أعلن رئيس الحكومة حسان دياب يوم السبت الماضي أن احتياطيات لبنان بالعملات الأجنبية بلغ مستوى حرجاً وخطيراً، ما يدفع الحكومة إلى تعليق سداد استحقاق 9 آذار (اليوم) من سندات اليوروبوند مع العمل على إعادة هيكلة الديون بالتفاوض مع الدائنين. ما هي انعكاسات هذا القرار على المركز المالي وبيان الأرباح والخسائر للمصارف والمؤسّسات المالية العاملة في لبنان وفقاً للمعيار الدولي للتقارير المالية (IFRS9) المتعلّق بالأدوات المالية، والواجب التطبيق اعتباراً من عام 2018 بموجب مذكّرة لجنة الرقابة على المصارف رقم 18/2015.


النشأة والهدف
نشأ المعيار الدولي للتقارير المالية IFRS9 بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة في نهاية 2008 وأدّت إلى إفلاس العديد من المصارف والمؤسّسات المالية حول العالم نتيجة التقييم الخاطئ لمخاطر الائتمان والتقليل من مخاطر الرهن العقاري عند التخلّف عن سداد الديون.
يهدف هذا المعيار إلى احتساب القيمة العادلة للأدوات المالية والخسائر المتوقعة منها. يُقصد بالأداة المالية أيّ عقد ينشأ عنه أصل ماليّ أو التزام ماليّ أو حقوق ملكية لجهة ما (دولة، أو شركة)، كالأسهم وسندات الدين والسندات السيادية (سندات الخزينة) والودائع المصرفية. ويُقصد بالقيمة العادلة، القيمة التي يمكن بموجبها تبادل هذه الأدوات أو تسوية الالتزامات بين الأطراف الراغبة في تبادل هذه العقود أو الأدوات، وعلى بيّنة من الحقائق يتم التعامل بإرادة حرّة.

تصنيف الأصول المالية
تُصنّف الأصول المالية عند الاقتناء، أي عندما تصبح الجهة المصدّرة أو الحاملة له طرفاً بموجب ارتباط تعاقدي مع الغير بناء على نموذج أعمال يشمل خصائص التدفق النقدي. ويُقصد بنموذج الأعمال، الطريقة التي تمارس بها هذه الجهة نشاطها المتعلق بإدارة أصولها المالية. لذا قد تحتفظ بمحفظة أصول (من ضمنها السندات السيادية) التي تديرها بهدف الاستثمار (التدفق النقدي التعاقدي أي أن يكون الأصل المالي يولّد تدفقات نقدية بتواريخ محددة أو قابلة للتحديد كالسندات مثلا) أو المتاجرة.
ووفقاً للمعيار IFRS9، توزّع الأصول المالية على ثلاث فئات:
- أصول مالية بالقيمة العادلة من خلال الأرباح والخسائر: هي الأصول المالية التي اشتراها المصرف بهدف المتاجرة (المضاربة) من خلال بيعها وتحقيق الأرباح من تقلّبات أسعارها القصيرة الأجل كشراء وبيع الأسهم والسندات والمشتقات المالية والخيارات في البورصة. يؤثّر التغيير في القيمة العادلة لهذه الفئة على بيان الأرباح والخسائر.
- أصول مالية بالقيمة العادلة من خلال الدخل الشامل: تمثّل هذه الأصول الاستثمارات في أدوات المُلكية بغرض الاحتفاظ بها على المدى الطويل، مثل التملّك في حقوق ملكيّة شركات أخرى (شراء أسهم). كذلك يؤثّر التغيّر في القيمة العادلة لهذه الفئة على حقوق الملكية للمساهمين من دون التأثير مباشرة على بيان الأرباح والخسائر.
- أصول مالية بالتكلفة المطفأة (المستنفدة): هي الأصول التي تحتفظ بها إدارة المصرف لتحصيل التدفقات النقدية التعاقدية بتاريخ الاستحقاق (أصل الدين + الفائدة)، كالاستثمار في سندات الدين وسندات الخزينة واليوروبوند والودائع المصرفية لمؤسّسات الأعمال. ويفرض هذا المعيار على المصارف ومؤسسات الأعمال التحوّط تجاه المخاطر الائتمانية المتوقعة، وقيد قيمة هذه الخسائر في بيان الأرباح والخسائر.

نموذج الهبوط (الانخفاض في القيمة)
يفرض المعيار الدولي المذكورة على المصارف ومؤسسات الأعمال أن تُفصح وتحدّد في بياناتها المالية مخصّصات (مؤونات) مقابل الخسائر الائتمانية المستقبلية المتوقّعة للأصول (الأدوات) المالية التي تحملها قبل حدوثها فعلياً. وتمثّل الخسائر الائتمانية الفرق بين القيمة الاسمية للأصول المالية (قروض، سندات، ودائع...) وبين القيمة المتوقّع تحصيلها. ويتم ذلك بشكل تدريجي على ثلاث مراحل:
ــ المرحلة الأولى: تشمل حالات الالتزام الطبيعي بالسداد مع وجود مخاطر خفيفة مثل التلكؤ عن السداد خلال مدّة معينة. وفي هذه الحالة تُحتسب المخاطر وخسائر الائتمان المتوقّعة على مدى 12شهراً.
ــ المرحلة الثانية: يتم احتساب قيمة الأصول على أساس المخاطر الائتمانية التي لم تصل إلى مرحلة التعثّر وإنّما تعتريها زيادة جوهرية في مخاطر الائتمان (السداد)، مثل خفض تصنيف العميل بدرجة معينة، أو طلبه تمديد مهلة السداد، أو حدوث تغيرات سلبية في قطاع الأعمال أو الظروف المالية أو الاقتصادية للمقترض، أو زيادة في مخاطر الائتمان على أدوات مالية أخرى لذات المقترض.
ــ المرحلة الثالثة: يتم احتساب قيمة الأصول المالية على أساس أدنى مستوى ائتماني أو أعلى مخاطر عدم السداد، مثل قيام العميل بإعادة هيكلة الدين، أو زيادة أسعار الفائدة، أو الإفلاس المحتمل. وتُحتسب المخاطر والخسائر الائتمانية المتوقّعة في المرحلتين الأخيرتين على مدى العمر الائتماني (عمر القرض مثلاً).

