مع تأليف الحكومة الجديدة وتقلّد اختصاصيين لمناصب الوزراء فيها، ظهرت بوضوح رغبة جامحة في التمسّك بتسديد الدين السياديّ اللبناني. موقف بعض الوزراء الجدد بضرورة التوجه إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة من أجل تمويل حاجاتنا الرئيسية، والتسريبات عن الاجتماعات بين المسؤولين عن السياسة المالية وأركان القطاع المالي في البلاد، يشيان بأن الأولوية ستكون للاستمرار في تأجيل معالجة مشكلة الدين العام، والاستمرار في خدمته وإنفاق ما تبقى من احتياطيات نقدية في سبيل ذلك.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

هذه الرغبة، التي تظهر رغم انحدار الأزمة نحو مراحل كارثية، يمكن تفسيرها بالخلفية المؤدلجة لأصحابها ولشبكة المصالح التي يريدون أن يقوموا بحمايتها. هذه الخلفية المركّبة التي شرحها علي القادري رابطاً بين بناء هيبة صنمية للديون وضرورة سدادها وبين عملية تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد مالي ("الموألة"-Financialization).
وبحسب مايكل هادسون، في كتابه "الفقاعة وما بعدها"، فإن تحرير الدولار من تغطيته بالذهب وفّر قدرة كبيرة عند الولايات المتحدة لخلق كتلة ضخمة من رأس المال وتصديره على شكل دولارات إلى الخارج، عبر دورة مالية سمحت بانتقال المال عبر الحدود، من دون ضوابط تذكر، من خلال المصارف التي أصبحت قادرة على خلق المال إلكترونياً من خلال الإقراض من دون ضوابط دوليّة. وفي المقابل تجد هذه الأموال طريقها إلى المصارف المركزية الأجنبية عبر عملية الإقراض والاستثمار بالدين السيادي للدول.
هذه الدورة دفعت بالقطاع المالي إلى الواجهة، ودفعت نحو "موألة" الاقتصاد باطّراد. فالاستثمار في الدين السيادي عملية مربحة جداً، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن مخاطرها أقل بكثير من مخاطر الاستثمارات في القطاعات الأخرى. وهذه "الموألة" أعادت تدوير الكتلة المتنامية من رأس المال الوهمي في الدين السيادي للدول، وفي حال لم تتمكن هذه الدول من سداد الديون المتراكمة يستولي أصحاب رأس المال على أصولها.
من هنا يمكن فهم كيف تدفع المؤسسات التي أنتجها هذا النظام المالي، والتي أصبحت تُعدّ المراجع الأولى لإرشادات العمل الماليّ والاقتصادي (كما هو حال صندوق النقد والبنك الدوليين)، إلى بناء هالة قدسية حول ضرورة دفع الدين وخدمته.

البدايات: راتب مدى العمر
الدفاع عن ضرورة خدمة وسداد الدين السيادي ليس حكراً على المرحلة التي نعيشها اليوم فقط. يمكن القول إن الفترة ما بين 1945 و1971 (تاريخ فك ارتباط الدولار بالذهب) كانت فترة استثنائية، إذ فرض النموذجان الكينزيّ والاشتراكيّ مجموعة من الضوابط على تحرّك رأس المال نحو "الموألة"، بينما تاريخ الديون السيادية تاريخ مليء بالتربح على ظهر الطبقات المنتجة في المجتمع واستنزاف مواردها ومردود إنتاجها.
والاقتراض على شكل سندات خزينة مختلف عن الاقتراض الذي كانت تقوم به الدول عن طريق ديون يقترضها الحكّام (من ملوك وأمراء)، والتي كانت تختفي بمجرّد موت الحاكم. فالشكل الأول للسندات كانت تصدره المدن ذات الحكم الذاتي في أوروبا منذ بدايات القرن الثالث عشر. فهذه المدن كانت تستفيد من التجار القاطنين فيها الذين يستخدمون أسواقها.
