يعود سبب تنامي الفكر النيوليبرالي إلى خشية الطبقات الحاكمة تقليدياً من تقلّص أو تراجع نفوذها. هذا ما وصل إليه الاقتصادي الأميركي دافيد هارفي في مؤلّفه المهم «التاريخ المختصر للنيوليبرالية». لكن قبل تحديد مفهوم الطبقة الحاكمة، هناك سؤال أساسي: لماذا انتظرت تلك الطبقة نحو عقدَين من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية للمبادرة إلى استعادة «دورها المنقوص»؟ ببساطة هي أولوية السياسة على أيّ اعتبار آخر. فبعد الحرب العالمية الثانية عمّت موجات من الحركات الشعبية المتعاطفة مع الفكر الشيوعي أو الفكر الاشتراكي والمدعوم سياسياً من الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ومن الصين في آسيا. كما شهدت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تعاظم حركات التحرّر في العالم من قبضة الاستعمار القديم والمجيء بأنظمة «متحرّرة» ومتعاطفة مع الطروحات الاشتراكية. لذا كانت الأولوية لكبح هذا التنامي أولاً في أوروبا، ولاحقاً في دول آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، انطلاقاً من أن السياسات الكينزية مكّنت الدول الأوروبية الغربية ومعها الولايات المتحدة من إعادة إعمار أوروبا المدمّرة بسبب الحرب العالمية الثانية، وبمشاريع اقتصادية اجتماعية تجلب الجماهير إلى الالتفاف حول حكوماتها وأنظمتها السياسية بدلاً من الشروع في مشاريع ثورية أو انقلابية اقتصادية اجتماعية تهدّد النظم القائمة. ولا يمكن أن ننسى أن الانتخابات البرلمانية بعد الحرب العالمية الثانية في كلّ من فرنسا وإيطاليا شهدت صعود الحزب الشيوعي الذي أحرز على ما يوازي ثلث أصوات الناخبين، ما أقلق القيادات الغربية من الخطر الشيوعي.


داريو كاستيليوس ــ المكسيك

استمرّ هذا الوضع لغاية النصف الثاني من الستينات. كان الاستقرار مترسّخاً في كلّ أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وفي تلك الفترة بدأت تظهر حدود السياسات الكينزية في استدامة النمو الاقتصادي بشكل مقبول مترافقاً مع تضخّم وزيادة متدرّجة في البطالة. لكن العديد من الاقتصاديين يرون أن هذه السياسات أصبحت عبئاً على ماليات الدول وعائقاً للنمو بسبب القيود المتعدّدة التي رافقتها ما أتاح فرصة الترويج، سياسياً، لفكر اقتصادي سياسي مخالف للسياسات السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الفكر «الجديد» ركّز على مبدأ الحرّية واعتبر أن سياسات تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي هي «طريق إلى العبودية» وفقاً لعنوان فون هايك الشهير (1944) (هذا الكتاب هو المجلّد الثاني لبحثه الفلسفي «تراجع العقل» المستوحى من كتاب الكسي دي توكفيل «الاستبداد طريق إلى العبودية»). رغم أن إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن ممكناً من دون التخطيط المركزي، إلّا أن فون هايك يعتقد أن التخطيط المركزي وتدخّل الدولة في النشاطات الاقتصادية وتحكّمها بالأسواق هو طريق استعباد الشعوب. لكن في الستينات والسبعينات، فقد التخطيط المركزي بريقه عند النخب الحاكمة، بسبب ثقل البيروقراطية التي رافقته وجدواه في أعين العديد من الاقتصاديين الأحرار (libertarians)، لذا أصبح ممكناً إعادة طرح أفكار فون هايك. أمّا الشخصية السياسية الأولى التي تبنّت تلك الأفكار فهي مارغريت تاتشر في منتصف السبعينات عندما صعدت في مواقع الحزب المحافظ البريطاني. في تلك الفترة خاضت معارك مع نقابات عمّال مناجم الفحم وعمّال صناعات الصلب واستطاعت كسر شوكة ونفوذ النقابات في السياسة بشكل عام وداخل حزب العمّال البريطاني. وفي الولايات المتحدة، استطاع الرئيس الأميركي رونالد ريغان أن يكسر شوكة النقابيين عبر طرد موظّفي مراقبة الطيران الذين أضربوا آنذاك بسبب الأجور المتدنية وأوقات العمل الطويلة والصعبة. كسب الرئيس ريغان تعاطف الأميركيين الذين اعتبروا موظفي رقابة حركة الطيران من الجنود الذين لا يستطيعون ترك عملهم وتهديد سلامة المسافرين. أمّا الاختبار الذي سبق مبادرات تاتشر وريغان، فكان في التشيلي مع الانقلاب ضد سلفادور اللندي سنة 1973 وما رافقه من سياسات ألغت التأميمات في القطاعات الاستراتيجية كالمناجم التي أوجدها اللندي وترسيخ سياسات اقتصادية ومالية مبنية على الخصخصة وفقاً لتوجّهات مدرسة شيكاغو.
