يربط معظم المحلّلين والمعلّقين، الاضطرابات التي يشهدها لبنان منذ تشرين الأول 2019 بالفساد وسوء إدارة الاقتصاد المحليّ والسياسات محدودة الأفق المبنيّة على المصالح الشخصية بدلاً من المصلحة الوطنية. لكنّ ما يغفله الكثيرون هو أنّ توقّعات الازدهار الذي قد يشهده لبنان بفضل النفط والغاز أسهمت في تفاقم الوضع المتردّي منذ انطلاق المحادثات حول موارد المحروقات في شرق البحر الأبيض المتوسط قبل أكثر من عشر سنوات.

إنّ لعنة الموارد موثّقة بالأدلة والبراهين. ففي الكثير من الدول الغنية بالموارد، أدّى إنتاج النفط والغاز إلى تراجع الأداء الاقتصاديّ وبروز مشاكل سياسية واجتماعية متعدّدة، كانتشار الفقر والسلوك الريعيّ. لكنّ لعنة الموارد ضربت لبنان باكراً قبل اكتشاف أيّ موارد وقبل تحقيق أيّ ثروة.
فمنذ البداية، أي في مطلع العقد الماضي، تحوّل الحماس بشأن إمكانية أن يصبح لبنان في يوم من الأيام دولة منتجة للمحروقات إلى وعود خطيرة. فانتشرت على الطرقات السريعة ملصقات ملوّنة لإعلان «لبنان صار عندو نفط» ووُعد الشعب بمنافع وخدمات مجانية متعدّدة، كالتعليم والرعاية الصحيّة ومعاش تقاعدي للجميع، فباتت لديه توقعات كبيرة لا تمتّ إلى الواقع بصلة. وعندما وُقّعت عقود النفط الأولى في عام 2018، سارع المسؤولون إلى القول إنّ «لبنان انضمّ إلى لائحة الدول المنتجة للنفط» من دون أيّ أدلّة داعمة، حتّى إنّ البعض أشار مؤخراً إلى الدور الذي قد يؤدّيه النفط والغاز في إنقاذ الاقتصاد من الانهيار الحالي.
ما أساس هذه الادّعاءات؟ اكتشاف حقول النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسّط تتخطّى الحدود البحرية للبنان، ومسوح زلزالية أظهرت وجود صخور تحت سطح الأرض قد تحتوي على النفط والغاز. لكنّ الجيولوجيا ليست علماً بحدّ ذاتها والمسوح الزلزالية لا يمكنها أن تثبت وجود المحروقات. لذلك، يبقى وجود النفط والغاز مجرّد نظريّة إلى حين اكتشاف حقول فعليّة. وحتّى إذا حصل هذا الاكتشاف، سيحتاج لبنان إلى سنة على الأقلّ لتقييم الجدوى التجارية للحقول المكتشفة وإمكانية تحقيق الأرباح منها. وفي حال ثبتت الجدوى التجارية، لا يمكن البدء بالإنتاج قبل تنفيذ عمليات تطوير لسنوات متعدّدة.
ليس غريباً على الحكومات المجاهرة بإمكاناتها الجيولوجية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية. لكن عندما يُستخدم هذا النهج لكسب الدعم من الناخبين المحليين، كما يحصل في لبنان، يؤدّي ذلك إلى شعور مزيّف بالأمن، لا بل يفاقم أيضاً التقاتل السياسي الداخلي، خصوصاً إذا كان النظام مقسّماً ويضمّ أحزاباً سياسية مختلفة تتهافت للحصول على حصتها من «الجبنة».
لقد غرق المسؤولون وصانعو السياسات اللبنانيّون في حجج واهية حول تقاسم الأرباح المستقبلية وإنفاقها، خصوصاً عندما سمعوا عن احتمال تحقيق مكاسب تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. فعلى سبيل المثال، أشارت إحدى الصحف إلى احتمال تحقيق إيرادات تتخطّى قيمتها 400 مليار دولار، ما قد يسمح للبنان بتسديد ديونه وبناء وطن يعيش فيه الجميع برخاء إلى الأبد. ولا تزال هذه التوقعات الجنونية مستمرّة حتى اليوم.