دايفيد ستاسافدج يعتبر، في دراسة بعنوان "ما يمكن أن نتعلّمه من تاريخ الدين السياديّ المبكّر"، أن التجارة البعيدة المدى كانت ذات ربحية مرتفعة جدّاً، وساعدت التجار المنخرطين فيها في مراكمة أموال طائلة. هذا التراكم أُعيد تدويره في إقراض خزينة المدينة، ولكن ليس على طريقة إقراض ملوك وأمراء تلك المرحلة - أي القروض القصيرة الأجل بفوائد مرتفعة - بل عبر نظام الدخل السنوي (Annuity). وهذا النظام كان يقوم على أن يشتري مستثمر شهادة راتب سنوي من الخزينة على أساسها تدفع له الخزينة راتباً سنوياً مدى الحياة. وُضع هذا النظام للتحايل على القيود الكنسية للإقراض بالفائدة، أي الربا. وبينما كانت هناك عقود أو شهادات تتوقف عن الدفع عند موت المشتري، جرى تطوير نوع آخر دائم الدفع لحاملها، بغضّ النظر عن موت الشاري الأول. وفيما كان النوع الأول يدفع راتباً سنوياً أكبر، كان النوع الثاني يؤمّن راتباً أقل ولكن من دون أجل محدّد، في عملية تشبه عملية تحديد الفائدة على آجال سندات الخزينة التي تطوّرت في ما بعد. وكان دفع الرواتب يتوقّف إذا قرّرت المدينة شراء العقد من صاحبه بسعر البيع الأساسي. ومن ثم نشأ سوق ثانويّ لبيع هذه الشهادات وتداولها، بعد أن سمحت بعض المدن بذلك.
لقد كان لبنان مرتعاً مميزاً لتجربة إعادة تدوير رأس المال الوهمي التي نفذها وأشرف عليها رؤساء منتخبون ووزراء وموظفون معيّنون قانوناً


وكان هذا النظام مغرياً للتجار، لأن التجارة البعيدة المدى كانت تحمل الكثير من المخاطر، رغم مردودها المرتفع، بينما شراء هذه العقود أو الشهادات كان يؤمّن تنويعاً في الدخل، وتخفيضاً لمستوى المخاطر عليه، بينما ملاّك الأراضي لم يجدوا هذا النظام مغرياً، ولم يستثمروا بشهادات الرواتب السنوية كثيراً، فهم لم يراكموا رأس مال سائلاً بما يكفي لإعادة تدويره، ولم يجدوا في استثمارهم في الأرض مستويات خطر تضطرهم إلى البحث عن مصادر أخرى ذات مخاطر منخفضة.
وسرعان ما انتشر هذا النظام من المدن المستقلة إلى الدول ذات الأقاليم، حيث استفادت منها طبقة التجار أيضاً. وبدأت تظهر تصدّعات بين الطبقات والفئات الاجتماعية، سواء في المدن المستقلة أم في الدول، حول أولويّة تمويل الدولة، بين تمويل المرتبات السنوية (خدمة الدين) أو تمويل الحاجيات الضرورية والاعتيادية للدولة. ففي الدول ذات الأقاليم كان يقوم الشرخ الأساسي بين التجار وملاّك الأراضي، بينما في المدن المستقلة الاصطفاف كان يقوم بين طبقة التجار وطبقات الحرفيين وملاّك الأراضي. ويشرح ستاسافدج أن المحفّز الأكبر لهذه الشروخ، التي وصفها بصراعات التوزيع، كان يكمن في تمويل خدمة هذا الدين عن طريق الضرائب غير المباشرة التي تقع على عاتق الجميع بشكل متساو بدلاً من الضرائب المباشرة على الثروة.
ومع بداية القرن الرابع عشر، ولمدة 150عاماً تلت، شهد عدد من المدن المستقلة ثورات قامت بها فئات وطبقات شعبية على هيمنة طبقة التجار، حيث أسهم تطور نقابات الحرفيين، وفترة الأزمة الاقتصادية التي حلّت بعد وقت قصير من بداية القرن الرابع عشر، في اندلاع هذه الثورات، ولكن العامل الأهم يبقى الصراع حول القضايا المالية وإدارة خدمة الدين، كما يعتقد ستاسافدج. فالكثير من هذه الثورات، مثل ثورات جنوى وبازل وكولونيا، طالب مفجّروها بمحو الدين عبر إلغاء شهادات الرواتب. وعندما نصّبت الثورة الشعبية في جنوى عام 1339 سيموني بوكانيغرا في السلطة، كان من أوائل الأعمال التي قام بها النظام الجديد حرق القائمة الرسمية لدائني الدولة.