عدم سداد مستحقات سندات اليوروبوند وتوجهها نحو إعادة هيكلة الدين العام يضع هذه السندات في المرحلة الأخيرة من التعثّر


لهذه الغاية، وضع المعيار الدولي معادلة خاصة لاحتساب الخسائر الائتمانية المتوقّعة على الشكل الآتي: الخسائر الائتمانية المتوقعة (ECL) = معدّل احتمالية التعثر (PD) × الرصيد عند التعثّر (EAD) × معدّل الخسارة عند التعثر (LGD):
- معدل احتمالية التعثر (Probability of Default): يُحدد هذا المعدل من خلال قياس بيانات سابقة لأدوات مالية محدّدة ومقارنتها بفترة زمنية قصيرة أو طويلة في المستقبل، مع الأخذ في الاعتبار المتغيّر الاقتصادي للعميل والإدارة المالية والاقتصاد (التضخّم والبطالة مثلاً).
- الرصيد عند التعثر (Exposure at default): يشكّل هذا الرصيد قيمة القروض أو السندات غير المسدّدة. وفي حالة لبنان يُحتسب كامل رصيد سندات اليوروبوند.
- معدل الخسارة عند التعثّر (Loss Given Default): يُحدّد معدل الخسارة المتوقّعة من أصل الدين بعد تنزيل قيمة الضمانات (عادة تكون عقارات، ذهب وأسهم مثلاً). وفي حال عدم وجود ضمانات يصبح معدل الخسارة عند التعثر 100%، كما هي الحال مع سندات اليوروبوندز اللبنانية.

أثرُ تطبيق هذا المعيار على المصارف وبيئة الأعمال
إن عدم سداد الحكومة اللبنانية مستحقات سندات اليوروبوند، فضلاً عن خفض تصنيفها الائتماني، وتوجهها نحو إعادة هيكلة الدين العام، يضع هذه السندات مهما تكن هوية حاملها، تحت المرحلة الثالثة من نموذج الهبوط، وسندات الخزينة بالليرة اللبنانية في المرحلة الثانية منه على أفضل تقدير. هذا الأمر يفرض على مصرف لبنان والمصارف التجارية، وفقاً للمعيار الدولي المذكور، إعادة تقييم السندات السيادية التي تحملها واحتساب مؤونات لمواجهة هذه المخاطر الائتمانية.
يؤدّي هذا الإجراء المحاسبي إلى زيادة خسائر هذه المصارف بشكل كبير، فضلاً عن انخفاض بما يوازيه في قيمة أصولها المالية وحقوق الملكية، نظراً إلى الحجم الكبير التي تحمله المصارف اللبنانية من هذه السندات.
يترك هذا الأمر أثره أيضاً على بيئة الأعمال في لبنان. ففي حين ينبغي على المصارف إعادة تقييم القروض الممنوحة لمؤسسات الأعمال في لبنان واحتساب الخسائر الائتمانية المتوقّعة، خصوصاً في ظلّ انخفاض قيمة الضمانات العقارية. يتوجب على هذه المؤسّسات في المقابل، وفقاً للمعيار، تقييم مدى قدرة المصارف على سداد قيمة الودائع في تواريخ استحقاقها، واحتساب خسائر مخاطر الائتمان في بياناتها المالية.

خطيئة المصارف
بالطبع، ليس وحده قرار الحكومة اللبنانية الأخير القاضي بعدم تسديد سندات اليوروبوند المستحقّة هو من وضع بيئة الأعمال بكاملها في مخاطر ائتمانية. فمعيار الدول للتقارير المالية (IFRS9)، يشدّد على ضرورة تقييم وضع العميل في نهاية كل دورة مالية (سنة) وفقاً لأسس وقواعد كمية ونوعية تساعد في الحكم على وضعه الائتماني.
وفي هذا الإطار، أشارت تقارير المؤسسات الدولية كافة في السنوات الأخيرة، بشكل واضح، إلى انخفاض تصنيف لبنان الائتماني، وإلى أنه يتّجه نحو التعثّر. لذا كان يتوجب على مصرف لبنان والمصارف التجارية ومؤسسات الأعمال رفع مخاطر الائتمان، والاعتراف بالخسائر الائتمانية بشكل تدريجي وفقاً لمراحل نموذج الهبوط، والإفصاح عنها في البيانات المالية، بدلاً من اللجوء إلى تجميل الميزانيات عبر القيام بهندسات مالية وغيرها لإخفاء الواقع الحقيقي.