان نحو تأثير كارثي طويل المدى.
يؤكد مركز السيطرة على الأمراض أن ثلث صحتنا فقط يتم تحديده من خلال الرعاية الطبية التي نتلقّاها ؛ والباقي يتم تحديده في الغالب من قبل القوى الاجتماعية والسياسية، من بينها الوصول إلى رعاية صحية جيدة، والعنصرية، والسجن واحتجاز المهاجرين، والعمالة (التي يرتبط بها التأمين)، وسياسات الإجازات المرضية والعائلية السخية، وسلامة الأحياء، والتعرّض المبكر للقيادة والملوّثات الأخرى ، والتعليم ، والإسكان ، والحصول على الغذاء الجيد بأسعار معقولة ووسائل النقل العام. كل هذه العوامل تتصادم الآن مع «التباعد الاجتماعي» المفروض بسبب الحجر الصحي وإقفال المؤسسات. 517 ألف عامل لدى «ماكدونالدز» و347 ألف عامل لدى وول مارت وأكثر من مليون آخرين لا يحصلون على إجازة مرضية مدفوعة. إن تعرضهم للجمهور وصعوبات العمل يعني أنهم سيتأثرون أيضاً بشكل غير متناسب بـ COVID-19.

** نشر على موقع: www.jacobinmag.com
* باحثة في القطاع الصحي تعمل في بالتيمور ــ ماريلاند