المداولات غير المصرّح عنها حول كيفية تعامل الخارج مع الأزمة الماليّة والاقتصادية، تشير إلى أن الولايات المتّحدة لا ترى من داعٍ لأي إطار له بعده السياسي أو الاجتماعي. بل هي تعتقد أن لبنان وقع في حالة الإفلاس دولة ومصارف، وأن العلاج الوحيد إخضاعه لوصاية المؤسّسات المالية والنقدية الدولية المعنية. هذا التصور يعني ببساطة، الطلب إلى الحكومة اللبنانية الامتثال الطوعي والكامل لآليات عمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى قبول تولّي مؤسّسات دوليّة مختلفة، من بينها الأمم المتحدة ومؤسسات الـ"NGOs"، الوصاية الكاملة على عمل القطاعات بما في ذلك آلية إنفاق الدولة على القطاع العام.

لكن طرأت إشارة غير مكتملة مصدرها العاصمة الفرنسية، وفيها أن باريس تفضّل عدم حصر الملف بهذا الإطار التقني. وبحسب المطّلعين، فإن المسؤولين الفرنسيين أقنعوا الولايات المتحدة بألا تحصر الملف بيد المؤسّسات النقدية والمالية الدولية، وأن تفسح المجال أمام نقاش إضافي يقود إلى علاجات سياسية للأزمة اللبنانية. وموقف فرنسا، كما هو واضح، يتعلق بخشية من انهيار كامل للوضع الاقتصادي، وتالياً السياسي والأمني في لبنان. وأن الغرب لا يمكنه ترك لبنان أمام احتمالات الانفجار الأهلي الداخلي، أو حتى أمام فرصة تلقيه عروضاً خاصة من روسيا والصين، ما من شأنه أخذ لبنان لأول مرّة في اتجاه الشرق لا الغرب. وفي الحالتين سيبدو الغرب خاسراً.
لكن المشكلة لا تقف عند السجالات الغربية حول لبنان، بل أساساً حول غياب الرؤية الواضحة عند الجهات المعنية في لبنان. السلطة القائمة والتي تجدّد لنفسها، لا تُظهر فهماً دقيقاً لمخاطر الأزمة. والتحالف الوثيق بين أركان السلطة وأركان رأس المال، يهتم فقط بالحصول على دعم يعيد تعويم النموذج نفسه، من خلال إعادة تأهيل القطاع المصرفي لجعله قادراً على جذب العملات التي تحتاج إليها الحكومة للإنفاق (أو التبديد) العام. وبالإضافة إلى هؤلاء، فإن قوى المعارضة في لبنان، بما فيها القوى المنضوية في الحراك، لا تمثّل حتى اللحظة عنصر ضغط كافٍ لتعديل جدول الأعمال.
في هذه الأثناء، يكشف نافذون في المؤسسات المالية الدولية أنهم لا يلمسون وجود تصور متوافق عليه بين القوى اللبنانية حيال الأزمة. ويقول أحدهم إنه لا يوجد لدى الحكومة اللبنانية، حتى الآن، أي تصوّر لبرنامج العمل في المرحلة المقبلة. وزارة المالية ومصرف لبنان والمصارف لا تملك أي تصوّر محدّد. بل تتصرف على أساس أن المؤسسات الدولية العالمية هي من يعرف كيفية إخراج لبنان من مأزقه. وتصل الدهشة بأحد النافذين في هذه المؤسسات إلى حدّ القول: «لدينا نموذجنا الواضح في كيفية التعامل مع هذه الأزمة. نحن نعمل على خطة تقليص حجم الإنفاق العام، والذهاب نحو تسييل أصول عامة أو بيع الناجح منها، لتغطية ديون ستوفرها المؤسسات الدولية على شكل برامج أو قروض. وبالتالي، فنحن نبحث عمّا يناسبنا كجهات مُقرضة. لكن المهم، هل في لبنان من يملك التصور المقابل؟».
