هل يمكن إنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي والمصرفي في لبنان من دون الخضوع لبرامج المؤسسات الدولية المعنية؛ مع ما تحتويه من شروط وقيود تفوق ربما طاقة البلد على التحمّل؟

لسنا ملزمين بتقديم إجابة فورية عن هذا السؤال قبل استنفاد فرص الحلّ الأخرى، بل إن السؤال الصحيح هو عن الإجراءات الذاتية التي يجب المبادرة إليها من دون إبطاء، والخطوات الجريئة التي من شأنها خفض حجم الأزمة وتخفيف كلفة الخروج منها ضمن برنامج وطني متكامل. أي إنه عوضاً عن شراء الحلول من الخارج، علينا أن ننتج مقارباتنا الخاصة التي تتضمن محاور الإنقاذ وخياراته ووسائله.

ليوجي ــ الصين

ونقطة البدء هي في إجراء تحليل دقيق وشفّاف لوضعية القطاع المصرفي، لتشخيص فجوة الموارد بالعملات الصعبة وتحديد قيمة التمويل المطلوب لإعادة رسملة القطاع. يُفترض أن يلحظ ذلك، التراجع الفعلي للتصنيفين السيادي والائتماني للبلد والمصارف، وتراجعهما المرتقب في المدى المنظور. وفي جميع الأحوال لن تقلّ متطلّبات الرسملة عن 12 مليار دولار، وقد تصل إلى أضعاف ذلك مع زيادة نسبة الديون المتعثّرة بفعل الانكماش الاقتصادي، والأعباء الإضافية المترتبة على تطبيق المعيار الدولي الجديد لإعداد التقارير المالية 9 IFRS الصادر عن مجلس معايير المحاسبة الدولي في تموز 2014، ولا مناص من التقيد بمندرجات هذا المعيار عاجلاً أو آجلاً لإعادة القطاع المالي في لبنان إلى سكتّه الصحيحة.

إعادة هيكلة القطاع المصرفي
ويجب أن تنطوي إعادة هيكلة القطاع، التي تشكّل المحور الأول للإنقاذ، على إجراءات متزامنة ومنسّقة، تشمل زيادات متتالية وتدريجية لرساميل المصارف على مدى خمس سنوات، وتمويل هذه العملية من طريق عمليات دمج مدروسة أو عبر تسييل موجودات خارجية ثابتة تملكها المصارف، وتقليص نطاق الانتشار المصرفي الذي لم يُثبت جدواه، وتحويل بعض فئات الودائع وشطورها إلى أسهم. ويمكن تمويل إعادة الرسملة أيضاً من خلال «استرداد» قسم من الأرباح الموزّعة التي حصلت عليها المصارف في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وذلك من أصل 24.2 مليار دولار هي مجموع أرباح المصارف التجارية في الأعوام 1993-2018 والتي وُزع نصفها تقريباً. علماً بأن هذه الأرباح تصل إلى 30 مليار دولار إذا أضفنا إليها إيرادات الهندسات المالية.
ولا يمكن أن نغفل في سياق تحديد متطلّبات رسملة المصارف وحماية أصولها، التركّز الشديد وغير المقبول لموجوداتها. فكما بات معروفاً يستحوذ مصرف لبنان والحكومة على ما لا يقل عن 100 مليار دولار من أصول المصارف التجارية بالعملات الصعبة على شكل شهادات إيداع (نحو 22 مليار دولار)، وودائع زائدة في مصرف لبنان (أكثر من 40 مليار دولار) ونحو 20 مليار دولار من الاحتياطات الإلزامية على الودائع بالدولار، وما يزيد على 14.5 مليار دولار من سندات اليوروبوندز. فضلاً عما يقارب 80 ألف مليار ليرة لبنانية موزّعة بين سندات خزينة وشهادات إيداع واحتياطات إلزامية بالليرة اللبنانية. وتعاني القروض للقطاع الخاص من تركّز مماثل خصوصاً أن معظمها مرتبط بهذه الطريقة أو بتلك، بالقطاع العقاري المنكشف بدوره على عناصر الأزمة.
بات الإفصاح عن القيمة الصافية لاحتياطات مصرف لبنان والتوزيع الدقيق للأموال المودعة لديه والسندات الخارجية التي يحملها وأرباحه الحقيقية والتطابق بين آجال مطلوباته وموجوداته أمراً لا غنى عنه لتسيير أيّ برنامج للإنقاذ


وهذا يحيلنا أيضاً إلى وضعية مصرف لبنان التي يجب استكشافها لمعرفة قيمة احتياطاته الصافية، والتوزيع الدقيق للأموال المودعة فيه والسندات الخارجية التي يحملها، و«أرباحه» الحقيقية، ومدى التطابق أو عدم التطابق بين آجال مطلوباته وموجوداته بحسب كل شريحة منها. وقد بات هذا الإفصاح ضرورياً وملحّاً ولا غنى عنه، وبأعلى درجات الشفافية، لتسيير أيّ برنامج للإنقاذ، حتى لا تبقى معطياته رهن التوقعات والتكهنات والتقديرات غير الموثّقة.

تسوية فورية للدين
يتضمن المحور الثاني للإنقاذ، تنفيذ تسوية شاملة وفورية لخفض قيمة الدين العام الذي يحمله المقيمون بالليرة اللبنانية وبالعملات الأجنبية، وتقارب نسبتها 85% من مجموعه. يمكن تحقيق ذلك من خلال مزيج من الإجراءات الضريبية (مثل فرض ضريبة تصاعدية على الثروات المالية الكبيرة لمرّة واحدة، وعلى الفوائد)، والنقديّة (مثل حصول الخزينة على حصّتها من أرباح فروقات القطع المتراكمة لدى مصرف لبنان، وخفض معدلات الفائدة المدينة والدائنة)، والاستثمارية/الاجتماعية (مثل استعمال جزء من رصيد صندوق نهاية الخدمة المقدر بنحو 11550 مليار ليرة في شراء حصص وأسهم في مؤسّسات عامة، واستقطاب الأموال المودعة في المنازل وخارج القطاع المصرفي من خلال اكتتاب الجمهور بأسهم في استثمارات عامة جديدة، في شركة ثالثة للخليوي مثلاً أو في غيرها)، والهيكلية (بالتفاوض، مثلاً، على إعادة جدولة شاملة للدين العام المستحق للمقيمين واستبداله بآجال أطول وفوائد أقل). ومع أن إعادة هيكلة الديون أو جدولتها مكلفة ومثيرة للجدل فقد باتت ملمحاً من ملامح الرأسمالية الحديثة.
من شأن هذه الإجراءات مجتمعة وغيرها خفض الدين العام بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية خفضاً ملموساً. تصل نسبة هذا الخفض في بعض السيناريوهات، إلى 50% لسندات اليوروبوندز و25% للديون بالليرة اللبنانية. وبذلك يمكن السيطرة على تضخّم أعباء مجموع الدين العام، بحيث لا يزيد عن حجم الناتج المحلي في السنوات الخمس المقبلة، فيما يتوقع أن يتجاوز ضعف الناتج إذا بقي الوضع على حاله.
وستؤدّي إجراءات تقليص الدين العام المذكورة آنفاً، إلى خفض خدمته بمقدار النصف في أقل تقدير، وبنسبة الثلثين إذا خُفّضت معدلات الفائدة المدينة على السندات وغيرها إلى النصف (وإلى أقل من ذلك لمحفظة مصرف لبنان)، وهو ما بات ممكناً وفعّالاً في ظلّ إجراءات الرقابة على التحويلات.