هذا النظام الذي بدأ في المدن المستقلة وانتقل إلى الدول، أُتقن على أيدي حكّام الجمهوريات الهولندية وأوصل في النهاية خلال القرون التالية إلى نظام الاستدانة عبر سندات الخزينة.
وفي هذا الإطار، يقول ستاسافدج، إن رأس المال في تلك الفترات كان يذهب إلى إقراض الدول التي تحمي المقرضين، سواء في الممارسة أو القوانين أو عبر المؤسسات التي نشأت. ويضيف أن إتقان الهولنديين مثلاً لعملية الاقتراض عبر السندات يعود إلى المؤسسات الحكومية التي نشأت في جمهورياتهم، والتي كانت تحفظ حقوق الدائنين، بينما النموذج البريطاني هو الذي انتشر في أصقاع الأرض في نهايات القرن التاسع عشر، لأن النظام البرلماني والمؤسسات الحكومية المالية البريطانية أمّنت حماية للدائنين، عبر فتح المجال لتمثيل مصالحهم، بشكل فعال في الحكم. وهذا، في الأساس، كان السبب الرئيسي لنشوء نظام الاستدانة عبر السندات بشكله البدائي، في المدن المستقلة، حيث كان لطبقة التجار القدرة على التأثير على الحكّام والحفاظ على مصالحها أكثر من الدول ذات الأقاليم التي يحكمها ملوك وأمراء يصعب التأثير بحكمهم بشكل عام.

الخيانة
هكذا يظهر أن لبنان ليس معجزة كما كان يسوّق لهذا الأمر في وسائل الإعلام وفي مناهج التدريس، بل تبيّن أنه بلد انفتح على أسواق رأس المال العالمي بعد 1992، وعاش عملية "موألة" قاسية، واستدان القائمون عليه باسم خزينته بشكل مخيف. الوزير السابق جورج قرم يلفت إلى أنه في التسعينيات، كان لبنان يستدين أكثر من قدرته على الإنفاق. لقد كنّا مرتعاً مميزاً لتجربة إعادة تدوير رأس المال الوهمي، وهذه العملية لم يقم بها أشباح، بل أشرف عليها ونفّذها رؤساء منتخبون ووزراء وموظفون معيّنون بشكل قانونيّ. والمشترك بين كل هؤلاء هو أنّهم أتوا من خلفيات أيديولوجيّة متشابهة، تقدّس الدين وخدمته، وتتفانى في تقديم فروض الطاعة للمؤسسات المالية الدولية المشرفة على نشر "الموألة".
واليوم نرى حكومة من شكل آخر، وجوه جديدة، بعضها يحمل شهادات ممهورة من مؤسّسات أكاديمية غربيّة، وبعضها الآخر يأتي مع تاريخ خبرات تتوافق مع مسار النظام المالي العالميّ، ونرى بعض هؤلاء الوزراء يبشّروننا بصندوق النقد الدولي، وبصنم ضرورة إيفاء واجبات لبنان تجاه الدائنين. وبينما الحلم بـ"بوكانيغرا" لبناني يأتي ليمحو الدّيْن بعيد المنال، سيكون القول بأن لا مجال سوى لتطبيق خطط صندوق النقد ووصفاته لإدارة الأزمة فعل خيانة لكل اللبنانيين، باستثناء الأقلية التي راكمت رأس المال منذ ثلاثين عاماً إلى اليوم. يجب ألاّ نستسلم للادّعاء أن لا حلول إلاّ من خلال اتباع وصفات صندوق النقد الدولي، لأنّ من ينادي بهذا اليوم مؤدلج في سياق قدسية خدمة الديْن؛ خياراتنا كثيرة، ولكنّها تحتاج إلى عقول منفتحة تتقبّل الخروج من سياقات التفكير السائد.