حتى اللحظة لا تبدو الأجواء إيجابية. داخل مؤسّسات الدولة، يقول البعض إن هناك تصورات للعلاج، وإنه جرت مناقشة أولية مع ممثلي الجهات المانحة أو المؤسسات الدولية على هامش لقاءات عُقدت في الخارج. لكن أصحاب هذه الوجهة يقرّون بالعجز عن إقرار سياسة عامة في لبنان في ظل موازين القوى الحالي. حيث لا يزال الفريق الممثل لتحالف السلطة ورأس المال هو الأقوى، والأقدر على فرض برنامجه على المؤسسات الرسمية في لبنان، من الحكومة إلى المجلس النيابي وصولاً إلى قوى سياسية فاعلة. ويلفت هؤلاء إلى أن طريقة تشكيل الحكومة، ونوعية النقاش القائم، لا تبشران بالخير. هؤلاء يعرفون أن لبنان غير قادر على سداد الدين، لكن هذا التحالف يريد الاستيلاء على ما بقي من الأملاك العامة بعدما نهب الودائع وصناديق التقاعد. وهو فريق يريد الاختباء خلف المؤسسات النقدية والمالية الدولية ليهرب من مواجهة المسؤولية. لكن الخداع هنا لن يطول، وسيكتشف اللبنانيون أن صندوق النقد سيلتهمنا جميعاً حتى من دون رشّة ملح!

مخاطر كبيرة من الخضوع لشروط صندوق النقد وتوحيد سعر الصرف اليوم كارثة


في المقابل، يملك خبراء رأياً واضحاً حيال مسار مختلف يمكن للبنان اعتماده في هذه اللحظة. أساسه عدم الخضوع التلقائي لسلطة المؤسسات الدولية، وعدم ترك القرار الوطني في يد المجموعة الحاكمة الآن. ويرى هؤلاء أن تعديلاً جوهرياً في أداء المعارضة يمكن أن يساعد على منع السلطة من التفريط بما تبقّى من عناصر قوة للبنان. قد يكون من الأفضل ألا يكون هناك تصوّر في لبنان، وخصوصاً أن طريقة تفكير الفريق الوزاري والمالي الحالي لا تختلف كثيراً عن طريقة تفكير صندوق النقد. في المقابل، من الثابت أن الدين العام في غالبيته يعدّ ديناً داخلياً ما ينفي الحاجة إلى تدخل صندوق النقد. الدين ليس في ذمّتنا لمصلحة أميركا أو دول الغرب. حتى عندما جرت عملية تحويل جزء من الدين من الليرة إلى الدولار، جرى ذلك من قبل المصارف التي كانت تعلم أن الليرة ستنهار، وأرادت حماية جزء من أصولها الخاصة بها بالدولار، ولكن يجب أن يعلم هؤلاء أنه إذا لم تتمكن الدولة من الدفع بالليرة فلن تستطيع الدفع بالدولار. نحن هنا لسنا بحاجة مطلقاً إلى صندوق النقد، بل بحاجة إلى إعادة جدولة للدين مع خدمة بفوائد منخفضة جداً.
هذا الأمر يعيدنا إلى نقاش متصل بطبيعة القوى التي تتحمل المسؤولية. إذا كانت هناك قيادة وطنية سليمة، فلا بُدّ وأن تعمل على حل المشكلة داخلياً، والعلاج الأول يكون بإعادة جدولة الدين، لأن لبنان غير قادر على الدفع الآن. ما نملكه من احتياطي بالعملة الصعبة، وما هو موجود في السوق الموازية، يؤكد بأن ما لدينا لا يكفي أصلاً لشراء القمح والمواد الغذائية والمحروقات والأدوية. على القيادة الوطنية دعوة أصحاب الديون إلى التريّث على أن يخلق المصرف المركزي الائتمان المطلوب لفتح الباب أمام قدرات إنتاجية تهدف إلى تسهيل حياة الناس. لأن اقتصاد السوق لا يحفّز إلا بالائتمانات. والفكرة الجوهرية هنا، أن الدين الحالي هو رأس مال وهمي، لكن التهافت على خدمته أو سداده بأي ثمن، سيحوّله إلى رأس مال حقيقي، وسيتم استملاكه من خلال حصص من الناتج القومي وحصة أكبر من المال العام من خلال برامج الخصخصة. وعلى الجميع أن يعرف بأن كل الحلول موجعة، سواء جاء صندوق النقد أم لم يأت، لكن وجع الحل الداخلي يبقى أقلّ إيلاماً.
المصارف تعي تماماً حجم الأزمة منذ فترة طويلة. عندما حوّلت جزءاً من الديون إلى الدولار في باريس 1 و2 و3 كان هدفها حفظ أصولها في المستقبل. وهذا يقود إلى مساءلتها: لماذا وافقتم على إقراض الدولة وأنتم تعرفون حقيقة الوضع؟ إذا كانت لدينا دولة فعلية، ولا نريد معاقبة المصارف، فلنعرض عليهم أن يأخذوا فوائد 1% أو 2% على سبيل المثال. الفائدة في منطقة اليورو سلبية! على المصارف القبول بهذه الصيغة كي لا يسوء الوضع أكثر. تعطيل الاقتصاد كلياً سيقود إلى مواجهة أهلية أكبر لأن كتلة المتضررين ستكبر وستعبّر عن موقفها بوسائل مختلفة عمّا هو قائم اليوم. وعليها أن تقبل بجدولة الدين، وتنتظر حتى يصبح معدل النمو في بلدنا أفضل. والمصارف تعرف أنه في حال ألزمت الدولة بالدفع الآن، فهي لن تقدر على الدفع لاحقاً. وتحقيق هذه المعادلة يتطلب موقفاً مختلفاً من القوى القادرة على ممارسة الضغط وعدم ترك الأمر لتحالف السلطة ورأس المال، وهو أمر سيكون على شكل حقيقة لأن سيرورة الصراع ستفرز القوى المفقرة ومن كل الطوائف، وستخلع طائفيتها وتلاحق المصارف باعتبارها المسبّب الرئيسي للأزمة.
على المصارف أن تقبل الواقع كما هو. فالمدين عندما يُقرض أحداً، لا بُدّ أن يسعى لاستعادة دينه، وإذا كان المصرف مكسوراً والمدينون مكسورين، فهذا يعني أنه أخطأ في سياسته التجارية والمصرفية، ويجب أن ينكشف أو يعلن إفلاسه. وإذا كانت المعادلة السياسية لا تسمح بذلك وخصوصاً أن المصارف تمثل نواة السلطة في لبنان، فنحن بحاجة إلى التعامل معها بموازين قوى معيّنة. وإن هي أرادت أن تفرض سياستها غير الكفوءة سيتحمل الشعب النتائج. بينما يُفترض بالمصارف أن تتحمل المسؤولية وأن توافق على طريقة عمل أساسها الفوائد القليلة جداً. ببساطة، يجب على القطاع المصرفي الانتظار ريثما ينطلق الاقتصاد من جديد. لأن الدفع لها الآن، سينعكس نقصاً في تمويل الاقتصاد، ومجرّد اعتماد سياسة تقشّف إضافية، يعني موت الاقتصاد، وبالتالي فقدان القدرة على سداد الديون. على المصارف الإقرار بهذه الحقيقة. وعليها أن تتذكر أنه لو كانت لدينا دولة حقيقية، لكانت وضعت يدها على المصارف.
المراجعة العادلة تفيد بأن الناس لا يتعاملون مع المصارف بقسوة، والناس لا يسألون المصارف اليوم عن حجم الأرباح التي حققتها حتى الآن. صحيح أن المصرف المركزي كان يدعم الليرة لشراء الخبز والدواء والمحروقات وكل السلة الاستهلاكية المستوردة سابقاً، لكن حصة هذه السلة لا تُقارن بالدعم الذي وفّره للمصارف باعتماده سياسات أتت على القوة الإنتاجية للبلاد وعلى الكثير من أرزاق الناس. لذا، فإن الخضوع لشروط المؤسسات النقدية والمالية الدولية ستكون عواقبه وخيمة. هذه المؤسسات ستفرض علينا توحيد سعر صرف الليرة (وفق السعر السوقي الاعلى وليس العودة إلى سعر الصرف السابق)، وإلغاء أي نوع من الدعم، وهذا يعني أن الليرة ستنهار أكثر بكثير مما هي عليه اليوم وسيعمّ الأذى الناس. بينما المطلوب اليوم هو فصل دورة الاقتصاد الوطني عن دورة الاقتصاد المالي الدولي. وفي هذا مصلحة للناس، برغم أن الجميع يعرف أن كل الحلول الآن ليست بالسهلة، لكن لا يجب أن نقع تحت ضغط الترهيب والتهويل بمجاعة قادمة. لم يحصل ذلك ولن يحصل. وعلينا الالتفات إلى دعم القطاع غير المنظّم من الاقتصاد المدعوم من إيرادات المغتربين ومن تحويلات مالية تصل إلى لبنان من دون المرور بالفيلتر الأميركي.