لعنة التدفقات
في المحور الثالث، لا بد من إعادة النظر جذرياً في سياسات لبنان تجاه الأموال الآتية من الخارج، المالية والنقدية، وفهمنا لطبيعتها ووظائفها. إذ يسود اعتقاد واسع بأن حلّ مشكلة السيولة يكون بالحصول على المزيد من التدفقات المالية، إما من خلال الديون الخارجية، أو عبر استقطاب الودائع من دول ومؤسسات مالية عالمية ومن الأفراد بعد استعادة الثقة بالمصارف. لكن يغيب عن أذهان أصحاب هذا الاعتقاد، أن التدفقات الهائلة التي تلقيناها في أكثر من ربع قرن، وساهمت في تضخيم ميزانيات المصارف لتلامس خمسة أضعاف الناتج المحلي، لم تكن فحسب فرصاً ضائعة للاستثمار والتنمية، بل كانت أيضاً سبباً في تصعيد الأزمة. تكفي الإشارة في هذا المجال إلى أن ودائع غير المقيمين ولا سيما السيادية منها، تُعد ديوناً على البلد. باحتسابها تصل نسبة دين لبنان الخارجي إلى 120% من الناتج، ويبلغ إجمالي الديون بالعملات بما في ذلك المطلوبات الصافية على مصرف لبنان ضعفي الناتج تقريباً، فيما يتجاوز مجموع الديون العامة والخاصة بالليرة اللبنانية وبالعملات ثلاثة أضعاف الناتج بكلفة سنوية توازي 30% من الناتج المذكور.
إن استقطاب مزيد من الأموال الخارجية مهما كان نوعها ومصدرها، سيرتب مديونية زائدة على الدولة وعبئاً إضافياً على الاقتصاد، إلا إذا أحسنّا توظيفها. فاستخدام هذه التدفقات كما هو متوقع في تمويل نفقات استهلاكية وجارية وتسديد الفوائد سيدخلنا في نفق جديد للمديونية، وحتى لو استُعملت في إعادة رسملة القطاع المالي وزيادة موجوداته الخارجية، فسينطوي ذلك على تحميل عموم المواطنين كلفة أخطاء لم يرتكبوها، بما فيها الأخطاء المزمنة في إدارة المخاطر المصرفية واستنزاف العملات الصعبة في نفقات لا طائل منها وفي إطار سياسات غير مسؤولة.

هناك إجراءات تتيح خفض الدين العام بالليرة وبالدولار بنسبة 50% لسندات اليوروبوندز و25% للديون بالليرة اللبنانية ما يسمح بالسيطرة على أعباء الدين حتى لا يزيد عن حجم الناتج المحلي في السنوات الخمس المقبلة


أظهرت خبرة البلدان التي مرت بأزمات سيادية ونقدية ومصرفية في أوروبا وآسيا وغيرها، أنّ ديون الدولة ليست وحدها مصدر القلق، بل الاقتراض الوطني مقلق بكل أشكاله سواء كان حكومياً في بعض الأحيان (مثل اليونان)، أو خاصاً في أحيان أخرى (مثل إيرلندا وإسبانيا). ويلاحظ جوزيف ستيغليتز، أنّ الديون تتحرك بسرعة حينما تقع الأزمة، من ميزانية القطاع الخاص إلى ميزانية القطاع العام. لكن بخلاف ذلك، كانت حركة الديون في لبنان بالاتجاهين: من الدولة إلى القطاع الخاص، الذي يحمل الجزء الأكبر من ديون الحكومة ومطلوبات المصرف المركزي؛ ومن القطاع الخاص إلى الدولة التي تضمن جزءاً كبيراً من ديون المصارف على القطاع الخاص، وهي ستضمن بالشراكة مع المصارف (من خلال المؤسسة الوطنية لضمان الودائع) شرائح من الودائع تصل قيمتها إلى 50 ألف مليار ليرة بعد رفع قيمة الضمانة أخيراً.