لكنّ الكثيرين يخلطون ما بين «الموارد المتاحة» – أي الموارد القابلة للاستخراج من الناحية الفنية وتلك التي لا يمكن استخراجها – و«الاحتياطيات القابلة للاستخراج من الناحية التجارية» – أي ما يمكن إنتاجه فعلياً. في الواقع، تنخفض الأرقام كثيراً عند الانتقال إلى الفئة الأخيرة. لذلك، فإنّ تقييم الإيرادات المحتملة استناداً إلى الفئة الأولى هو أشبه بـ«بيع السمك في البحر»، على حدّ قول المثل اللبنانيّ.
في خضمّ ذلك كلّه، سارع الشباب اللبنانيّ الذي يحلم بمسار مهنيّ مربح إلى التوجّه نحو الاختصاصات الجديدة المتعلّقة بالبترول التي أطلقتها مؤسسات تعليمية متعدّدة في البلاد. وما شجّعه على ذلك هو القاعدة التي فرضتها الحكومة على شركات النفط والغاز العاملة في لبنان وأجبرت الشركات بموجبها على أن يكون 80% من موظفيها على الأقل من المواطنين اللبنانيين. من المهمّ طبعاً تطوير الخبرات المحلية وإعطاء المواهب المحلية الأولوية، لكنّ السبب وراء تحديد النسبة المذكورة غير واضح، عدا عن أنّ ذلك يعطي انطباعاً مضلّلاً بأنّ عشرات آلاف فرص العمل ستتوفر للبنانيين في قطاع النفط والغاز. والمثير للإحباط هو أنّ هذه التوقعات والوعود تطال أيضاً قطاع الطاقة المتجدّدة. وفيما تجذب هذه الوعود الناخبين، تطرح علامات استفهام لدى الخبراء إذ إنها تسلّط الضوء على عدم كفاءة الخطط المطروحة.
في هذا الإطار، تحذّر الدراسات حول لعنة الموارد من ميل الحكومات إلى الاستعجال في الإنفاق، خصوصاً إذا كان الإنفاق يساعدها على البقاء في السلطة. وتشير هذه الدراسات أيضاً إلى أنّ الحكومات تميل إلى الإعلان عن المشاريع التي لديها أهمية سياسية كبيرة والاستثمار في مشاريع البنية التحتية ذات العائدات الاقتصادية الغامضة أو المنخفضة. وينطبق ذلك في الواقع على الكثير من الخطط الحكومية في لبنان، مثل خطة إنشاء ثلاث وحدات عائمة للتخزين وإعادة التغويز، واحدة في الشمال وواحدة في الجنوب وواحدة في بيروت، مع اختلافات كبيرة في تقديرات التكلفة لكلّ وحدة منها. وفي العادة، تضمّ الدول التي تلجأ إلى الوحدات العائمة للتخزين وإعادة التغويز وحدة – أو وحدتين في بعض الأحيان – من هذا النوع، علماً أن سوقها المحلّية تكون أكبر حجماً من السوق اللبنانية وبنيتها التحتية أكثر تطوراً منها في لبنان.
واعتبر البعض أنّه يمكن حماية الثروة النفطية والاقتصاد المحلي بإنشاء صندوق ثروة سيادي. قد يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ ما، بما أنّ صناديق الثروة السيادية تهدف إلى الحدّ من تأثّر الاقتصاد بتقلبات أسعار السلع والحفاظ على الثروة النفطية لصالح الأجيال المستقبلية. لكنّ الصناديق لا تكفي وحدها لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ودعمها. فلنأخذ أنغولا مثلاً؛ تُعتبر الإدارة المالية السليمة – التي يفتقر إليها لبنان – شرطاً ضرورياً لإدارة الإيرادات بفعالية وإن لم يكن هناك صندوق. لكنّ الصندوق لا يمكنه أن يؤدّي دوره كما ينبغي من دون وجود آلية للإدارة المالية السليمة. بالإضافة إلى ذلك، تُسهم حوكمة الصندوق إلى حدّ كبير في تحديد مدى فعاليته. وفي نظام مسيّس للغاية كما في لبنان، الذي يسجل تصنيفات منخفضة في معظم مؤشرات الحوكمة – كمؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي التي تشير إلى تدهور الوضع في لبنان في السنوات القليلة الماضية – من المستبعد أن يؤدّي الصندوق دوره بفعالية مقارنةً بالدول الديمقراطية التي يسود فيها حكم القانون.

إذا لم تتوفر هيكلية مؤسسية قوية، ستبقى كلّ الخطط والسياسات بلا جدوى مهما كانت متطورة


وقد دعا البعض أيضاً إلى إنشاء شركة نفط وطنية على الفور كوسيلة أخرى للحفاظ على الثروة الوطنية والسيطرة على الموارد الوطنية بشكل أفضل. لكنّ الملكية لا تضمن السيادة والسيطرة، بل ما يضمنهما هو الإطار التشريعي والتنظيمي المناسب والمؤسّسات القوية. وقد أظهرت تجارب بعض الدول، كالمملكة المتّحدة والولايات المتحدة، أنّه ليس من الضروري أن تتملك الحكومات لكي تتمكّن من فرض سيطرتها. فما يمكن تحقيقه من خلال شركة نفط وطنية يمكن تحقيقه أيضاً من دونها باستخدام وسائل أكثر بساطة. هناك لائحة طويلة بشركات النفط الوطنية ذات الأداء الضعيف والتي يتحوّل معظمها إلى أرض خصبة للفساد، خصوصاً في الدول ذات القدرات المؤسّسية الضعيفة. أضف إلى ذلك أنّ الحديث عن شركة النفط الوطنية كان مبكراً في لبنان، فشركات النفط الوطنية القليلة الناجحة في العالم تأسّست بعظمهما بعد سنوات عدة من الاكتشاف الأول للموارد النفطية. وبالتالي، يستطيع لبنان أن يتروى ويركز على الأولويات الأكثر إلحاحاً.
تفاخر الحكومة اللبنانية بالتزامها بالشفافية في هذا القطاع، ما سيسمح للبنان، على حدّ قولها، بتخطّي الكثير من المشاكل الناجمة عن لعنة الموارد. لكن من السذاجة أن نصدّق أن الحلّ يكمن في قوانين الشفافية في قطاع النفط والغاز و/أو الانضمام إلى مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية. فالأهم من ذلك هو الإدارة السليمة للقطاع العام، بالإضافة إلى حكم القانون والأطر القانونية، التي تُعتبر ضرورية لتحقيق المساءلة والحوكمة الناجحة. فضلاً عن ذلك، يتعيّن على الحكومة اللبنانية بذل جهود كبيرة لنشر بيانات موثوقة ومحدّثة ومتّسقة ودراسات شاملة حول القرارات والخطط المهمّة المتعلقة بالطاقة.
عادةً يتعامل المسؤولون اللبنانيون مع المخاوف بشأن المشاكل التي ترافق إنتاج النفط والغاز بالقول: «لكنّ وضعنا مختلف». إنّ لبنان مختلف بالفعل لأنّه وقع في فخ لعنة الموارد قبل أن يثبت حتّى أنّ هذه الموارد موجودة، ويعود السبب الأساسي في ذلك إلى ضعف الهيكلية المؤسسية وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.
تخيّلوا ما قد يحصل لو تمّ بالفعل اكتشاف حقول للنفط والغاز في لبنان. سيكون البلد بحاجة ماسّة إلى تنفيذ إصلاحات جذرية والتركيز بشكل أساسي على بناء مؤسسات قوية لأنّها الوسيلة الوحيدة الناجعة لتحقيق أداء جيد ونموّ اقتصادي مستدام. فبحسب صندوق النقد الدولي، لا يمكن التشديد بما يكفي على أهمية المؤسّسات السليمة في الدول النامية الغنية بالموارد. لذلك، إذا لم تتوفر هيكلية مؤسسية قوية، ستبقى كلّ الخطط والسياسات بلا جدوى مهما كانت متطورة.

نُشر هذا النص في المركز اللبناني للدراسات

* الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي (المملكة المتحدة)، وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات

تابع صفحة «ملحق رأس المال» على فايسبوك