إضافة إلى ترسيخ مبدأ التنديد بتدخّل الدولة في العجلة الاقتصادية عبر الرقابة والقيود، هناك أيضاً رغبة في إعادة هندسة المجتمع نحو المزيد من سلطان الشركات الخاصة، والتقليص للنقابات التي تحاسب وتساءل أصحاب العمل. كما أن القيم الاجتماعية التي أرستها السياسات الكينزية بعد الحرب العالمية الثانية تفادياً للخطر الشيوعي و/أو الاشتراكي خضعت لمراجعة. فقد ظهرت منذ مطلع السبعينات أفكار تندّد بتلك «المسؤولية الاجتماعية» لدى الشركات. الاقتصادي الأميركي ميلتون فريدمان أحد أعمدة مدرسة شيكاغو الاقتصادية، نشر مقالاً مفصلياً في مجلة نيويورك تايمز (نيويورك تايمز مغازين) في أيلول 1970 يشير فيه إلى أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة لدى أصحاب ومديري الشركات، هو تحصيل أقصى الأرباح الممكنة للمساهمين. هذا المبدأ مستمرّ حتى اليوم مع تحريف إضافي وصريح لمعنى المسؤولية. وهذا التحريف تجلّى في فضيحة شركة بوينغ العملاقة حول سلامة الطائرات التي تنتجها بعد تصريح مستغرَب لرئيس الشركة المعيّن حديثاً دافيد كالهون، إذ قال إن مبدأ المسؤولية يفرض على الشركة تأمين سلامة الطائرات «لتأمين تدفّق الأرباح»، أي إن سلامة أرواح المسافرين ليست السبب الرئيسي لتأمين سلامة الطائرات بل الأرباح! إلى ذلك المستوى انخفضت الأخلاق في النشاط الاقتصادي في النظام النيوليبرالي. وبالمناسبة لا نستبعد أن تعلن شركة بوينغ إفلاسها طالما هذه الذهنية متحكّمة بمسؤوليها، لأن التفكير على المدى الطويل أصبح مفقوداً لمصحلة الاستحقاقات المالية الفصليّة.
الشركة إذن هي الوحدة العاملة في العجلة الاقتصادية وفقاً للفكر النيوليبرالي. والشركة شهدت تطوّراً كبيراً في بنية الملكية والإدارة وأصبح الفرق بينهما ضئيلاً لأن الملكيّة هي أكثرية مجموع المساهمين الذين ينتدبون الأشخاص لإدارة الشركة. بات صعباً التمييز بين الملكية والإدارة. الملكية متناثرة بين أيدي مساهمين كثر وخصوصاً في الشركات الكبيرة، أما في الشركات الصغيرة فالملكية تكون للمؤسّس ومن يدور في فلكه وهو أيضاً من يدير الشركة. قضية الحجم أدخلت مفهوم الانتداب، فيما أصبحت مكافأة المدير تتماهى مع مكافأة المالك، بل ربما أهم منها. لا نريد الاسترسال في هذا الموضوع، لكن الفكرة الأساسية من هذه المقارنات تكمن في أن مصير الشركة أصبح في يد الإدارة بدلاً من المساهم الذي أصبح «رهينة» الإدارة. قرارات الإدارة بتضخيم الأرباح عبر التلاعب بمحاسبة المداخيل والنفقات هدفها رفع قيمة السهم (وهذا يُرضي المساهم) الذي أصبح يشكّل جزءاً كبيراً من مكافأته. فالأولوية لم تعد لزيادة الإنتاجية والتنافسية بل لتأمين الأرباح مهما كلّف الثمن وإن كان على حساب مستقبل الشركة والسلامة العامة أو البيئة أو أيّ قيمة اجتماعية تتجاوزها الشركة.
والتغيير في مفهوم الشركة وتذويب التمايز بين المالك والمدير أفضى إلى تحوّل في مفهوم رأس المال. بالنسبة إلى ميلتون فريدمان الرأس مالي هو ذلك المسؤول في الشركة (ليس المساهم!) الذي يتصرّف في مناخ تنافسي من دون أي تدخّل للدولة لتأمين أكبر قسط من الأرباح. هذا المفهوم الضيّق يتعارض مع المفهوم التقليدي للرأس مالية الذي كان سائداً في أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي. كما أن الفجوة بين مردود رأس المال الإنتاجي ورأس المال «المالي» تضاءل حتى أصبح الأخير متفوقاً على رأس المال الإنتاجي. «السلطة» داخل المؤسسة أصبحت في مراكز المال وليس في مراكز الإنتاج.