الإصلاحات العميقة والدائمة
المحور الرابع للإنقاذ، يتعلق بوضع خطة طوارئ اقتصاديّة ونقديّة (وخطة اجتماعية بطبيعة الحال لكنها تستحق بحثاً منفصلاً) تتضمن إجراءات دائمة ومؤقتة ذات أثر فوري ومباشر. وعلى رأس ذلك، تطبيق ما يمكن تسميته بالرقابة على الاستيراد Import control في السنوات الخمس المقبلة، من خلال رفع الرسوم الجمركية و/أو فرض قيود كميّة هدفها تقليص فاتورة الاستيراد إلى ما يقارب النصف (إلى ما بين 8 مليارات و10 مليارات دولار). وبذلك ينخفض العجز التجاري من 20% من الناتج، إلى أقل من 10% منه، فيما يتضاءل عجز الحساب الجاري إلى مستويات متدنية وغير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأهلية، بل قد يلامس الصفر إذا تحسنت التحويلات وحصل بعض التعافي في ميزان الخدمات. وفي جميع الأحوال، يجب صرف اهتمام أكبر على ميزان التجارة والخدمات وعلى الحساب الجاري، مقابل تركيز أقل على رصيد ميزان المدفوعات. لتحقيق فوائض في هذا الأخير يكفي تطبيق إجراءات نقدية ومالية ذات طابع مؤقت وهامشي وضعيف الصلة بالأداء الاقتصادي العام، أما تحسين أوضاع الميزان التجاري والحساب الجاري فيستوجب إصلاحات اقتصادية دائمة وعميقة.
لكن لبنان يواجه معضلة مماثلة لما تواجهه بعض دول الاتحاد الأوروبي ذات الاقتصادات الضعيفة نسبياً (كاليونان) التي تعاني من وطأة الشراكة في عملة موحدة (اليورو) مع دول ذات اقتصادات أقوى (كألمانيا). يصعب الجمع لمدة طويلة بين عجوزات كبيرة في الميزان التجاري من ناحية وتثبيت سعر الصرف من ناحية ثانية، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحطيم قوائم الاقتصاد، وضرب آلية التصحيح التلقائي لاختلالات التجارة الخارجية.
يطرح بعض الباحثين الاقتصاديين، ومنهم وارن بافيت فكرة غير تقليدية في مواجهة هذه المعضلة، هي «قسائم التجارة» بوصفها رسوماً جمركية إضافية مبطنة، والتي يزيد أو ينقص سعرها بالتناسب مع زيادة العجز أو انخفاضه. قسائم التجارة هذه ذات قيمة رمزية تمنحها الحكومة للمصدّرين بقيم توازي نسبة ضئيلة من صادراتهم، وعلى المستوردين، في المقابل، الحصول على هذه القسائم حتى يتاح لهم الاستيراد. وفي حالات العجز التجاري يرتفع سعر هذه القسائم فتزيد كلفة الاستيراد ويتقلص حجمه والعكس بالعكس في حالات الفائض.
ربما لا يمكن لبنان البدء بتطبيق هذه الآلية غير المجرّبة في دول أخرى، لكن بوسعه اعتماد سلّم للرسوم الجمركية يتحرك على نحو معاكس لمعدلات العجز التجاري، فيعوّض بذلك جزئياً عن المرونة المفقودة بفعل تثبيت سعر الصرف، وخصوصاً أنّ التوافق ما زال قائماً على عدم تعويم سعر الصرف رسمياً، في انتظار اللحظة التي يمكن فيها إجراء طلاق ودّي مع الدولار.

أهون الشرور
لا سبيل أمامنا إلّا اتخاذ قرارات داخلية حاسمة تتطلب تضامناً سياسياً وقطاعياً واجتماعياً واسع النطاق. مهما كانت هذه القرارات قاسية، فهي أقل قساوة من أوجاع الارتطام بقاع الهاوية، وأقل مرارة من طعم الارتماء غير المشروط في أحضان المؤسسات الدولية. بعض الدول القوية تخفق في مجاراة برامج هذه المؤسسات الدولية وشروطها رغم أنها تملك ما تملكه من مركزية سياسية وصلابة إدارية وهيمنة ناعمة أو خشنة على مجتمعاتها بحيث توجّهها كما تريد... ليس هذا حالنا مع نظام توافقي متقادم وبطيء الإيقاع ومنقسم على نفسه وضعيف التأثير على مجتمعه وحافل بالتناقضات، ما يمنعنا من الاتجاه يميناً أو يساراً، بل من التقدم إلى الأمام.