في عام 2007 ارتفع الدين العام الخارجي لدولة أيسلندا إلى أكثر من 7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وبدأت ثقة المودعين تتلاشى تدريجياً، وتحوّل الأمر في عام 2008 إلى مخاطر مرتفعة على ثلاثة مصارف كبرى: «كوبثينج»، «لاندسبانكي» و«جليتنر». فقد واجهت هذه المصارف صعوبة في تسديد ديونها القصيرة الأجل. يومها قرّرت «الهيئة التشريعية الأيسلندية» تشريع قانون الطوارئ لتتمكّن «هيئة الرقابة المالية» (FME) من السيطرة على القطاع وتأسيس مصارف جديدة ووضعها تحت الحراسة القضائية، وتركت الخسائر تلحق بمساهمي المصارف وبالدائنين الأجانب، فيما ركّزت جهودها على ضمان جميع الودائع المحلية مع فرض ضوابط على رأس المال لاستقرار قيمة العملة المحلية (الكرونة الأيسلندية).


أنجل بوليغان - المكسيك


مقارعة الوحش
يقول الإعلامي إيفان بوشاك، في تقرير عبر قناة «ناو وورلد» على «يوتيوب»:
خلال الأزمة المالية الحادة نهاية عام 2008، اختارت بلدان عدّة إنقاذ المصارف من خطر الانهيار. بعكسهم، أيسلندا تركت المصارف تسقط. كيف تمكّنت من ذلك؟ أيسلندا بلد صغير وشبه معزول، صناعاته الأساسية هي الصيد وصهر الألومينيوم، وكان قد خصخص قطاعه المصرفي في عام 2000 ما فتح المجال أمام تعاظم الدين الخارجي، إذ أن ثلثي التمويل كان يأتي من الخارج في عام 2007.
تأثّرت المصارف الثلاثة الكبيرة في أيسلندا بالركود الاقتصادي، بسبب عملها على تمديد القروض لفترات طويلة واتخاذ قرارات تجارية سيئة. على سبيل المثال، امتصّ «لاندسبانكي» الكثير من الودائع، أكبر من قدرته على تسديد الدفعات عليها (لم يكن لديها مصرف مركزي يمتصّ السيولة ويرتّب الأكلاف الباهظة على ميزانيته ويخفيها كما يفعل مصرف لبنان). بعد الأزمة، رفضت أيسلندا مساعدة المصارف، وأكّد رئيس البنك المركزي، ديفيد أودسون أنّه «لا ننوي دفع ديون المصارف التي تصرّفت بشكل طائش». في المقابل، وضعت الحكومة برامج للخدمات الاجتماعية وإلغاء الديون لإنقاذ المواطنين الأيسلندانيين. بالإضافة إلى ذلك، سُجن عدد من المصرفيين الفاسدين. في النتيجة، لدى أيسلندا اليوم معدّل نمو سنوي ثابت يبلغ 3%، مقارنة مع 0.2% في اليونان و1.1% في استونيا. ومعدل البطالة منخفض يبلغ 4.2%.

لا تمويل من المال العام
في حديث إلى قناة «الجزيرة»، على هامش مؤتمر دافوس سنة 2013، قال الرئيس الأيسلندي السابق، أولافور راغنار غريمسون: ”السبب الرئيسي لنجاح أيسلندا هو أنّنا أدركنا أنّ المشكلة سياسية، ولم نتبع السياسات التقليدية للحلّ، وفرضنا ضوابط على العملة المحلية، وتركنا المصارف تفشل، وقدّمنا الدعم للفقراء. بعد أربع سنوات، تعافت أيسلندا وتقدمت بشكل مختلف عن بقية الدول الأوروبية التي عانت من الأزمة المالية، ونتمتّع اليوم بمعدّل نمو ثابت، ونسبة منخفضة من البطالة. لماذا تُعتبر المصارف أماكن عبادة مُقدّسة اقتصادياً؟ لماذا لا تكون مثل شركات الاتصالات والطيران، مسموح لها أن تُفلس إن تصرّفت بطريقة غير مسؤولة؟ نظرية أنّه يجب الدفع للمصارف، هي نظرية أبناء القطاع الذين يريدون أن يربحوا في زمن النجاح، وبعد ذلك يُكبّدون الفقراء خسائرهم من خلال الضرائب والتقشف. الناس في المجتمعات الديمقراطية لن يقبلوا ذلك على المدى الطويل. بعد انهيار المصارف في أيسلندا، وجدنا أنّ القطاعات القائمة على الابتكار أصبحت تعمل بشكل أفضل من السابق“.