هكذا تبلورت طبقة جديدة يصعب تحديدها كما كان ممكناً في السابق عندما كانت العلاقة مع وسائل الإنتاج يحدّد مفهوم الطبقة. أما الطبقة الجديدة فعلاقاتها مع المال وتشمل نوعيات مختلفة من الإحصّائيين في المال والمحاسبة والتحليل المالي والمعلوماتي والقانوني. وهذه الطبقة تُدخل تعديلات جوهرية إلى مفهوم الطبقة عبر تراخي العلاقة مع ملكية الإنتاج وتوثيق العلاقة مع الخدمات المالية. من هنا يمكن فهم ضعف دور النقابات في الاقتصاد الخدماتي الجديد حيث التناقض بين «العامل» وصاحب رأس المال يذوب. فـ«العامل» هو جزء من منظومة رأس المال حيث حلّ أصحاب الياقات البيضاء (white collars) مكان أصحاب الياقات الزرقاء (blue collars) في بنية اليد العاملة. هذه التحوّلات في الرأس المالية، من رأس مالية إنتاجية ومنتجة إلى رأس مالية افتراضية ومالية أصبحت من سمات الاقتصاد النيوليبرالي. كما أن التوطين للصناعات التحويلية من بلاد صناعية كالولايات المتحدة وأوروبا في دول أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا أدّى إلى نموّ تلك الطبقة الرأس المالية الجديدة. لذلك نرى انفصاماً واضحاً بين الاقتصاد الفعلي الإنتاجي والاقتصاد الافتراضي المالي حيث التركيز يصبح على الأسواق المالية بدلاً من الأسواق الفعلية.
صرّح رئيس بوينغ دايفيد كلهون بأن مبدأ المسؤولية يفرض على الشركة تأمين سلامة الطائرات (لا سلامة أرواح المسافرين) لتأمين تدفّق الأرباح


الطبقة الجديدة ارتبطت بظاهرة العولمة وتضاؤل دور الدولة الوطنية وحتى دور الأمة-الدولة. ذروة ذلك التحوّل جاء على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر الأمة-الدولة من الماضي وأن عصر العولمة والنيوليبرالية هو الحاضر والمستقبل. وذهب في مبالغته نحو إنكار وجود ثقافة فرنسية بل هناك ثقافة في فرنسا وليست لها طابع وطني أو قومي. لسنا في إطار مناقشة جدوى تلك الأفكار بل مهمتنا أن نقول إن النيوليبرالية في مراحلها الأخيرة ولكن لا بدّ من التركيز على ترابطها بظاهرة العولمة خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. هذه الطبقة ساهمت في بلورتها الشركات العملاقة العابرة للقارات التي كانت بحاجة إلى كفاءات متعدّدة لإحكام السيطرة على الأسواق. والطبقة الجديدة تختلف كلّياً عن الطبقات الأخرى التي أفرزتها وسائل الإنتاج والعلاقات الناتجة عنها. الطبقة الجديدة مرتبطة بالرأس المالية الجديدة التي تعتبر المال هو الأساس وهذا ما سنعرضه في المقال المقبل حول «أموَلة» رأس المال.
النيولبيرالية كانت لبّ السياسات التي فرضتها قسراً المؤسسات التجارية والدولية كمنظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الدول الناشئة و/أو الصغيرة كاليونان. وهذه المؤسسات بشّرت للعولمة ورفع الحواجز بين الدول بحجة تأمين حريّة التجارة وحركة السلع ورأس المال، بينما هناك سكوت واضح عن حركة اليد العاملة! وحرّية التجارة هي العذر لغزو الأسواق الوطنية للدول التي اقتصاداتها في مرحلة النشوء أو لا تستطيع مواجهة الشركات العملاقة خاصة في استثمار الموارد الطبيعية والطاقة والمعادن والمواصلات. النيوليبرالية كانت وما زالت منظومة فكرية للسيطرة على الاقتصاد عبر السيطرة على الأسواق من قِبل أقلّية متحكمة بالسلطة وتبرز الحرّية لتثبيت قانون الغاب. والتشريعات التي تصدرها المؤسسات الوطنية تحت سيطرة تلك النخب هي لشرعنة الداروينية الاقتصادية الاجتماعية. لاحقاً سنعرض إخفاقات النيوليبرالية من الناحية النظرية والعملية وما أسفرت عنه تلك السياسات.

* كاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي